#التدرج ليسَ من #الشريعة / الجزءُ الثَّالثُ
4. لا بُدَّ من أنْ نعلمَ جميعاً أنَّ قضيةَ التدرج في تطبيق الشريعةِ الإلهيةِ على النَّاسِ هي من أخطرِ المسائلِ العصريةِ؛ لأنها مُتعلقةٌ بأعظمِ قضيةٍ في الوُجودِ البَشَري وهي التوحيدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي كان وما زال إلى يومِنا محورَ الصراعِ بينَ الرُّسُلِ وأتباعِهم من جهةٍ، وبينَ أهل الشرْكِ من جهةٍ أخرى.
لقدْ ركَّزَ القرآنُ على التوحيدِ، فما من آيةٍ في القرآنِ إلا وتؤولُ إلى التوحيدِ للهِ ربِّ العالَمين، والتوحيدُ أنْ تُفردَ اللهَ بالعبادةِ لا أنْ تعبُدَ اللهَ فقط، فمَن عبدَ اللهَ وعبدَ غيرَه معه فقد أشركَ، ومَنْ عَبَدَ اللهَ وحدَه ولم يعبدْ غيرَه فقدْ وَحَّدَ اللهَ تعالى.
والواجبُ على المسلمِ أنْ يبقى في جميعِ لحظاتِ حياتِهِ مُوحِّداً للهِ تعالى، في كل ثانيةٍ ودقيقةٍ، ومع كلِّ نَفَسٍ، يجبُ عليهِ أنْ يُفردَ اللهَ تعالى بالعبادةِ، فلا يعبدُ غيرَ اللهِ تعالى في أيةِ لحظةٍ من لحظاتِ حياتِهِ، ومن التوحيدِ أن تُفردَ اللهَ بالدعاءِ والصلاةِ والحج والصيامِ والزكاة والطواف والسجودِ والركوعِ والقيامِ وقنوت والخشوع والخضوعِ والإنابة والاستغاثةِ والاستعانةِ والتوكل والخشية والخوف والرجاء والرغبة والرهبةِ.
ومن التوحيدِ أيضاً أن تُفردَ اللهَ تعالى بالطاعةِ والحكمِ والتحكيمِ، فيجبُ على المسلمِ أنْ يوحِّدَ اللهَ تعالى، أي أن يُفردَ اللهَ تعالى بالعبادةِ، ومن العبادةِ الطاعة، فيجبُ على المسلمِ أنْ يُفردَ اللهَ تعالى في الطاعةِ، فلا يجوزُ له أن يطيعَ ولا أنْ يحكمَ ولا أنْ يتحاكمَ إلا إلى اللهِ تعالى، وهذا هو علةُ الخَلقِ، ولأجل ذلك خلق اللهُ الإنسَ والجنَّ، فلا يجوزُ ألبتة أن يكونَ المسلمُ في لحظةٍ من لحظاتِ حياتِه مُشْركاً باللهِ في الطاعةِ والحكمِ، والتدرجُ في تطبيقِ الشريعةِ يعني أنَّ حياةَ المسلمِ في لحظةٍ من لحظاتِهِ سيكونُ مُشركاً باللهِ تعالى، يتحاكمُ إلى غيرِ اللهِ تعالى، يطيعُ غيرَ اللهِ ورسولِه – صلى اللهُ عليهِ وسلم –
في الحديثِ الذي رواه أحمد والترمذيُّ والبيهقيُّ والطبرانيُّ والخطيبُ البغداديُّ وابنُ مردويه وحسَّنه شيخُ الإسلام #ابن_تيمية و #الألباني عن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ – رضي اللهُ عنه - قال أَتَيْتُ النبيَّ - - وفي عُنُقِي صَلِيبٌ من ذَهَبٍ، فقال: "يا عَدِيُّ! اطْرَحْ عَنْكَ هذا الْوَثَنَ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في سُورَةِ بَرَاءَةٌ " ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ"، قال: "أَمَا إِنَّهُمْ لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إذا أَحَلُّوا لهم شيئا اسْتَحَلُّوهُ وإذا حَرَّمُوا عليهم شيئا حَرَّمُوهُ".
وفي روايةٍ تُصرحُ بأن الطاعةَ عبادةٌ، والتحكيمَ عبادةٌ: " فقلتُ (أي عدي) له: إنَّا لسْنا نعبدُهم. قال رسولُ اللهِ – صلى اللهُ عليهِ وسلم - : "أليس يُحَرِّمُون ما أحلَّ اللهُ فتحرمونه، ويُحِلون ما حرم اللهُ فتُحِلونه؟" قال: فقلتُ: بلى. قال: "فتلك عبادتهم".
فهذا تصريحٌ بأن طاعةَ اللهِ عبادةٌ للهِ، وطاعةُ غيرِ اللهِ تعالى عبادةٌ لذلكَ الغيرِ.
فدُعاةُ التدرجِ في تطبيقِ الشريعةِ هم وُكلاءُ إبليسَ في الأرضِ، فإن إبليسَ أراد من الناسِ أن يُشركوا باللهِ تعالى، ودُعاةُ التدرج جعلوا عبادةَ غيرِ اللهِ تعالى والإشراكَ بهِ سبحانَه بلباسٍ شَرْعيٍّ، وبصيغةٍ إسلاميةٍ عصْريةٍ.
قال تعالى: "وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩ أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ".
فجعل اللهُ تعالى تحكيمَ غيرِ ما أنزل اللهُ اتباعٌ لهوى الضالينَ، والجاهلينَ المستكبرين المُعرضين، فاتباعُ أهوائهم يؤدي إلى تحكيمِ غيرِ ما أنزل اللهُ تعالى، فلقد أنزل اللهُ الأحكامَ، ومَن أرادَ إقصاءَ الشريعةِ في وقتٍ ما عن التطبيقِ والتحكيمِ فقدِ اتبع هواه، وهذا نهى اللهُ عنه، فما بالُهم هذه الأحزاب #الإسلاعلمانية تُصرُّ على اتباعِ أهواءِ الناسِ، فلا يُطبقون جميعَ أحكامِ اللهِ تعالى بل ولا يدعون إلى ذلك في صريحِ أقوالِهم، وفَلَتاتِ ألسنتِهم؛ إرضاءً للعلمانيين، والغرب والشرقِ، وهذا من اتباعِ هوى غيرِ المسلمين.
ولقد أنكر اللهُ على العلمانيين أنهم يبغون غيرَ حكم اللهِ تعالى، وأن الموقنين هم من يُريدون حكمَ اللهِ حَكَماً مُقسِطاً، فأطلق اللهُ وصف الجاهليةِ على الحكمِ بغيرِ ما أنزل اللهُ تعالى.
وقال تعالى: " فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ".
وقال: " وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ".
وقال: " وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ".
وقال: " وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ".
فهذه الآياتُ تأمرُ بالتحاكمِ إلى الشريعةِ، وتطبيقِ حكمِ الشريعةِ، ولقد جاءتْ هذه الآياتُ عامةً في كل ما أنزل اللهُ ليس حكماً دونَ حكمٍ، كما يفعلُ المتدرجون، وجاءتْ مطلقةً في الزمانِ والمكانِ، فلا يجوزُ أنْ يغيبَ تطبيقُ أحكامِ الشريعةِ لحظةً واحدةً من حياتِك، ولا طرفةَ عينٍ، ففي الحديث الذي رواهُ النسائي والحاكم والبيهقي وصححه المنذري وحسنه الألبانيُّ عن أنس بن مالك - - قال: قال النبي - - لفاطمة - -: "ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أو تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حيُّ يا قيومُ برحمتك أستغيث ، أصلحْ لي شأني كلَّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عينٍ".
والتدرجُ لا من توكيلِ الإنسانِ إلى نفسِه الأمَّارةِ بالسوءِ طرفةَ عين بل قد يستغرقُ الحياةَ كلَّها، يعيشون ويموتون وهم يدعون إلى التدرج ولم يصلوا إلى نهايةِ التدرجِ المزعوم!!.
فأسألُ هؤلاءِ المتدرجين الواهمين الذين زيَّنَ لهمُ الشيطانُ أعمالَهم، واتبعوا غيرَ هدى اللهِ تعالى: إلى متى ستبقَوْنَ تتدرَّجون؟ فالتدرج – على فَرَضِ شرعيتِهِ – في التطبيقِ هل هو أبديٌّ أمْ مؤقَّتٌ؟ فإن كان أبديًّا فأنتم وعلمانيو الإلحادِ سواء، وإن كان مؤقَّتاً فنقولُ إلى متى، متى سينتهي التوقيتُ؟ إننا نرى أناساً يعيشون ويموتون وهم تحتَ رحمةِ تسويفِكم في تطبيقِ الشريعةِ والذي استغرق عَشراتِ السنوات منذُ إلغاءِ #الخلافة_العثمانية التي أصلاً هي الأخرى في أواخرِ عهدِها أقصتِ الشريعةَ في كثيرٍ من الأحكامِ فكانت عاقبةُ أمرِها الانهيار المُدَوِّي، والسقوطَ المشؤومَ.
أين برامجُكم في إنهاءِ هذه الفترة المُظلمة؟ أينَ برنامجُكم الواقعي العملي ولو على الوَرَق، حتى على الورقِ لا نراكم تتدرجون فعلاً، نريدُ شيئاً ملموساً في تطبيقِ الشريعةِ، فإننا لم نرَ من هذه الأحزابِ الإسلامية التي جمعت بين العلمنةِ (ولو بتأويل) وبينَ القيم الإسلامية!! ما يدل على أنها تطبق الشريعةَ تدريجاً.
سيقولون: ها نحنُ حكمْنا في بعضِ البلادِ فسمحنا بالحجابِ بعدَ أنْ كانَ ممنوعاً، نقولُ لهم: هذا ليس تدرجاً، هذا انتقالٌ من قانون وضعي إلى قانون وضعي، وهذا لم يفعلْه النبيُّ – – زمنَ التشريع والتدرج في التشريعِ، فجعلُ الحجابِ تحتَ اختيارِ الأخت الفاضلةِ هذا قانون وضعيٌّ غَربيٌّ، ومنعُه أيضاً قانون وضعيٌّ، فلم تُحكموا الشريعةَ في هذا الحكمِ، بل انتقلوا من قانون إلى قانون مثلِه، فلا تكذبوا على الأمةِ، ولا تدلسوا ولا تُلبِّسوا.
النبيُّ – صلى اللهُ عليهِ وسلم – في زمنِ التدريجِ في التشريعِ كان ينتقلُ من حكمٍ شرعي أراده اللهُ إلى حكمٍ شرعيٍّ آخرَ أراده اللهُ تعالى، ولم يكن ينتقلُ من حكمٍ وضعيٍّ جاهليٍّ يحكمُ به مشركو قريش في دار الندوةِ إلى حكمٍ وضعيٍّ جاهليٍّ آخر ألطف وأرقَّ بحالِ المسلمين وضعه هرقلُ في قصرِهِ بإيلياء!!
فيا ليتَهم رجعوا إلى الأحكامِ المنسوخةِ في عهدِ التدريجِ، بل تقلبوا بين أحكامٍ وضعية، وهذا ليس هو التدرج ولا #التدريج كما يزعمون.
مرةً أخرى: التدرجُ الذي كان في عهدِ النبوةِ كان ينقلُ المسلمينَ من حكمٍ أراده اللهُ إلى حكمٍ آخرَ أرادهُ اللهُ تعالى، ولم يكن ينتقلُ من حكمٍ علماني إلى حكمٍ لاديني!! فلو كنتم صادقينَ لنقلتُمُ الناسَ من حكمٍ أراده اللهُ في زمنٍ إلى حكمٍ أراده اللهُ في زمنٍ آخر.
أو على الأقل أن تطبقوا في كلِّ عامٍ من الأعوامِ عدداً من الأحكامِ الشرعيةِ، ولكنهم لا يفعلون ذلك بل يُنافحون عن #القوانين_الوضعية .
الآياتُ عامةٌ في وجوبِ تحكيمِ جميعِ أحكامِ الشريعة، ومطلقةٌ في وجوبِ تحكيم الشريعةِ في كل مكانٍ وزمانٍ.

أخوكمُ المُحِبُّ
أبُو مُحمَّدٍ
#بشر_خنفر
عمَّان البلقاء
الأربعاء
20/11/1437
24/8/2016