انتهي حديث القرآن عند محاورة القبطي لموسي وقوله " يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ (19)القصص . وانتقل الى الحديث عن الرجل الذي جاء من اقصي المدينة محذراً موسي من مؤامرة القوم ضده " وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ المَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20). القصص.
وظاهر النظم أن الرجل جاء على حين محاورة القبطي مع موسى ، فلذلك انطوى أمر محاورتهما إذ حدث في خلاله ما هو أهم منه وأجدى في القصة إلا أن هذا ليس ضروريا فقد تعودنا في اسلوب القرآن أنه أحياناً يطوي فترات زمنية بعيدة حتى تبدو وكأن الأحداث متقاربه زمنياً وذلك لكي ينتقل الى غيرها من الاحداث لاهميتها , ولذلك فاننا نميل ان قصة الرجل الذي جاء محذراً موسي لم تكن في وقت محاورة القبطي لموسي بل في وقت أخر خاصة العطف عليها كان بالوار والتي تعني مجرد العطف بخلاف الاحداث في قصة الاسرائيلي مع القبطي والتي جاء عطف احداثها بالفاء التي تعني السرعة والتعقيب "فوجد فيها رجلين " فاستغاثه " فوكزه موسي " فقضي عليه" فاصبح في المدينة خائفا يترقب " فاذا الذي استنصره " فانت تري العطف في احداث هذه القصة كلها بالفاء ثم عند الحديث عن الرجل قال تعالى " وجاء رجل من اقصى المدينة " ومن هنا فاننا نميل الى عدم الربط بين حادثة قتل القبطي ومجيء الرجل من اقصي المدينة يسعى ليحذر موسي أن القوم يأتمرون لقتله .
والغريب ان بعض كتب التفسير تروى في الربط بين القصتين رواية مجهولة يصعب تصديقها ففي تفسير زاد المسير وغيره " كان قوم فرعون لم يعلموا من قاتل القبطي ، إلا أنهم أتوا إلى فرعون فقالوا : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا فخذ لنا بحقنا ، فقال : ابغوني قاتله ومن يشهد عليه لآخذ لكم حقكم ، فبينا هم يطوفون ولا يدرون من القاتل ، وقعت هذه الخصومة بين الإسرائيلي والقبطي في اليوم الثاني ، فلما قال الإسرائيلي لموسى : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس انطلق القبطي إلى فرعون فأخبره أن موسى هو الذي قتل الرجل ، فأمر بقتل موسى ، ونقول هل فرعون كان في حاجة الى وجود ادلة ليقتل ؟ ماشاء الله ماهذه العدالة ؟ وابناء بني اسرائيل الذين يقتلهم ليلا ونهارا ماهي البينة عليهم ؟ الا يكفي صدر السورة التي تبدأ بأن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ابنائهم ويستحي نسائهم ؟ وهذا التصدير من السورة عن حقيقة فرعون وافعاله كاف لنسف هذه الرواية وماشابهها . ومن هنا فاننا نميل أن قرار قتل موسي لاعلاقة له بقتل القبطي وان اتخذ قتل القبطي شماعة للانتقام منه ;كما يفعل الطغاة دائما فقرار قتل موسي كان قد اتخذ قبل ذلك والشواهد على ذلك اولا : - ان موسي في اول مقابلة له مع فرعون بعد الرسالة ذكٌره فرعون بهذه الفعلة فقال وفعلت فعلتك التي فعلت – لاحظ انه سماها فعلة ولم يسمها قتل – وقد رد موسي عليه بما يكفي لكن في النهاية لما اراد ان يعاقب موسي هدده بالسجن وليس بالقتل " قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) الشعراء . فلو كان قرار القتل بسبب القبطي لما تنازل عنه ثم ماذا يمثل هذا القبطي في ميزان العدل الفرعوني حتى يقتص له ؟
ثانيا : كان قرار القتل بنص القرآن هو قرار الملاء من قوم فرعون " إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ " وهذا يعني أنه قرار سياسي صادر من الجهات السيادية العليا للدولة وهو ماعبر عنه القرآن بالملأ فالملأ هم الاشراف والسادة من القوم وقد شعروا ان هناك خطر يهدد الفرعون وهو ما تأكدوا منه بعد ان عرفوا خطر موسي وما يبثه في بني اسرائيل من وعي بضروة المطالبة بالحرية من فرعون ووصل الامر الى وقوف موسي امام هذا الطغيان ليدفع بيده حتى لو ترتب عليه قتل وقد بدأت فئات من بني اسرائيل تستقوي به في مواجهة الظلم الفرعوني كما حدث من الرجل وهو يستصرخه مما استشعر القوم خطورة موسي على نظامهم فقرروا ان يتخلصوا منه.
ثالثا :- حدد القرآن الجهة التي جاء منها الرجل يحذر موسي وهو اقصى المدينة " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى" وتعبير القران على هذه الجهة باقصي المدينة يشير الى حقيقة هامة لازمت الطغاة وهي انهم عادة ما يتخذون قصورهم ومساكنهم واماكن تجمعاتهم في أطراف المدن خوفا من انتقام المظلومين منهم وخوفا من الثورات والغارات ؛ ولتكون مساكنهم أسهل في خروجهم والهرب عند الخوف أو التمرد عليهم .
"فخرج منها خائفا يترقب" وإذا كان الظاهر ان قوم فرعون قد استراحوا من موسي ومشاكله بخروجه من المدينة وأن موسي سيلقى أياما صعابا إلا ان القرآن يعرضها كحلقة من حلقات التمكين لموسي والمستضعفبن في الأرض لقد اراد الله أن يمضي على موسي ما امضاه على الانبياء والمصلحين قبله وهو مروره بفترة يتم إخراجه من وطنه تحت ظلم القهر ومكر المجرمين يعود بعدها الى قومه نبيا من المرسلين فهذه سنة الانبياء وحدث هذا مع نبينا محمد فمنذ اللحظة الأولى التي علم فيها النبي بأنه نبي إلا وعلم وتيقن بأن مشركي مكة سيخرجونه وعلم أيضا أنها سنة ماضية في حق الأنبياء والمصلحين, ففي البخاري من حديث عائشة في بدء الوحي عندما انطلقت السيدة خديجة بالنبي إلى ورقة بن نوفل فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلي الله علية وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك, فقال رسول الله أومُخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً, "
لقد كانت سنة لله في حق الأنبياء الكرام ان يمروا بفترات التهجير والاخراج من الاوطان بسبب حقد ومكر اعدائهم وان هذه السنة ماضية في من سيأتي بعدهم ممن تعرض منهم لإصلاح المجتمع والدعوة إلى الله فهذه السنة لم تتخلف عن أحد, فالباطل وأهله لا يتحملان الحق وأهله في كل زمان ومكان ثم يعقب هذه الفترة من المطاردة والتهجير تمكين واستخلاف في الارض .
والان ننتقل الى حياة موسي في المهجرالقسري في ارض مدين .