كبر موسى وبلغ أشده.. وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فوجد فيها رجلين يقتتلان احدهما من بني إسرائيل والآخر قبطي من أتباع فرعون فاستغاثه الإسرائيلي على القبطي فتدخل موسى لانقاذ المظلوم فوكز القبطي فسقط ميتا . فاستغفر موسي ربه و قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ له فغفر الله له، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ, وأصبح موسى فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ يتوقع الشر، وفي الصباح وجد نفس الرجل الذي أنقذه بالأمس في عراك جديد وبمجرد ان رأى موسي إذ به يصرخ بصوت عال يطلب منه الانقاذ ويستغيث به فقال له موسي انك لغوي مبين وهم موسي بأن يبطش بالقبطي الذي يظلمه إذ به يقول " ياموسي أتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا ان تكون جبارا في الارض وما تريد ان تكون من المصلحين ".
هذه خلاصة الحدث الذي قصه علينا القرآن عندما دخل موسي المدينة ,وكما قلنا قبل ذلك لقد وجدنا في فهم هذه الآيات إشكاليات عديدة مثلت تحديا أمام المفسرين , ونحن بدورنا نحاول ان نفهم ماحدث في سياق النص القرآني
اولا :- قوله تعالى على لسان موسي " هذا من عمل الشيطان" رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له " أثارت هذه الايات عند البعض اشكالية في عصمة النبي موسي فكيف لنبي ان يرتكب جريمة قتل واكتظت كتب المفسرين سواء بعرض هذه القضية اوبالردود عليها و نحن نرى انه لم يكن هناك داعي اطلاقا لهذه الاشكالية لقول موسي رب اني ظلمت نفسي فاغفرلي " إذ ينبغي أن نفهم هذا الاستغفار من الانبياء في ضوء الأدب العالي من الانبياء مع الله وكمال العبودية له فاستغفار النبي لا يعني سبق وقوعه في الذنب واقترافه المعاصي بل إعلاء من شانهم وزيادة في مناقبهم صلوات الله وسلامه عليهم , يقول تعالي في حق النبي صلي الله عليه وسلم " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وقوله تعالى" إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3(" النصر,
اما بالنسبة لقتل القبطي فقد كان قتلا خطئا والقتل الخطأ لاينفي عن المؤمن ايمانه " وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطئا " فكيف ينفي عن النبي مناقبه وعلو مقامه وقد عبر القرآن باللفظ "وكزه موسي" للتدليل على انه قتل خطأ فالوكز هو الدفع باصابع اليد ولا يمكن ان تكون هذه الوسيلة أداة قتل وما الذي كان يمكن لموسي ان يفعل سوى وكز هذا الظالم ليبعده عن ضحيته اما كونه مات فليس لموسي ذنب في هذا القتل فضلا عن ذلك فلو قرأنا الحادثة في ضوء سياق النص القرآني لها ما وصلنا الى هذا اللبس لقد مهد القرآن للدخول في هذه القصة بعرض مناقب موسي وعلو شأنه " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) القصص , فانت ترى أن القرآن قد مهد للحديث عن هذه القضية بأن الله أتاه حكما وعلما وأنه من المحسنين هذه الشهادة الربانية لموسي قبل الدخول في القصة تعني ان هذه الواقعة ككل إذا قرأت بصورة إجمالية يظهر فيها دلائل الحكم والعلم والإحسان الذي أتاه الله لموسى وينبغي أن نفهم واقعة قتل الرجل في هذا الاتجاه اي في اتجاه مناقب موسى لا في اتجاه الذنب والنقيصة لموسى . لقد فسر كثير من العلماء قول موسي هذا من عمل الشيطان " أي اضطهاد القبطي للاسرائيلي الذي أدى إلى هذه الحوادث فلولا ظلم الفراعنة لبني اسرائيل واستضعافهم ووقوع هذا الرجل الضعيف في يد قبطي يسومه سوء العذاب الأمر الذي دعاه أن يستغيث بموسي ما تدخل موسي وما حدث القتل فينبغي أن ينسب القتل وتنسب الجريمة الحقيقية للمتسبب الأصلي وهو القبطي الذي كان يعذب الاسرائيلي و الى مظالم فرعون ببني اسرائيل لقد كان هناك على مر التاريخ من يعيبون على الضحية ويتركون الجلاد اذا كان قويا يخافون بأسه ويحملون على الضعيف بأنه سبب ماهو فيه من اذي لانه لو لم يذهب الى حيث قاتله ولو لم يستفزه ما اقدم على قتله لكن العدالة الالهية تقول " وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) " الشورى , يقول موسي لفرعون في رده عليه عندما قال له "وفعلت فعلتك التي فعلت وانت من الكافرين" لو اعلم ان عندكم عدالة تعطي لكل ذي حق حقه لما فررت منكم لقد فررت منكم لما خفتكم فكانت الفعلة إدانة لنظام فرعون وليس إدانه لموسي وقد غفرها الله لموسي نعمة منه وفضلا وجعله من المرسلين وكان رد موسي على هذه النعمة انه تعهد الا يكون ظهيرا للمجرمين لن يقف معهم ولن يعاونهم مهما حدث من مشاكل وانه سيظل عونا للمظلوم مهما حدث من خوف وتهديد "قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)القصص
ثانيا :- من الذي اراد ان يبطش به موسي؟ أهو الاسرائيلي ام القبطي وسبب الاشكال انه لو كان القبطي باعتباره عدو لموسي وعدو للاسرائيلي فلماذا قال موسي للاسرائيلي "انك لغوي مبين " واذا كان الذي يريد ان يبطش به موسي هو الاسرائيلي لانه كثير العراك وكثير المشاكل كما يقول البعض في توجيه هذا لراي فكيف يستقيم هذا الكلام في وصف من أراد أن يبطش به موسي بانه عدو لهما ؟ والاسرائيلي ليس عدو لموسي وهل معقول ان يستغيث بموسي رجل ضعيف من قومه فيهم موسي بقتله ؟ هذا قول غير مقبول بل الاقرب للواقع أن موسي فعلا أراد ان يبطش بالقبطي الذي ظلم الاسرائيلي وينتصر لضعفاء قومه وهو الذي حكاه الطبري عن جمهور العلماء
ثالثا :- ونريد ان نتأمل الالفاظ الثلاثة التي عبر بها القران عن حالة واحدة للاسرائيلي وهي " استغاثه " وفي اليوم التالي قال عنه"استنصره " " يستصرخه" , ربما لم يتنبه لها من وقعوا في الاشكال لماذا انتقل القرآن من لفظ الاستغاثة الى لفظ النصرة في اليوم التالي وهو موقف واحد ؟ ولماذا قال القرآن على لسان نفس الرجل في اليوم التالي يستصرخه " بعد ان كان بالامس "استغاثه؟ " نريد ان ندقق النظر في هذا التغير في الوصف القرآني لحالة الرجل الذي يستنجد بموسي والذي يظهر لي ان الاستغاثة طلب الاغاثة من خطر داهم وقد يغاث او لايغاث فاذا تمت الاغاثة وانتهي الخطر نقول انتصر انظر مثلا الى حديث القران عن بدر قبل المعركة وبعدها فقبل المعركة " إذ تستغيثون ربكم " اما بعدها وقد تحقق الغوث وقتل العدو قال" ولقد نصركم الله ببدر " وليس ولقد اغاثكم ,وهذا ما حدث مع الاسرائيلي استغاث بموسي فلما اغاثه موسي وقضي على عدوه وصف الفعل بالنصرة في اليوم التالي "فاذا الذي استنصره بالامس " ولم يقل فاذ الذي استغاثه بالامس " ثم هو اليوم يستصرخ موسي وليس يستغيثه ويمكن ان نتصور حال الرجل بعد أن رأي من قوة موسي وشهامته و قد تحرك عنده الشعور بالكرامة ضد الظلم الفرعوني فلم يعد يرضي بالسكوت الذي تعود عليه قبل ذلك فلما حدث له موقف اضطهاد اخر في اليوم التالي وكانت مواقف الاضطهاد كثيرة ومتكررة من الفراعنة لبني اسرائيل لكنهم كانوا مستكينين لايقاومون ولا يعترضون يتجرعون كأس الذل دون تململ او تذمر كحال المتعايشين مع الاسستبداد في كل وقت لكن بعد ان رأي من موسي ما راي آثر أن يعترض وبصوت عالي فما أن رأي موسي الا وقد علا صوته بالصراخ عبر عنه القرآن يستصرخه وليس يستيغيث به كما كان قبل لقد اظهر الرجل استقواء بموسي وكان يقصد من هذا الصراخ العالي تهديد عدوه الفرعوني وقد خاف الفرعوني فعلا وتودد لموسي قائلا " يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ " ولكن موسي في هذه الفترة ورغم ظهور أرائه في المظالم الواقعة على بني اسرائيل وسيرته بين الناس بالاحسان والاصلاح ورجاحة العقل والحكمة كان لايريد ان يصطدم بالمجتمع الفرعوني ويتعارك معه في هذا الوقت المبكر وهذا هو السر في انه عندما دخل المدينة دخلها على حين عفلة من اهلها أي اما في وقت القيلولة او بالليل حتى لايراه أحد أنه يريد فقط أن يقابل قومه من بني اسرائيل وينشر فيهم الوعي واحساسهم بالتحرر فعاب على الاسرائيلي هذا الحمق وهذ التصرف الاهوج وهو ماعبر عنه القران بغوي فالغواية هنا هي الصراخ بالاستغاثة بموسي حتى انتشر خبر موسي وتهديده للفراعنة وهم يقومون باضطهاد بني اسرائيل وهو ماجعل القوم لايصبرون عليه وياتمرون لقتله ومن هنا قال موسي للاسرائيلي " إنك لغوي مبين" لا لانه رجل كثير العراك والمشكلات بالامس واليوم ,ويبدوا أن هذا التفسير من إرث الاستبداد وهل بنو اسرائيل هم الذين كانوا يتعاركون مع الفراعنة ويخلقون المشاكل معهم أم أن الفراعنة هم من كانوا يستعبدونهم ويسومونهم سوء العذاب ؟ لكن هذا الحمق من الاسرائيلي وعدم التبصر باهداف موسي لايعني قعود موسي عن نصرته ودفع الظلم عنه اذ رءاه في موقف الضعيف المظلوم فلم يقل له موسي مثلا كما يقول من نبتوا في أحضان الاستبداد ورضعوا من ذله أنت تستحق ذلك لماذا لا تسمع الكلام؟ وتفعل مايملي عليك أنت السبب وما الي ذلك بل هم بنجدته ونظرا لما عرف عن موسي من قوة فقد خاف القبطي على نفسه وتودد لموسي وذكره بانه مصلح وليس جبارا في ارض يقتل الناس فليصلح بينه وبين الاسرائيلي وهذا تطور خطير في موقف الفرعوني كما ان هذا يعني ان موسي كان مشهورا بالصلاح والحكمة والسير الحسن بين الناس .ونستكمل بقية القصة في الحلقة القادمة