مآسي زيارة داغستان (3)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات... اليوم، هو عاشر يومٍ في هذه البلاد، وقد صوّرتُ واقتنيتُ ما يقارب خمسين نسخة من مختلف طبعات مصحف قزان، أوّل مصحف يطبع في العالم الإسلامي معتمدا ظواهر الرسم العثماني، وبفضل الله وكرمه أصبحتُ الآن أعرف عن هذا المصحف عن تاريخه عن منهجه في الرسم والضبط والوقف والعدّ... أكثر ممّا يعرفه أئمة هذه البلاد وعلمائها... فكلّ من قابلتُه حتى الآن من الأئمة والعلماء والمفتين والإداريين والآكادميين... يجهلون جهلاً كلّياً أو جزئيا أهمية هذا المصحف وتاريخه وقيمته العلمية والتاريخية... رغم أنّه يمثل نقطة تحوّل مركزية في تاريخ المصحف الشريف.... - طبعا هذا الكلام أخاطب به نفسي... فلا يمكن لمن عنده نسمة علم أن يتبجّح بما يعرف إلاّ إذا كان من أصحاب الجهل المركّب، وطالب العلم يعرف أنّ أوّل درجات سلم العلم "الله أعلم"، وكلّما زاد درجة في سلّمه عَلِمَ أنّ ما يعلمه نقطة في بحر ما يجهله...
فهذا الكلام إنّما أقوله وأكرره على نفسي كلّ ساعة وحين، محاولا التخفيف والتنفيس عنها، ومحاولا – بلا جدوى- نسيان عظم جرم "الإخوان" وتقصيرهم في حقّ هذا الشعب الطيّب المسكين... أو على الأقلّ التخفيف من عِظَمِه وحدّته بالنظر إلى ما وصلتْ إليه هذه الزيارة من نتائجها العلمية والأكاديمية والتي أحسبها مرضية إلى حدٍّ ما...
وبمجرد أن أنتهي من هذا الكلام مع نفسي...
أعود فأجيب نفسي بنفسي...
لماذا تعب أصحاب هذا المصحف؟ لماذا طبعوه؟ لماذا عانوا التزام ظواهر الرسم العثماني بدقة عجيبة؟ ولماذا هذا التفاني في ضبط هذا المصحف؟... أليس هذا كلّه لخدمة هذا الشعب، وتعليم هذا الشعب، من أجل الحفاظ على دينه، وترقيته للأفضل والأحسن...
فأعود إلى نقطة الانطلاق، نقطة تجاهل هذا الشعب الطيّب المسكين، وإخراجه من جميع حسابات واهتمامات هذه التيارات الدعوية.....
وأعود إلى هذين التيارين المتخاصمين... لأقصّ عليكم كيف ولجتُ معركتهما رغماً عني...
إنّ من أهمّ ما يمتاز به هذا الشعب كرمُهُ... وهذان التياران من هذا الشعب، فهما على ما فيهما من آفة الجهل المركّب – باعتبار المشكل المطروح – لم يخلوَا قطّ من صفات إكرام الضيف وقرّه... فما من مسجد أحلّ به إلاّ ويدعونني القائمون عليه أو بعض المصلين لزيارة بيوتهم أو للمطاعم نتغذى أو نتعشّ أو نشرب الشاي (القهوة بالنسبة لي) ونتحدث ونسمر ونأنس...
وكنت أقبل هذه الدعوات، - اللهم إلاّ دعوات المبيت بسبب المضايقات الأمنية- ، وقرّرتُ أن أخوض مع كلّ من يجلس معي في هذا المشكل، محاولا ترشيدهم إلى الميدانِ الحقيقي لمعركتهم، شعبِهم الجاهل بتعاليم دينه الذي يحاول الخروج -ولا يعرف كيف- من براثين اللادينية واللائكية والنصرانية والإباحية... ويحاول الصدّ عن نفسه – ولا يجد لذلك السبيل - هذا المدّ الثقافي الروسي في اللسان والأعراف وفي الآداب والأخلاق... محاولا تذكيرهم بما يجب عليهم إزاء هذا الشعب من دعوته إلى الإسلام تعلّما وفهما وعملا والتزاما...
وفي حديثي مع كلّ تيار كنتُ أتودّد لهم، لا أظهر مخالفتهم، حتى انطلق من المتفق معهم لأصل إلى تقويم المختلف فيه... فأرى تجاوبا حينا وترددا حينا آخر... وأستمر هكذا إلى أن يفقهوا ما أقول... أو هكذا يتظاهروا حياء من هذا الضيف العربي... فكرم أهل القوقاز لا ينفي أنّ لهم "معزة" تشبه "معزة" الجزائريين بشهادة كلّ من يعرف الشعبين. وأمثال شعبية مثل (النيف والخسارة) ونحوه لا تتعجبوا إذا وجدتموه عند الشعبين.
كنت أتحدث مع شباب التيار السلفي... أصفهم بأهل السنة بورثة رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالفرقة الناجية... وأنعت التيار الآخر بما لا أحبّ ذكره ها هنا... رجيا الإصلاح ما استطعت... أتغاض الطرف عن: جهلهم وما أفظعه (بسبب عجمتهم)، عن كثرة بدعهم التي ينكرونها على غيرهم (بسبب عجمتهم وقلّة علمهم)، عن معاصيهم التي لا يشعرون بها (.....)، وأشياء أخرى لا أحبّذ ذكرها....
وكنت أتحدث مع شباب وشيوخ الصوفية عن عرفانهم، عن زهدهم، عن التزامهم، عن كثرة ذكرهم، واجتهادهم في عبادتهم، عن حبّهم الكبير لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وتعلقهم به... وأنعت التيار الآخر بما لا أحبّ ذكره... راجيا الإصلاح ما استطعت.
وأتغاض الطرف عن سلبياتهم عن بدعهم الكثيرة، عن غلوّهم... (بسبب الحقبة الزمنية الطويلة التي بقيت فيها هذه البلاد بعيدة عن الإسلام منفصلة عن أمتها ...)
هذه هي بداية خوضي للمعركة معهم... في ميدان كلّ تيار على حدّة، ولكن إذا اجتمع التياران واتخذني كلّ واحدٍ منهما حاجزا أو درعا يصدّ به خصمه ، أو ممراً وقنطرة للقضاء عليه... هنا تبتدأ المشكلة.... غدا إن شاء الله نكمل القصة....