تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته

القرآن الكريم يدعونا للنظر، ويرشدنا أين ننظر. قال : أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء [الأعراف - 158[. وقال : قل سيروا في الأرض فانظر كيف بدأ الخلق [العنكبوت - 20]. وقال : أولم يتفكروا في أنفسهم [الروم - 8]. وقال: فلينظر الإنسان مما خلق [الطارق - 5]. وقال : وآنظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما [البقرة - 259].
والمراد بالنظر التفكر، والتفكر في القرآن نوعان:
النوع الأول: تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه.
والنوع الثاني: تفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه.
فالأول تفكر في الدليل القرآني وفي آياته المسموعة. والثاني تفكير في الدليل العياني وفي آياته المشهودة.
فالفكر هو احضار معرفتين في القلب ليستثمر منها معرفة ثالثة. والتفكر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلا عند القلب.
فالنظر والتفكر في الآيات البينات يرتقي بنا من السماع إلى العيان، ومن المشاهدة إلى الشهود، ومن الإيجاز إلى الإعجاز، ومن العلم إلى العمل.
فالله له الأسماء الحسنى وإن لكل اسم منها أثر من الآثار في الخلق والأمر. فالمخلوقات مرآة لأسماء وصفات الخالق.. وقال الشاعر فيما معناه أن في كل مخلوق دليل على خالقه:
تأمل سطور الكائنات فإنها إلى الملإ الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وأنشد آخر وهو ابن المعتز قائلا:
فوا عجبا كيف يعص الإله أم كيف يجحده جاحد
والله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

وأنشد ابن أبو الدنيا في كتابه التفكر والإعتبار عن شيخه أبي جعفر القرشي قائلا: « وإذا نظرت تريد معتبرا فانظر إليك ففيك معتبر ». وقال أعرابي:« البعرة تدل على البعير، والآثر يدل على المسير. فالسماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير ». وقال قس بن ساعدة ( ت 200 هـ ):« إن في السماء لخبر وإن في الأرض لعبر ».
فمع احتشاد الآيات البينات الشواهد على الخالق، كما تعرضها مجاهيل هذا الكون المشهود، وكما تعرضها مجاهيل ذلك الغيب المكنون، ومع امتلاء صفحات الوجود الحافلة بدلائل وجود الله ; في كتاب الكون المفتوح، في المجال الكوني العريض، وفي كتاب النفس المكنون، في المجال الإنساني العميق. ومع هبة العقل الذي يملك أن يحصي الشواهد ويستنبط النتائج، ومع نور القرآن الذي تتجلى تحت أشعته حقائق الأشياء واضحة، تتجلى وحدانية الخالق، إذ العلم يهدي للإيمان.
فالتفسير العلمي للقرآن الكريم جمع بين قراءتين; قراءة كتاب الوحي المسطور، إذ التفسير يبحث في القرآن كلام الله ، وقراءة كتاب الكون المنظور، إذ العلم يبحث في الكون عمل الله ، ولا تعارض بين الحقيقة القرآنية كلام الله ، والحقيقة الكونية عمل الله .
ولذلك فالإستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها وبينها وأرشد إليها كما قال ابن تيمية في كتابه النبوات.