كتاب الإيمان

باب قَوْلِ النَّبِيِّ - -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ"

وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَينْقُصُ.
قَالَ الله تَعَالَى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤]، وقال: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣]،
وقال: وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: ٧٦]،
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) [محمد: ١٧]،
وقال: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١]،
وقال: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة: ١٢٤]،
وقال جَلَّ ذِكْرُهُ: فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [آل عمران: ١٧٣]،
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢].
وَالْحُبُّ في اللهِ وَالْبُغْضُ في اللهِ مِنَ الإِيمَانِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ: إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ --: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً.
وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ.
وَقَالَ ابن عُمَرَ : لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا [الشورى: ١٣]، أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا.
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]: سَبِيلًا وَسُنَّةً (١)، دُعَاؤُكُمْ: [الفرقان: ٧٧] إيمانكم.

*

١- والإيمان في اللغة: التصديق،

٢- قوله: "الْبُغْضُ فِي اللهِ وَالْحُبُّ فِي اللهِ مِنَ الإِيمَانِ" (في) هنا للسببية -أي: بسبب طاعة الله ومعصيته- كقوله عليه الصلاة والسلام: "في النفس المؤمنة مائة من الابل" وكقوله في التي حبست الهرة فدخلت النار فيها ، أي: بسببها وأصل (في) للظرفية.

٣- وقوله: (إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَسُنَنًا). قال ابن المرابط: الفرائض: ما فُرِضَ علينا من صلاة وزكاة ونحوهما، والشرائع كالتوجه إلى القبلة، وصفاف الصلاة، وعَدَد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف، وعدد الطلاق إلى غير ذلك، والسنن: ما أمر به الشارع من فضائل الأعمال، فمتى أتى بالفرائض والسنن وعرف الشرائع، فهو مؤمن كامل.

٤- وقوله: (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ) أي: أوضحها إيضاحًا يفهمه كل أحد وإنما أخر بيانها؛ لاشتغاله بما هو أهم منها ولم يعلم أنهم يجهلون مقاصدها،

٥- ومعنى: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ليزداد، وهو المعنى الذي أراده البخاري.

٦- وقوله: (اجلس بنا نؤمن ساعة) أي: نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين، فإن ذلك إيمان.
وقال ابن المرابط: نتذاكر ما يُصدق اليقين في قلوبنا؛ لأن الإيمان هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى.

٧- وقوله: (الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ)، قال أهل اللغة: اليقين: هو العلم وزوال الشك،
، وأنا على يقين منه، وذلك عبارة عن التصديق وهو أصل الإيمان
فعبر بالأصل عن الجميع كقولهم: الحج عرفة،
وفيه دلالة على أن الإيمان يتبعض؛ لأن كُلًّا وأجمعَ لا يؤكد بهما إلا ما يتبعض حسًّا أو حكمًا كما قاله أهل العربية.

٨- و (حاك) ما يقع في القلب، ولا ينشرح له صدره، وخاف الإثم فيه، وفي "صحيح مسلم" من حديث النواس بن سمعان - - قال سألت رسول الله - - عن البر والإثم فقال: "البرُّ حُسْنُ الخُلق، والإثمُ ما حاكَ في نفسِكَ، وكرهتَ أن يطلعَ عليه الناسُ" فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة الإيمان سالمة من الشكوك. وعبّر هنا بالصدر عن النفس والخلد.

٩- وقولهم: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ): أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وإيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا)
معناه أن هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصه، هو شرع الأنبياء قبل نبينا كما هو شرع نبينا؛ لأن الله تعالى قال: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا الآية. ويقال: جاء نوح بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وهو أول من جاء من الأنبياء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ونوح أول نبي جاء بعد إدريس --.

١٠- وقوله في: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، سبيلًا وسنة.

١١- دُعَاؤُكُمْ إيمانكم): يعني: أن ابن عباس فسر قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا بسبيل وسنة، وفسر قوله تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، قال المراد بالدعاء: الإيمان، فمعنى (دعاؤكم): إيمانكم.
قال ابن بطال: لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ الذي هو زيادة في إيمانكم.

١٢- وحكئ أبو إسحاق عن بعضهم أن الشرعة: الدين.
والمنهاج: الطريق. وقيل: هما جميعًا الطريق، والطريق هنا: الدين. لكن اللفظ إذا اختلف أُتي فيه بألفاظ للتأكيد .
وقال محمد بن يزيد : شرعة معناها: ابتداء الطريق. والمنهاج الطريق المستمر .
وذكر الواحدي وغيره في قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ، قَالَ: الشريعة: الدين والملة والمنهاج والطريقة والسنة والقصد، قالوا: وبذلك سميت شريعة النهر؛ لأنه يتوصل منها إلى الانتفاع.
والشارع: الطريق الأعظم،


اختصره ماجد بن محمد العريفي
يوم الجمعة