سورة يوسف هي سورة مميزة ومختلفة عن النسيج العام للخطاب القراني . ووجه الاختلاف في سورة يوسف عن بقية النسيج القراني ، انها وحدها ، تنفرد بالسرد المتتابع لقصة نبي من البداية إلى النهاية – دوناً عن بقية الانبياء والرسل الذين ترد قصصهم في سور مختلفة ودونما اعتماد على التتابع الزمني .
وتختلف ايضاً ان قصة يوسف لاترد الا في هذه السورة بالذات . وذكره لايأتي ابداً الا بصورة عابرة ، تذكيرية في سورتين اخرتين هما الانعام ( ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف ..) 84 الانعام – و( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ) 34 غافر – والسورتان مكيتان ، مثل سورة يوسف التي هي مكية بمعظمها بأستثناء الثلاث ايات الاولى التي انزلت في المدينة والحقت ببداية السورة ..
ولأسباب عديدة ، قد يكون هذا الاختلاف من ضمنها ، اثارت سورة يوسف الانتباه واستقطبت العديد من الدراسات والمؤلفات التي ركزت خصوصاً على دراسة الجوانب الفنية والجمالية في البناء القصصي لسورة يوسف …
لكن سورة يوسف يجب ان لاتعزل عن السياق المحيط بها في الخطاب القرآني ، عند دراستها ، حتى لو كانت مختلفة عن هذا السياق ومتميزة عنه .
ان سورة يوسف ، تتميز ايضاً بان ترتيبها الحالي في القران مطابق لترتيب نزولها بعد سورتي يونس وهود . وفي هذا لابد ان يكون معنى خاص يجعل من السور الثلاثة يونس ، هود ، يوسف – اقرب إلى الثلاثية المتسلسلة التتابع ، منها إلى ان تكون منفصلة عن بعضها ، رغم كون البناء القصصي في( سورة يوسف) مختلفاً عن سابقيه في يونس وهود .
ان هذا الارتباط – الاختلاف لابد ان يكون ذا مغزى ودلالة . فالسور الثلاثة مرتبطة معاً بالتسلسل الزمني وقت النزول – وبالتسلسل الترتيبي الذي يقرأه ملايين المسلمين منذ اكثر من ألف عام ، لكن على جهة اخرى : هناك التميز الذي اختصت به سورة يوسف لاعن الثلاثية التي تنتمي اليها فحسب – ولكن عن بقية السور القرآنية ككل .. ولا بد ان يكون هذا الارتباط – الاختلاف قد حصل لحكمة لهدف . بدلالة ومغزى ومعنى ..
فهل وصل الينا شيء من الاثر الذي احدثه هذا الاختلاف – الارتباط في الفترة المكية ؟
نعم لقد وصل الينا اثر مهم يحمل دلالة مميزة .
* * *
من دون كل السور القرانية ، يصل الينا حديث عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) ليصف تفاعله مع (هود واخواتها) .. على حد تعبيره الشريف : شيبتني هود واخواتها (ابي يعلى 880 ، المعجم الكبير ، 790، 318). شيبته ؟ لماذا ياترى؟ ما الذي فيها بالذات – هود واخواتها – الذي يجعل الرسول الكريم يصف هذا الوصف المفزع لتفاعله مع هذه السور بالذات ؟
* * *
نستطيع ان نستنتج ، من كون سورة يونس نزلت بعد سورة الاسراء ، ان هذه الثلاثية المترابطة : هود واخواتها ، نزلت في فترة مكية متأخرة نسبياً ، اعتماداً على كون حادثة الاسراء قد حصلت ..في اغلب الروايات – قبل الهجرة بسنة واحدة ، أي في الثانية عشر للبعثة . وحتى لو كانت حادثة الاسراء ، ابكر من هذا الموعد ، فان (هود واخواتها ) ستظل محتفظة بموقع النزول في وقت ما من الثلاث سنوات الاخيرة في مكة .
وكانت تلك الفترة صعبة في حياة الدعوة ، اذ اشتد فيها عداء قريش و محاربة الملأ المكي لمحمد (صلى الله عليه و سلم) ، خاصةً بعد وفاة ابي طالب عم النبي الذي مثل سنداً عشائرياً مهماً لمحمد تمكن من حمايته في عدة مرات سابقة . وكذلك بعد وفاة خديجة زوجته التي كانت سنداً معنوياً مهماً منذ بداية بعثته .
من جديد ، وجد محمد (صلى الله عليه و سلم) نفسه وحيداً ، رغم ان عدد اتباعه زاد – الا ان احساسه بالوحدة تضاعف بعد وفاة عمه وزوجته – وكان ذلك قبل حادثة الاسراء .
وكانت قريش قد تفننت – في هذه الفترة – بمحاربة الرسول عليه الصلاة والسلام ، حتى انها حاصرت بني هاشم في شعاب مكة ومنعتهم الاسواق ، وكتبت في ذلك العهود والمواثيق ورغم ان هذا الحصار كسر فيما بعد الا ان فترته الطويلة – سنتين إلى ثلاث سنوات – تركت اثرها حتماً على طبقة المؤمنين : لقد افهمتهم لاي مدى يمكن ان تمضي قريش في حربها ضدهم .
ثم كانت وفاة ابي طالب . ثم ام المؤمنين خديجة .
ويمكن فهم حادثتي الاسراء والمعراج بمجملها بربطها بالوضع النفسي للرسول عليه افضل الصلاة و السلام في تلك الفترة : لقد قدم للرسول دعماً معنوياً ونفسياً هائلاً عبر اسرائه ومعراجه، ثم انه عاد بالصلاة – واحدة من اهم اركان الدين الاسلامي ..
رغم ذلك – فأن الوضع الداخلي في مكة قد ازداد سوءاً : فسخرية مشركي مكة و سخريتهم منه عليه افضل الصلاة والسلام – زاد اضعافاً بعد الاسراء والمعراج . بل ان بعض المسلمين انفسهم قد افتتنوا بعد الاسراء والمعراج كما تروي بعض الروايات .
كانت مكة قد صمت اذنيها عن سماع دعوة محمد عليه الصلاة و السلام . بل منعت وروجت عند بقية القبائل ان لا تسمعه . وبعد عشر سنوات من الدعوة كانت لاتزال عند موقفها المتعنت الغبي، بعد عشر سنوات : كان الاذى والسخرية والاضطهاد – والظلمة .
في تلك الفترة بالذات المحملة بأقصى التحديات ، تنزل هود واخواتها اللواتي شيبنه عليه افضل الصلاة والسلام .
وكان وقتها – قد بلغ الخمسين – او تجاوزها بقليل .
* * *
تبدء سورة يونس بداية هادئة ، مثل اغلب السور المكية .
(ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش يدبر الامر ما من شفيع الا من بعد اذنه ..) يونس 31
وتبدء اللهجة بالتصاعد التدريجي وهي تمتد بعرض واستعراض الجدال مع الملأ القريشي : ( ولكل امة رسول فاذا جاء رسوله قضى بينهم بالقسط وهم لايظلمون . ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين . قل : لااملك لنفسي ضرأ ولا نفعاً الا ماشاء الله لكل امة اجل اذا جاء اجلها فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) 47-48-49 يونس
ثم تمر – مروراً سريعاً ، او يبدو ، على الاقل ، كذلك ، (واغرقنا الذين كذبوا بأياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) يونس 73- بخصوص قوم نوح ثم ومرة اخرى الغرق بخصوص قوم فرعون (فاتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً حتى اذا ادركه الغرق قال امنت انه لا اله الا الذي امنت به بني اسرائيل …) بعد فوات الاوان ! ،يونس 90
ثم : (ولو شاء ربك لامن من في الارض ، كلهم جميعاً ، أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) يونس 99 ، والحوار الالهي هنا يواجهه هو بالذات ، محمد عليه الصلاة و السلام ، الذي كان يواجه السخرية والاضطهاد التي واجهت الانبياء قبله ، مثلاً نوح ، ومثلاً موسى ، كل مامر بهم يمر به الان ، يعانيه ، يقاسي منه ، وحسب الامر الذي يدبره الله ، فانهم سيلاقون ذات المصير الذي لاقاه ، قبلهم ، القوم المكذبون قوم نوح وقوم فرعون .. وكان هذا ما لايريده محمد : نبي الرحمة – الرسول الذي هاجسه الدعوة – كان يريد لهم الايمان – والصلاح – والتغيير ، لا الدمار بسيل يقضي عليهم او بالزلزال او الصاعقة .
فجاء الخطاب (افانت تكره الناس ، حتى يكونوا مؤمنين ؟ ..)يونس 99
واكثر من ذلك : (فهل ينتظرون الا مثل ايام الذين خلوا من قبلهم – قل : فانتظروا اني معكم من المنتظرين ) يونس 102…
اذن عليه ان ينتظر . ينتظر اليوم الذي سيلاقون جزاءهم فيه : الغرق مثلاً . الاعصار – او الزلزال – وينتظر وقلبه يتفطر،قلب الداعية المحب لقومه والمتوسم فيهم و في من في اصلابهم خير …
وتنتهي السورة بما هو اقوى : (واصبر حتى يحكم الله . وهو خير الحاكمين ) 109 يونس
اذن سيحكم الله . وعليه ان يصبر إلى ان يأتي هذا الحكم . وهو حكم قطعي وغير قابل للاستئناف : تراه الطوفان ام الاعصار ام الزلزال ؟؟
هكذا كان عليه الصلاة و السلام يفكر ويتفاعل مع الخطاب القرآني في تلك المرحلة الصعبة التي تكالبت عليه وعلى دعوته الصعوبات والفتن .
وكانت سورة يونس مجرد مقدمة تمهيدية لسورة هود . مجرد احماء ذهني وفكري لما ستفعله سورة هود التي وصفها عليه افضل السلام تحديداً بانها شيبته.
* * *

سورة هود .
(فلعلك تارك بعض مايوحي اليك وضائق به صدرك ان يقولوا لولا انزل عليه كنز او جاء معه ملك انما انت نذير ..) هود 12
(فقال الملا الذين كفروا من قومه مانراك الا بشراً مثلنا و ما نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا ..) هود 27
(قالوا يانوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا فاننا بما تعدنا ان كنت من الصادقين) 32 هود
(… كلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه …) 38 هود
(.. وحال بينهما الموج . فكان من المغرقين) 43 هود
(وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الامر ..) 44 هود
انها صورة مفجعة :- تلك التي تقدمها بداية السورة – الاب وهو يرى ابنه – بأم عينيه يغرق . صورة مفجعة ، الاب يحاول مع ابنه ، ويتصور ان بامكانه انقاذه : فقط لو صعد إلى السفينة . لكن الابن يأبى . فيغرق : صورة مفجعة لأي اب يعرف طعم الابوة وقيمتها . ولعلها مفجعة اكثر لنوح الذي ربما تذكر انه دعا – ذات مرة . في لحظة صعبة : (رب لاتدع على الارض من الكافرين ديارا) نوح26 – وها هو دعاؤه يستجاب : وتعم الاستجابة فتشمل ابنه نفسه . وما ان تستوي السفينة حتى يقول نوح (رب ان ابني من اهلي وان وعدك الحق ..) هود 45 – مستذكراً امر الله له : (احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك..) هود40 .
صورة مفجعة . ولعل اكثر الناس كان استشعاراً لها هو الرسول عليه الصلاة و السلام الذي نزلت الصورة كلهاعلى قلبه : فقد كان اباً مفجوعاً هو الاخر ، لم يعش له ذكور وشاهدهم بأم عينيه يموتون امامه . وكان احساسه يتجاوز مصيبة الاب المفجوع ليذكره بتجربة مر بها قبل فترة وجيزة : عندما مات عمه ابو طالب – الذي كان يكن له عميق الحب والتقدير – مات دون ان ينطقها ، وظل محمد – بقلب ابن الاخ والربيب المحب – يستنطقه وهو على فراش الموت ، ويطلب منه كلمة واحدة يحاجج ربه بها : بينما وقف شخوص الملأ المكي على الجهة الأخرى من الفراش : اتترك دين عبد المطلب ؟
ومات . مات دون ان ينطقها . وترك في قلب محمد عليه الصلاة و السلام حسرة عميقة .
واذا كان ابو طالب قد مات – وقضي الامر – فقد كان محمد –عليه الصلاة و السلام يشعر بان الوقت قد بدء يدركه بالنسبة لاخرين : ابناء عمومه وقرابة واصدقاء صبا وشباب . الناس في مكة الذين لم ينطقوا بما يمكن له ان يحاجج ربه من اجلهم . الناس الذين احبهم بقلب الداعية الذي يسع الناس جميعاً : صغاراً وكباراً . اشرافاً وصعاليك .
وكان يشعر – بعد عشر سنوات مضنية من الدعوة والصدود ان الوقت بدء ينقضي وانه سيأتي اليوم الذي يكون فيه : لاعاصم اليوم من امر الله … وقضي الامر .. كذلك كان تفاعله مع تلك الصورة المفجعة لنوح – الاب – الذي شاهد ابنه يغرق امام عينيه ، ولنوح – الداعية والرسول : الذي شاهد قومه يغرقون.
وكانت تلك مجرد مقدمة .
* * *
(قالوا ياهود ماجئتنا ببينه وما نحن بتاركي الهتنا عن قولك ) 53 هود
(ولما جاء امرنا نجينا هوداً والذين امنوا معه برحمة منا …) 58 هود
(وتلك عاد جحدوا بأيات ربهم … الا بعداً لعاد قوم هود ) 59-60 هود
* * *
(والى ثمود اخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره) 61 هود
(… فقال تمتعوا في داركم ثلاثة ايام ذلك وعد غير مكذوب ) 65 هود
(فلما جاء امرنا نجينا صالحاً … واخذ الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين ) 66 هود
( … الا بعداً لثمود ) 68 هود
* * *
( ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب ) 77 هود
(وجاء قومه يهرعون اليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات) 78 هود
(… فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم احد … ان موعدكم الصبح . اليس الصبح بقريب ) 81 هود
(فلما جاء امرنا جعلنا عليهم سافلها وامطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ) 82 هود
* * *
(والى مدين اخاهم شعيباً قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان …) 84 هود
(قالوا : يا شعيب اصلاتك تأمرك ان نترك ما يعبد اباؤنا …) 87 هود
( ولما جاء امرنا نجينا شعيباً والذين امنوا معه برحمة منا واخذت الذين ظلموا الصيحة فاصبحوا في ديارهم جاثمين ) 94 هود
(… الا بعداً لمدين كما بعدت ثمود ) 95 هود
* * *
.. وتتابع الايات – المفجعة . المشيبة في سورة هود . تتلاحق الصور الواحدة تلو الأخرى ، مثل جمرات محرقة يمر عليها قلب محمد عليه الصلاة و السلام : لقد مر بذلك كله من قبل . لقد كان هنا من قبل. هذا الحوار بين الانبياء وبين اقوامهم ، لقد سمعه من قبل، كان جزءً منه من قبل. لقد قال لقومه – اهل مكة – كما قال عادٌ لقومه. وصالح لثمود. ولوط لقومه. شعيب لمدين. لعشر سنوات الآن وهو يعيد نفس الكلام.
ولقد سمع كلام الاقوام من قبل . ما قاله قوم عاد وثمود واهل مدين وقوم لوط : سمعه على لسان الملأ المكي كما لو ان التاريخ يعيد نفسه . لعشر سنوات وهو يسمع نفس الصدود والسخرية والاستهزاء .
لقد كان في قلب التجربة النبوية. في قلب المشهد المتكرر. وكان المشهد المكي مشابه للمشاهد السابقة لدرجة المطابقة الا في تفصيل واحد ونهائي : الختام الذي ينتهي به القصة كلها . وكان ذلك المشهد لم يتوج الفصل المكي بعد ، ولكن احتمالية ذلك كانت قائمة .
وكانت الايات اشواك يتقلب عليها محمد. جمرات محرقة شيبت رأسه. فالمقدمات المتشابهة في الايات ومكة – تحتم منطقياً ان تكون النتائج ايضاً متشابهة .
وكان يتسائل – بلوعة وحرقة وخوف : هل يحدث لمكة ماحدث لمدين ؟ هل يحدث لقومه ماحدث لقوم عاد ولوط وصالح وشعيب؟ هل يأتيه الامر الالهي فجأة : ان اسر بأهلك .. ويكون موعدهم الصبح – أليس الصبح بقريب . ثم يأتي الامر الالهي متعدد الصيغ : يجعل عاليها سافلها. حجارة من سجيل. الصيحة – الصاعقة – الزلزال … إلى اخره.
ويصير : الا بعداً لمكة – كما بعدت غيرها من القرى ..
وكان ذلك يعذبه . لقد كان لايزال يحبهم. بعد عشر سنوات من الدعوة الصعبة والصدود المر كان لايزال يحبهم . ويتمنى لهم الايمان والتغيير والقيامة من نومه القبر التي يعيشونها وكان على خضوعه وانقياده للامر الالهي ، يتمنى نهاية مغايرة لمكة وقومها .. وكان يشعر ايضاً ، ان له دوراً سيكون مختلفاً عن بقية الانبياء ، ربما اعتماداً على طبيعة معجزته ورسالته خصوصاً بعد الاسراء والمعراج- يعرف ان دوره مختلف …
ولكنها على أي حال ، عشر سنوات صعبة وحتى الان لم يكن هناك سوى المقدمات المتشابهة مع بقية القصص – وكل الاسباب التي يمكن ان تؤدي إلى النتائج المتشابهة :
المشهد الختامي الذي انهى كل القصص بالعقوبة الالهية .
* * *
وكان تتابع الايات – الجمرات يكاد يؤكد له – تلميحاً – ذلك كله (ذلك من انباء القرى نقصه منها قائم وحصيد) 100 هود
(وما ظلمناهم ولكن ظلموا انفسهم …) 101 هود
( كذلك اخذ ربك اذ اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه اليم شديد) 103 هود
( .. وما نؤخره الا لأجل معدود ) 104
( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون) 117 هود
( وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك ..) 120 هود
اذن هواجسه تكاد تتأكد. لقد اقترب المشهد الختامي حقاً . انه مؤخره لاجل معدود فقط. ومكة واهلها يكادون يستنفذون فرصتهم الاخيرة. وهو يتمنى لو كانت هناك فرصة أخرى، ويتمنى لو كان بأمكانه ان يفعل شيء من اجلهم … وكان ذلك يشيبه فعلاً ..
ثم تأتي الآيات الخاتمة للسورة المشيبة : (وقل للذين لايؤمنون اعملوا على مكانتكم انا عاملون . وانتظروا انا منتظرون) 122
انتظروا ! انا منتظرون ؟..
ينتظرون ماذا ؟ تساءل الرسول . الصاعقة ؟ الصيحة ؟ الزلزال ؟ حجارة السجيل ؟ الامر الالهي بالخروج ؟
ينتظرون ماذا ؟ تساءل الرسول وقلبه معلق بعرش الرحمن ، وعيناه معلقتان في السماء ومتخوفاً من أي سحابة قد تكون مقدمة للمشهد الختامي .
( انتظروا انا منتظرون )
وجلس محمد ينتظر في مكة بعد عشر سنوات من الدعوة والصدود . ينتظر امراً بالخروج لتواجه مكة مشهدها الخاص بها- نهايتها المشابهة لتلك النهايات في قصص القرى- وبينما هو ينتظر . ومعه المؤمنون ، نزلت سورة بنسق مختلف وسياق متميز .
سورة لم يكن فيها وعيد ولا صيحة ولا حجارة من سجيل .
سورة ابتدءت برؤيا.
* * *
بعد كل ذلك التوتر والاستفزاز عبر مشاهد العذاب التي اصابت الاقوام السابقة ، وبعد ان تهيأ محمد صلى الله عليه و سلم نفسياً – بأنتظار صعب وطويل ان يستقبل امر الخروج الذي سيسبق المشهد النهائي للفصل المكي الاخير : الصيحة أو العذاب أو الحجارة .
وبعد ان تيقن ان نهاية مكة ستكون كنهاية مدين أو ثمود … أو قرية لوط وصالح . نزلت عليه فجأة ، سورة تبدء برؤيا .. طفل يخبر اباه عن حلم رآه : (ان قال يوسف لابيه ياأبت اني رأيت احدى عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) يوسف 4
بدلاً من الزلزال أو صيحة العذاب وامر الخروج ، ينزل حلم طفولي شفاف على قلب الرسول •..
تبتديء السورة بذلك الحلم الشفاف الطموح-وبذلك المشهد الحميم بين الاب وابنه ..، ومع تتابع الايات نتابع يوسف وهو يكبر ويلاقي مصاعب-وكوارث ، ولكن شيئاً لايفت من عضده ، يستمر والحلم – الرؤيا في الاطار العام لافكاره وخططه : يستمر ، وذلك الحلم الطموح - الايجابي يشكل التربة الخصبة لكافة ولتغلبه على المعوقات امامه .
… ونراه – اقرب الناس اليه يتأمرون عليه . وتراه وحيداً ملقى في البئر ثم وهو يباع رقيقاً رخيصاً بثمن بخس: دراهم معدودة . ثم وهو يعمل كخادم-ويكاد يتعرض للاغراء والغواية. ثم يدخل السجن مظلوماً بتهمة مزيفة ،كل ذلك ، ويوسف يكبر ولكن ذلك الحلم الطفولي البعيد- الذي يبدو تحقيقه مستحيلاً-يظل موجوداً في اعماقه.
لم يتمكن اليأس من قتل ايجابيته- وظل مع كل ذلك وحيداً : منذ القى في البئر ، غريباً : من التقطه السيارة وباعوه في مصر . لكن شيئاً من ذلك لم يقتل روح الحلم في اعماقه . شيئاً من كل تلك المصاعب لم يستطع ان يقتل الاصرار والعمل والدأب في دواخله ..
.. وتنتهي السورة واذا بالحلم الذي إبتدء مع بدايتها يتحقق إذا بيوسف الذي رأيناه يباع كرقيق رخيص ، وفي السجن- اذا به متقلداً اعلى المناصب في ارقى دول زمانه .
وقد ابتدء ذلك بحلم طفولي ، رآه يوسف ، واسر به والده..
* * *
ان تفاعل الرسول (صلى الله عليه و سلم) مع الخطاب القرآني في هذه السورة بالذات ، لابد وان كان مختلفاً ومميزاً – فنزولها بعد هود مباشرةً- وفي الظروف الصعبة التي كانت الدعوة تمربها ، لابد وان جعلت من التفاعل معها يحمل مذاقاً خاصاً ومميزاً . عملياً كان الوعيد الالهي في هود شديد اللهجة .
وكان الامر بالانتظار (انتظروا انا منتظرون) محملاً بأيحاءات ودلالات تتجه في معظمها إلى حدث عظيم مفاجيء سيغير السكون الذي بدء يلف الاوضاع في مكة ..
وكان من المفروض ان يحدث شيء ما. أي شيء يغير رتابة الامر الواقع الذي بدء الملأ المكي يفرضه على الدعوة الجديدة . ففي كل الحسابات ، لم يكن عدد اتباع محمد يتجاوزون المائة بعد عشر سنوات من الدعوة. هو رقم لانستطيع ان نقول انه مشجع جداً ، خاصة في ظل ظروف الاضطهاد والاستكبار التي كانت تمارس ضد اتباع محمد- وفيهم مستضعفون وعبيد.
وعموماً لم يكن هناك حدث قوي يسند الدعوة الجديدة منذ اسلام عمر والحمزة ، خاصة بعد وفاة ابي طالب وخديجة- ورغم إن حادثة الاسراء والمعراج اسهمت في تثبيت قلب محمد (صلى الله عليه و سلم)- الا ان الجبهة الداخلية لم تتحسن اوضاعها كثيراً : فالسخرية زادت ، وبعض المؤمنيين افتتنوا.
بأختصار : كان لابد بشيء ان يحدث ليكسر جدار الامر الواقع .
وبعد عشر سنوات ، كان المتوقع ان يحدث ماحدث لقرى سابقة – وامم سابقة: العقوبة الالهية التي تنهي القصة بأكملها ، ومن جذورها .
وفي ظل الانتظار المتعب- المتحدي (انتظروا انا منتظرون ) الذي اختمت به سورة هود التي شيبته عليه افضل الصلاة والسلام ، تنزل على قلبه سورة بنسق مختلف وسياق متميز تبدء بحلم طفولي شفاف وطموح كأنما لتغير معطيات التفكير واولويات النظر ، في تلك المرحلة الدقيقة التي كانت الدعوة تمر بها : ، ولو استعرضنا نتائج التفاعل المحمدي مع الخطاب القرآني في سورة يوسف لوجدنا عدة نقاط مهمة:
اولاً- لقد غيرت السورة من معطيات تفكيره التي سيطرت عليها مشاهد العذاب المفجعة في سورة هود . فهنا صار النجاح ممكناً . ولم يعد العذاب الالهي هو الفعل النهائي في قصص الانبياء. بل صارت هناك امكانية النجاح والتمكين في الارض والسيطرة على خزائن الارض .
ثانياً – لقد كان يوسف ، بعد كل شيء ، وحده – الا من ايمانه وطموحه ودأبه على الكفاح ، لقد كان وحيداً منذ القي في البئر: لا اخوه ولا عمومة ولا خؤولة – ولا سند عشائري من أي نوع ، كما انه كان خالياً من أي مكانه اجتماعية مؤثرة منذ بيع كرقيق رخيص – بثمن بخس دراهم معدودة- ثم عمل كخادم ، ثم صار نكرة منسية في السجن – لكن ذلك كله لم يعوق امكانية نجاحه ووصوله إلى هدفه..
وكانت تلك النقطة مهمة في تفاعل محمد (صلى الله عليه و سلم) مع الخطاب القرآني : فوحدة يوسف صارت فجأة تعني مواساة له عن فقدانه لعمه (السند العشائري) وزوجته خديجة (السند المعنوي والمادي) – فيوسف اصلاً لم يمتلك هذين السندين في قصة كفاحه الطويلة ومع ذلك نجح.
ثالثاً – لقد اعطته سورة يوسف تلك الفكرة المغايرة عن امكانية النجاح في قرى أخرى ، مدن أخرى غير قريته ومدينته. فيوسف لم يتحقق حلمه الا في مصر ، وربما لو ظل في مجتمعه البدوي – العبري – لما تحقق له حلم ولا نجاح لكنه عندما نجح في مصر : وفيها ارقى حضارة في ذلك الوقت – استطاع ان يستقطب ويجذب ابناء عشيرته من البدو الرحل ، الذين استوطنوا مصر وتقلبوا في ظروف مختلفة خلال بضع مئات من السنين إلى ان خرجوا من موسى.
ان تلك الفكرة المغايرة جعلت من بصيرته عليه افضل الصلاة والسلام تتفتح لتر ان مكة ليست الساحة الوحيدة للدعوة: وان امكانية النجاح في اماكن أخرى قد تكون اوفر .
رابعاً – لقد لمحت سورة يوسف إلى اهمية الانتقال من المجتمع البدائي – الرعوي، مجتمع الصيد والرعي- إلى مجتمع اكثر تقدماً من النواحي الإنتاجية :زراعي مستقر مثلا كما هو في وادي النيل .. ، ولقد اثبت سياق السورة تفوق ليوسف في هذا المجال عندما قدم نصيحته للملك بخزن القمح في مواجهة سنين جفاف متوقعة .
خامساً – تقدم السورة في سياق مختلف ، رغم كل الصعوبات التي تواجه يوسف ، لغة هادئة ، ومشاهد تكاد تعارض مشاهد سابقة في سورة هود: فبعد مشهد الاب – نوح المفجوع بأبنه مرتين مرة لكفره ومرة لغرقه ، هناك مشهد معارض في سورة يوسف: مشهد حميم بين يوسف ويعقوب في بداية السورة واخر في نهايتها .اذن ليس كل الابناء كفرة – وليس كلهم عاقون .
وحتى الاخوة الذين تآمروا على يوسف ورموه في البئر، حتى هؤلاء، اتى عليهم حين من الدهر ليعلنوا فيه توبتهم وندمهم .. وصلحهم .
.. وكان ذلك جديداً كله .
* * *
لقد أعطى التفاعل مع معطيات التفكير التي افرزها الخطاب القرآني ابعاداً جديدة ، ومساحات عذراء ، وآفاق اوسع..
وفي تلك الفترة تحديداً التي اعقبت هذا التفاعل المبدع الايجابي، حاول الرسول (صلى الله عليه و سلم) نقل الدعوة إلى الطائف ، ولكنها محاولة قوبلت بصدود مماثل لما حصل في مكة . ثم حاول مع اهل يثرب .
وهناك : كان ما كان .
* * *
عبر هذا الفهم المغاير لسورة يوسف وموقعها ضمن سلسلة يونس – هؤلاء بالذات، في المرحلة الصعبة من الدعوة التي تلت وفاة ابي طالب وخديجة وافتتان المؤمنين بالاسراء والمعراج-عبر هذا الفهم المغاير يمكن معرفة كيف استطاعت هذه السورة المختلفة تغيير معطيات التفكير وتوسيع الافاق والمديات النفسية للرسول الكريم عليه افضل صلاة و اتم تسليم – وكيف استطاعت على الاخص ان تتفاعل معه ايجابياً لتزرع في داخله الاحساس بجدوى العمل بعد عشر سنوات واكثر من الصدود. بل تؤشر له على خارطة العمل والامل ترسم في دواخله صيغاً متعددة الالوان والرؤى بدلاً من النظرة الاحادية واللون المتكرر ..، هذا بينما لاتقدم السورة – عندما تعزل عن سياقها هذا – اكثر من (حدوتة) حكاية بالمعنى التقليدي، مسلية ومثيرة نعم- لكنها لاتقدم لنا شيئاً عن التفاعل النبوي معها، عن اثارها الايجابية، عن اعماقها الكامنة، وطاقاتها التعبوية- القائمة لحد الان .

من كتاب البوصلة القرآنية - الدكتور احمد خيري العمري دار الفكر دمشق