لا تُنَفروا إخوانَكم من رمضان
لما دخل أول يومٍ من رمضان التفتَ إمامُ المسجد فوجد أعداداً كبيرة قد صلّت معه، فانتهز هذه الفرصة ليكرر موعظته السنوية المعروفة، التي لا تخلو من جملة: "بئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان!".هذا المشهد قد لا يتكرر كثيراً بنفس التفاصيل، لكنه قد يتكرر في ذات المضمون، حين يمارس بعضُ الإخوة الغيورين أسلوبَ التقريع والتوبيخ المباشر وغير المباشر للذين وجدوا في رمضان فرصةً للقرب من الله، والتخففِ من بعض الذنوب، والرغبة في تغيير الحال، خصوصاً ورمضان شهرٌ تفتّح فيه أبواب الجنّة، وتغلّق فيه أبواب النار، وتصفّد الشياطين، ويجدُ المسلمُ مع الصوم من الصفاء والقرب ما لا يجده في غيره من الأحوال، خاصةً وهو يعيش هذه العبادة مع أكثر من مليار مسلم.كم تعجبني تلك الكلمة العميقة من الإمام الرباني أبي العباس ابن تيمية ، التي يقول فيها: "ليس كل الخلق مأمورين بالكمال، ولا يمكن ذلك فيهم"([1])، وهذا معنى يجب أن نستحضره عند تأملنا في أحوال الناس، ووعظهم وتذكيرهم، فالكمال مرتبة فاضلة، ينبغي السعي إليها، والتشجيع عليها، لكن ليس من السائغ شرعاً ولا عقلاً حمْلُ الناس عليها، ويوضح ذلك أن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾[فاطر: 23]، فكل هؤلاء الأصناف الثلاثة: الظالم ـ وهو المفرط ببعض الواجبات، الفاعل لبعض المحرمات ـ والمقتصد ـ وهو الفاعل للواجبات، التارك للمحرمات ـ والسابق بالخيرات؛ كل هؤلاء ممن أورثهم الكتابَ بل واصطفاهم، وتأمل كيف بدأ بذكر الظالم، حتى لا يغتر السابقُ، ولا يقنط عاصٍ!إن الحديث عن المقامات العالية والأحوال الفاضلة يصلحُ أن يركّز على طلاب علم؛ فلا ينبغي من مثلهم التقصير، أما عموم المسلمين فينبغي الرفق بالحديث معهم وإليهم ـ خاصةً في أزماننا هذه التي كثرت فيها سبل الصدّ عن الخير وأهله ـ وأن يُشْكَروا على كل خطوة يتقدمونها في الخير، ويُحْمدوا على كل خصلة رديئة يتركونها، وأن يُفْرَحَ بكل والجٍ للمسجد، وأن نستشعر أن مجرد وصولهم إلى المسجد هو خير عظيم يجب استثماره، والترحيب به، وأن نبتعد عن أي أسلوب ينفّر الناس من هذا الدين، وإن غُلِّف بغلاف الغيرة، أو النصح.
وتأمل معي هذا الموقف الذي حدّث به أبو مسعود البدري ـ ـ قال: فقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا! فما رأيت النبي غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: «يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أمّ الناس، فليوجز فإن من ورائه الكبير، والضعيف وذا الحاجة» ([2])، فانظر كيف غضب النبي من هذا الفعل الذي أصله حقّ ـ وهو الصلاة ـ لكن طرأ عليها ما نقلها عن كونها وسيلة للتقرب إلى كونها وسيلة للتفرّق! وهكذا يقيس العاقلُ الفقيهُ في وعظه على هذا المثال.
إن مما ينبغي أن لا يغيب عن بال الواعظ هو النظر إلى الموعوظين بعينِ الرحمة، وإلى نفسه بعين الإزراء والمقت، فلربما كان فيمن يستمع له ـ ممن قد لا يبدو هذا على مظهره ـ من هو أكثر صلاحاً وتقىً، وقد تكون له أعمالٌ صالحة، وخبايا من الحسنات بينه وبين الله.
ومَنْ عرف نفسه حقّاً، وحاسبها وعرف مقدار تقصيرها؛ مَقَتَها في ذات الله، وأنه لولا سترُ الله الجميل لما وقف واعظاً لعباد الله، فليحرص على الرفق، وليجتهد في النصح المقرون بالرحمة والشفقة.
وكل ما سبق لا يعني ـ بلا ريب ـ السكوتَ عن النصح، ولا غضَّ الطرف عن تصحيح الأخطاء، لكنّ الموفّق يلتمس الوقت والحال الأنسب، بعد التأكد من كون الأمر الذي ينبّه عليه من المنهي عنه بالدليل الشرعي، وأنه ليس للشخص المنصوح عذرٌ ومأخذٌ معتبر فيما فعل، والله الموفق.


([1]) الاستقامة (2/ 156) .
([2]) البخاري ح(702)، مسلم ح(466).