..ولقد حفظت لنا السيرة وكتبها حادثة أخرى تجلت فيها قصة يونس بن متي وأثرها في رفع معنويات الرسول (صلى الله عليه و سلم) – فثقل الدعوة لم يكن مقتصرا على بدايتها – بل مر الرسول عليه الصلاة و السلام بلحظات اشد سوادا وحلكة وعندما توجه إلى الطائف لدعوة الناس هناك إلى دينه، لم يجد أعراض الناس والاستهزاء والسخرية فحسب بل كان في كل خطوة يجد الناس يرمونه بالحجارة – وكانت تلك الفترة صعبة عموما بعد وفاة خديجة: سنده المعنوي والمادي الأول وعمه ابي طالب الذي وفر له نوعا من الحماية العشائرية – وبينما هو يستريح في ظل حائط وحالته هي ماهي عليه اذا بعناقيد العنب تعطي له الامل بالثمر والخصب – وإذا بذكر يونس بن متي المفاجئ أمامه يذكره بالقصة كلها وبـ( لا تكن كصاحب الحوت ) فقد جاءه عدّاس – وهو غلام نصراني لعتبة بن ربيعه وشيبة أخيه، بالعنب فسأله الرسول (ص) ( والدعوة هاجسه) من أي ارض أنت يا عدّاس؟ فقال من نينوى – وإذا بذكر يطرق باله ويذكره بيونس بن متي فقال له عليه افضل الصلاة و اتم التسليم من مدينة الرجل الصالح يونس بن متي؟.. إلى آخر القصة المعروفة وسواء صمدت الواقعة و اسانيدها للنقد الحديثي أم لم تصمد فهي تحمل في ثناياها ذلك الصدق والواقعية – التي لا تخلو منها الوقائع الصحيحة – وكانت الواقعة في موقعها المناسب تماما: العنب بموازاة اليقطين وذكر يونس في تلك اللحظة السوداء الحرجة: يذكر الرسول الكريم بالخروج من بطن الحوت.. وبعد ذلك بفترة ليست طويلة جدا ولعلها اكثر قليلا من عشرة أعوام، عندما حاصر ( عليه افضل الصلاة والسلام) الطائف ثم فض الحصار معلنا ان من تبعه من العبيد في الطائف حر طليق فلعله كان يفكر بعداس – ذلك الغلام النصراني الذي اتاه بعنقود العنب وبذكر يونس وبحفنة امل – في ظهيرة سوداء حارة – في ظل حائط من حوائط الطائف – لكن التاريخ لم يذكر لنا شيئا عن هروب عداس والتحاقه بالرسول – بل لم يذكر لنا شيئا على الإطلاق عدا هذه الواقعة. لقد قدم للرسول عنقودا من العنب ثم اختفى تماما.
ايضا من البوصلة القرآنية...