يقول تعالى " فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) القصص.
الوقفة الثانية :-العنوان الخطأ للقصة
كثير من كتب التفسير و كتب السير والأخبار اختارت لهذا المشهد من حياة سيدنا موسى عنوان زواج موسى من بنت شعيب وحشر حول هذا العنوان تفصيلات لم يأتي بها النص القرآني وهذا العنوان الخطأ فوت علينا الكثير من الفوائد القرآنية من عرض القرأن لسير الأنبياء " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)يوسف
فهذا القصص نحتاجه في معرفة سنن الله التي خلت في الغابرين ولا نحتاجه في استخراج أحكام فقهية نلوي فيها عنق النصوص ليا فلقد أغنتنا شريعتنا وكفتنا من هذه الأحكام فنحن لا نحتاج الى شرائع من قبلنا لنأخذ منها أحكاما لتنظيم حياتنا فتلك أمم قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا ولكل امة شرعة ومنهاجا ولكل امة منسكا هم ناسكوه , يقول تعالى " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .....(48) المائدة.
ويقول تعالى " لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ .....(67) الحج .
ثانيا :- ومن هنا فان هذا النص لم يأتي ليقرر جزئية فقهية في باب النكاح حتى نقف عندها بهذه التفريعات الكثيرة بل هو جزء من سياق قصصي يحكي مشهدا من تلك الرحلة العجيبة لموسى عندما خرج من المدينة خائفا يترقب متوجها الى مدين داعيا ربه أن يهديه سواء السبيل فالتعامل مع هذا المشهد باعتباره مصدرا للأحكام الفقهية في باب النكاح فضلا عن خلله الفقهي فانه قد فوت علينا الفوائد القرآنية من القصة التي جاء عنوانها في أول السورة " وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) القصص .
فيجب أن نقرأ في هذا المشهد نعم الله على عبده موسي وإعداده للرسالة الكبرى لمواجهة الطغيان العالمي وكيف ينجيه الله من القوم الظالمين ويتم نعمته عليه حتى يعود الى بلده رسولا من أولي العزم من الرسل وليست قصة زواج .
ثالثا : ورغم أن اعتبار شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد له ناسخ في شريعتنا هو من الأمور المختلف فيه بين الأصوليين والكثير لا يعتبرونه مصدرا ورغم هذا فان الآيات لا تنهض لهؤلاء الذين يعتمدون هذا المصدر إذ أن الآيات جاءت على صيغة من العموم لا يمكن معها استنباط حكم واحد منها فلم يحدّد القراّن الكريم من من المرأتين التي جاءت لتدعو موسى باسم أبيها، و لا تلك التي قالت :" يا أبت استأجره" . ولا من هي التي عرضها عليه الأب ليزوجها له و لا يوجد دليل قاطع على أن تلك التي تزوّجها هي ذاتها التي اقترحت استئجاره ، او هي التي جاءته تمشي على استحياء .
وقد لمح ابن عاشور في تفسيره هذا العموم الذي لا يصلح لاستنباط أحكام فقهية في النكاح فيقول وإذ كان حكم شرع من قبلنا مختلفا في جعله شرعا لنا وكان حجة مختلفا فيها بين علماء أصول الفقه ، فزادها ضعفا في هذه الآية الإجمال الذي تطرقها فوجب الرجوع إلى أدلة أخرى من شريعة الإسلام " ا.ه وانظر أيضا الى تعقيب الإمام الفخر الرازي في تفسيره بعد عرض تفصيلات القصة قال وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل.". ا.ه واقول إن معظم الاستنباطات الفقهية من القصة جاءت من التفصيلات المحيطة بالقصة التي لم يأتي بها النص القرآني وإنما كانت من تلفيق واختلاق الرواة فكيف تنسب إلي القران ؟
رابعا : ورغم أن القصة لا تصلح لاستخراج ثمة أحكام فقهية كما رأينا وإنما هي تفصيلات وتفريعات وأحداث مختلقة لم يأتي بها النص المقدس ولن تاتي بها رواية صحيحة عن المعصوم صلي الله عليه وسلم إلا أن هذه الروايات قد أساءت الى سيدنا موسي عليه السلام ورسمت له صورة ذهنية غير لائقة بمقام الأنبياء الرفيع فوقع أصحابها من حيث لا يشعرون أو من حيث يشعرون في الإساءة الى الجناب الكريم لسيدنا موسي .
فوجدنا من هؤلاء عندما يتحدث إلى العامة مقربا ومبسطا ويعلق على اقتراح البنت على أبيها أن يستأجر موسى للقيام بالعمل بدلا منهما- لقوته وأمانته- يتناوله على طريقة أن : " البنت أحبت الولد والولد أحب البنت أو أي كلام مشابه من هذا النوع !! ويتناولون الأمر كما لو أن موسي قد أعجب بالفتاة لحيائها وأعجبت به الفتاة لأمانته وقوته فحدث إعجاب متبادل بينهما ثم انتقل الإعجاب الى الأب فلم يرد أن يكسر بخاطر الفتاة الذي لمح في الفتاة ميلا لموسي فعرض الأب عليه ان يزوجه بها وتعرض القصة في النهاية على طريقة الأفلام السينمائية رجل وامرأة حدث بينهما استلطاف نشا بسببه قصة حب انتهت بالزواج !!!!!!!!!!!!!!!
وما كان لنا أن نتحدث عن الأنبياء بهذه الطريقة المهينة وما كان لنا أن نسكت عن مثل هذا الهذيان و الخوض في مقامات الأنبياء الرفيعة بهذا " الاستظراف" الرخيص.
إن قراءة هذا المشهد في ضوء السياق القرآني لمسيرة سيدنا موسي يرينا كيف انعم الله على موسي حيث أبدله بعد الخوف نعمة وأمنا وأبدله بعد الفقر والجوع مسكنا ومطعما وزوجة صالحة واستقرارا في ملاذ آمن بعيدا عن مدينة الخوف يرينا القرآن كيف تحققت هذه النعمة عبر مسارات عادية من الحياة رتبتها القدرة الإلهية لموسي عندما جاء موسي للشيخ قص عليه القصص وهذا القصص ليس هو ما دار بين موسي والفتاة التي جاءته تمشي على استحياء بل هي قصة فرعون وملأه مع بني إسرائيل مظالم الفرعون التي رآها موسي وعاشها منذ الميلاد ونشأته في قصر فرعون وعندما دخل المدينة على حين غفلة من أهلها وما حدث بها من أحداث حتى وصل الى هذه البلاد البعيدة وعندما أكمل موسي القصص قال له الشيخ نجوت من القوم الظالمين و هنا بدأت تتفتح أبواب السماء بالرحمة عبر المسار العادي للأحداث لقد دعا ربه أن يهديه سواء السبيل وهاهو في المكان الآمن واجري الله على لسان احدي الفتاتين أن تعرض علي أبيها أن يعمل لديهم مقابل الأجر " يا أبت استأجره " وهنا وجد العمل الذي يقتات منه فما كان لنبي أن يكون عالة على غيره فكل نبي كان يأكل من عمل يده حتى أن نبي الله داوود والذي كان ملكا نبيا كان يأكل من عمل يده وبعد وجود المكان الآمن والعمل الحياتي رأي الشيخ أن من المصلحة له ولبناته أن يزوجه احدي بناته وليس بالضرورة أن يكون الزواج مقابل العمل او العمل مقابل الزواج حتى يمكن استنباط انه يمكن أن يكون المهر عملا فليس في الآية دليل عليه وهو من الامور المختلف فيها في شريعتنا بل الآية فيها انه عرض عليه الزواج وعرض عليه العمل باجر " تأجرني " وذلك لمدة ثماني حجج أما الزواج فيمكن أن يكون تم بطريقتهم فالاثنان منفصلان خاصة أن المهر يكون حقا للمرأة وليس حق لوليها العمل كان لدي الأب وليس لدى الفتاة فلا يصلح أن يكون مهرا ونرى أنهما منفصلان ولا حاجة للتعسف بان يكون هذا مقابل ذاك وبزواجه من إحداهن ستحرم عليه الاخري ويعيش بينهم كواحد من العائلة وهنا اكتملت النعمة لموسي ملاذ آمن وعمل مجزي باجر وزوجة صالحة ليعيش موسي بضع سنين في أهل مدين بعيدا عن مدينة الخوف في جو من الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي والعائلي وكان هذا من النعم التي ذكره الله بها في اللقاء المقدس " فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه .