يقول تعالى " قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) القصص.
وصل موسي الى شيخ مدين ودار هذا الحوار الذي نقلته الآيات الكريمة ولنا في التعقيب على هذا اللقاء عدة وقفات
الوقفة الأولى:- هل شيخ مدين هو نبي الله شعيب ?
ما نميل إليه أن شيخ مدين ليس هو نبي الله شعيب كما اشتهر عند البعض وذلك لأسباب تاريخية وأخرى موضوعية من ناحية النظر الى دور الأنبياء في القرآن.
أولا :-أما من ناحية التاريخ فان نبي الله موسي وحسب عرض القرآن لقصص الأنبياء جاء بعد شعيب بزمن كبير فزمن فشعيب جاء عقب زمن لوط مباشرة ولوط كان معاصرا لإبراهيم عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام " فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) العنكبوت " كما أن حديث القران عن ضيف إبراهيم يؤكد هذا التزامن بين لوط وإبراهيم يقول تعالى" قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) الحجر.
كما جاء على لسان شعيب وهو يتحدث الى قومه أنهم كانوا قريبي العهد بقوم لوط يقول تعالى "وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ() سورة هود.
وبهذا يظهر من هذه الآيات أن مابين موسي وشعيب قرونا من الزمن بعيدة
ثانيا :- وبالنظر الى حقيقة النبوة ودور الأنبياء في القرآن يجعلنا نستبعد أيضا أن يكون هذا الشيخ هو نبي الله شعيب فالمتتبع لعرض القرآن الكريم لادوار الأنبياء يظهر له أن أدوارهم في حركة الحياة كانت رئيسية ومحورية وليست هامشية فالنبي حسب عرض القرآن لا يعيش على حافة المجتمع كآحاد الناس بل يبعثه الله برسالة تهدف الى تغيير شكل المجتمع فيؤمن به من يؤمن ويكفر به من يكفر ثم تنتهي رسالة النبي بهلاك الظالمين ونجاة المؤمنين ويموت بعدها و تنتهي حياته عند هذه النتيجة يقول تعالى "و وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)يوسف ويقول تعالى "وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) الأنبياء " ثم تنشا بعد موته قرون أخري فيدب فيها الانحراف مرة ثانية فيرسل الله لهم رسولا آخر وهكذا يقول تعالى " ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44) المؤمنون , ولا نعلم في القرآن أن نبيا بعد أن اهلك قومه عاش على حافة المجتمع كآحاد الناس ليس له دور ولا نعلم نبيا انتهىت جولته الرسالية ثم ظل باقيا على قيد الحياة وعلى هذا فمن غير المعقول ومن غير اللائق أن يكون الله قد اهلك قوم شعيب بعذاب يوم الظلة كما ورد في القران وعاش شعيب بعدها في ارض مدين كاحاد الناس يرعي أغنامه ويعيش حياته الخاصة وإذا تصورنا انه عاش مع المؤمنين الذين آمنوا به فهل يعقل أن يكون هذا حال المؤمنين به أن يتركوا بناته يذهبوا لسقيا الغنم منفردين وإذا ذهبوا يظلوا بدون سقيا حتى يفرغ القوم أولا؟ ولهذا فنحن نميل الى أن شيخ مدين ليس هو نبي الله شعيب وهذا الرأي ذهب اليه شيخ الإسلام ابن تيمية وعزاه الى كبار الصحابة واغلب العلماء يقول : كما أن الله ذكر في القرآن أنه أهلك أهل مدين بالظلة لما جاءهم شعيب وذكر في القرآن أن موسى أتاها وتزوج ببنت واحد منها فظن بعض الناس أنه شعيب النبي وهذا غلط عند علماء المسلمين مثل ابن عباس والحسن البصري وابن جريج وغيرهم كلهم ذكروا أن الذي صاهره موسى ليس هو شعيبا النبي وحكي أنه شعيب عمن لا يعرف من العلماء ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين
ما جعلنا نتطرق الى هذه المسالة لننتهي الى ما انتهينا إليه هو حرصنا على إظهار مبدأ النبوة كمنحة إلهية خالصة ليس لتجارب البشر فيها سبيل وقد رأينا سابقا عند حديثنا عن قوله تعالي "إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) طه , أن موسي قد فوجئ بأمر الوحي كما فوجئ به سيدنا محمد وذلك لأن النبوة اصطفاء من الله وليست كسب واجتهاد من النبي والقول ببقاء موسي في رحاب نبي طوال عشر سنوات أو ثماني سنوات يثير الشبهات حول نبوته او على اقل تقدير انه كان يتطلع إليها والنبي قبل فترة الرسالة وإن كان الله يعده لها فيصفي نفسه ويطهر قلبه ويكسبه كمالا بشريا وسموا أخلاقيا إلا انه لا يتطلع إليها .
وقد استفاد موسي من بقائه في مدين أمورا سنتناولها في الحلقة القادمة إن شاء الله