مكيتها:

الباب الأول : هل السورة مكية أم مدنية :

هل السورة مكية أو مدنية أو نزلت مرتين في مكة والمدينة أقوال، أصحها أنها مكية
واختاره : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وعلي بن الحسين ، وقتادة ، وأبو العالية ، و سعيد بن جبير ، والحسن ، وأبو العالية الرياحي ، وأبو ميسرة ، واختاره أبو السعود والآلوسي والبيضاوي وجمهور العلماء واسْتُدل على مكيتها بأدلة :
أ- الدليل الأول : ما جاء في سورة الحجر ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم والحجر مكية بلا اختلاف ، ومعلوم أن الفاتحة هي السبع المثاني، ومعلوم أن الله تعالى لم يمتن عليه بإتيائه السبع المثاني وهو بمكة ثم أنزلها بالمدينة .
ب- الدليل الثاني : أنه لا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة فهذا إجماع، ومحال أن تفرض الصلوات ولا ينزل ما هو تمامها وبه قوامها فقد قال النبي من الخبر الثابت : " كُلُّ صَلاةٍ لا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ " . قالها ثلاثاً والخَدْج النقص فغير جائز أن تفرض علينا الصلوات ، ولا ينزل ما يزيل عنها النقص ، ولا يسعنا القول بأن رسول الله كان بمكة يصلي ثلاثة عشر سنة بلا فاتحة الكتاب، وما حفظ أنه كانت في الإسلام صلاة بغير الفاتحة.
· وقيل إنها أول ما نزل من القرآن ، وأكثر المفسرين على أن أول ما نزل من القرآن : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) إلى قوله تعالى : ( مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ، ولكن الفاتحة من أول ما نزل وليست أول ما نزل . وصح الخبر عن النبي في حديث أبي بن كعب أنها من : أول ما نزل من القرآن
قال الآلوسي : وقد لهج الناس بالاستدلالعلى مكيتها بآية الحجر ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم وهي مكية لنص العلماء والرواية عن ابن عباس ولها حكم مرفوع لا لأن ما قبلها وما بعدها في حق أهل مكة كما قيل ؛ لأنه مبني على أن المكي ما كان في حق أهل مكة والمشهور خلافه ، والأقوى الاستدلال بالنقل عن الصحابة الذين شاهدوا الوحي التنزيل.


**

بعض فضائل الفاتحة:

1) روى البخاري[1] عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ [الأنفال: 24] " ثُمَّ قَالَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ»، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْرُجَ فَذَكَرْتُ لَهُ، وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ [ص:62] حَفْصًا، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا، وَقَالَ: " هِيَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ السَّبْعُ المَثَانِي "
2) روى البخاري[2] عنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غَيْبٌ، فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً - أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ - قَالَ: لاَ، مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِأُمِّ الكِتَابِ، قُلْنَا: لاَ تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ - أَوْ نَسْأَلَ - النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»
3) روى مسلم[3] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: " هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ "
4) روى مسلم[4] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ»؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: 2]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: 1]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 7] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ "




**

مقصود الفاتحة:
قال البقاعي :
فالغرض الذي سيقت له الفاتحة و هو إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال ، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة ، وباستحقاق العبادة والاستعانة ، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله ، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم ، لإفراده بالعبادة ، فهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه ، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق الملك المالك ؛ لأن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع ، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق ، والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه ، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول ، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا .

**
تفصيل المعاني والإشارات التي دلت عليها الفاتحة، ثم بيان اشتمالها على جميع معاني القرآن اشتمالا إجماليا :
اعلم أن هذه السورة اشتملت على جميع معاني القرآن وأمهات المطالب العالية أتم اشتمال ، وتضمنتها أكمل تضمن:
أولا : تفصيل المعاني والإشارات دلت عليها الفاتحة:
1) تعليم عباده كيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه ويتذللون له ويثنون عليه بأوصاف كماله وجلاله، والإقرار باختصاصه بالربوبية والرحمة الواسعة الثابتة والتصرف في الدنيا والآخرة ، والخضوع لله والتسليم لأمره وبيان استحقاقه تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال ، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة .
2) وفي مقدمة السورة الحمد لله وهذا فيه أن كل حمد وثناء فهو مستحق لله سبحانه وكل كمال وكل نعمة منه سبحانه وهو مصدرها سبحانه و تستوجب الحمد.
3) وكلمة رب فيها معنى التربية والإنماء وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق وفي العالمين فمنه ، فليس في الكون متصرف بالإيجاد ولا بالإشقاء والإسعاد سواه ، و إياك نعبد وإياك نستعين اجتث جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم .
4) بيان واسع رحمته في بسم الله الرحمان الرحيم فذكر الرحمة في أول الكتاب – وهي التي وسعت كل شيء – وفيها وعد بالإحسان، الإشارة إلى شمول نعمته تعالى جميع الخلق ، وبيان العلاقة بين الله وعباده بأنها علاقة رحمة لا عداوة ، والدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب ولذلك كررهما في الفاتحة، وبيان أنه المستحق وحده لأن يتبرك ويستعان ويبتدأ باسمه سبحانه لا معبوداتهم الباطلة ؛ لأنه( الرحمن ) ذو الرحمة العظيمة الواسعة التي تعم الوجود كله السموات والأرض ، والدنيا والآخرة ، المدبر للوجود برحمته ، ومن أعظم رحمته إرسال الرسل وإنزال الكتب فإن رحمته تمنع إهمال عباده ، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم ، وهو الرحيم بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم ويثيبهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ولا يكلفهم إلى ما في طاقتهم، ورحمته الثابتة متعلقة بهم لا تعد ولا تحصى ، وقد كررها مرة ثانية تنبيها لنا على غاية رحمته وأن علاقته الأصلية بعباده الرحمة .
5) وفيها تقديم الدالِّ على الرحمة وهو (الرحمن الرحيم) على الدالُّ على الجلال والهيبة وهو (مالك يوم الدين) وتقديم الدالّ على الوعد، وهو (أنعمت عليهم) على الدالّ على الوعيد، وهو (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) لأن الترغيب أبعث للنفوس، ولأن رحمته تعالى سبقت غضبه ، وفيها تقديم أمر الآخرة على أمر الدنيا وأن من طلب الهداية حصل خيري الدنيا والآخرة وأنها هي النعمة الحقيقية .
6) واشتملت على التعريف بالمعبود - – بأربعة أسماء ، وهي مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ، ومدارها عليها ـ كما سيأتي توضيحه ـ ، وهي : «الله ، والرب ، الرحمن ، الرحيم » .
7) وفيها ذكر الأمور التي اختص بها تعالى لا يشاركه أحد فيها، وهو إيجاده للعالمين وتربيته لهم ، ورحمته الواسعة العميمة الثابتة ، وملكه ليوم الجزاء بجميع أحواله إيجادا وملكا وملكا وتصرفا ، والخضوع له الذي هو المقصود الأصلي لذلك اليوم ، وفيها النظر للترغيب(رب، الرحمن الرحيم) والترهيب (مالك يوم الدين ) للدنيا والآخرة ثم لما تميز بذلك سبحانه أكمل تميز وبان أنه المنفرد بهذه الأمور التفت إليه سبحانه وبين أنه المستحق وحده لأن يستعان وأن يعبد وهذان الأمران اللذان يدور عليهما عبادة العابد وفيهما الإقرار بأنه عبد لله وأن الله سبحانه هو المعبود المستعان وحده


8) وفيها الوعد والوعيد فذكر يوم القيامة ، وبيان أنه تعالى هو الذي يملكه يملك إيجاده والتصرف فيه والحكم وغير ذلك من أحواله ، فـمعنى الدين في مالك يوم الدين الجزاء والخضوع والانقياد لجزائه، وأن العالم كله يكون فيه خاضعا لعظمته ظاهرا وباطنا ، يرجو رحمته ويخشى عذابه ، وهذا يتضمن الوعد والوعيد وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك الصراط المستقيم وهو الذي من سلكه فاز ومن تنكبه هلك، وفيها الترغيب والترهيب بالهداية والإنعام والغضب والضلال، وذلك يستلزم الوعد والوعيد .
9) وتضمنت إثبات المعاد ، وجزاء العباد بأعمالهم - حسنها وسيئها - وتفرُّدَ الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق ، وكون حكمه بالعدل . وكل هذا تحت قوله مالك يوم الدين .
10) وفيها تخصيص العبادة بكل أنواعها لله وإفرادها له دون غيره والإخلاص فيها ،والإقرار أنه المستحق وحده للعبادة، وتشمل التكليف بالأصول والفروع، الأصول: من توحيد واستعانة وتوكل واعتماد وتفويض ونحوها ،و الفروع: من صلاة وصوم وغيرها من أمور الفروع ، كل ذلك في إياك نعبد وإياك نستعين .
11) وفيها الاستعانة به على كل الأمور، والإقرار بأن المعونة من عنده ، والقدرة له والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، والاستعانة به تعالى لا سيما الهداية بالثبات والزيادة من الهداية للصراط المنعم عليهم، والسؤال بإلزام صراط الفائزين المنعم عليهم الذين هم مغايرون للمغضوب عليهم والضالين ، والإنقاذ من طريق الهالكين ، والاستعانة بالله أن يجنبه صراطهم ونتيجته السيئة .
12) فيها ذكر الصراط المستقيم ، فهو سبحانه قد وضع لنا صراطا سيبينه ويحدده وتكون السعادة في الاستقامة عليه ، والشقاوة في الانحراف عنه ، وهذه الاستقامة عليه هي روح العبادة وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله وهيبته والرجاء لفضله واستقامة على صراطه .
13) وفيها الأخبار والقصص ففي قوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم تصريح بأن هناك قوما تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم فاستقاموا عليها فكانت سببا لسعادتهم دنيا وأخرى، ونجاتهم مما أصاب الظالمين فاعتبروا بها كما قال تعالى لنبيه يدعو إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده حيث بين أن القصص إنما هي للعظة والاعتبار .
14) وفيها ذكر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أنعم الله عليهم بالإسلام والإيمان الراسخين و غاية الصلاح والتقوى والفوز بسعادة الدنيا والآخرة وإنعام الله في الدارين ، وفي قوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضالين تصريح بأن من البشر من تعمد العصيان والمخالفة ، فاستحق الغضب وكان محفوفا بالغضب الإلهي والخزي في هذه الحياة الدنيا ، ومن الناس من حاد عن الطريق وضل فكانت عاقبته الخزي ، والقرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق عنادا ، والذين ضلوا فيه ضلالا ، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله .
15) فيها تعليم كيفية دعائه سبحانه، فالفاتحة تعلمنا آداب و كيفية السؤال فمن ذلك :
أ) أن يقدم العبد بين يدي دعائه و سؤاله أمورا يحسن تقديمها: كالضراعة إلى الملك سبحانه و التعظيم والإجلال وأن يحمده بمحامده اللائقة به سبحانه ، ويثني عليه ويمجده، ثم يذكر العبودية وأن العبادة ليس إلا له ، ثم يذكر الاستعانة وأنه لا استعانة إلا منه ، ويتبرأ إليه من حوله وقوته، ويستعين الله على كل أموره لا سيما الهداية
، فيطلب الهداية والإعانة عليها لأنها ملاك الأمر وفيها سعادة الدارين .
وفيها من طرق الدعاء أن لا يخص الإنسان نفسه بالدعاء بل يسأل مطلوبه في حق المؤمنين كافةإياك نعبد وإياك نستعين اهدنا فقد جاء فيها (اهدنا ) ولم يقل (اهدني ) فإن الدعاء كلما كان أعم كان الى الإجابة أقرب , فإنه لا بد أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة فإذا أجاب الله تعالى دعاءه ,في حق البعض فهو أكرم من أن يرد ه فالفاتحة مشتملة على تعليمه المسألة وبيان كيفيتها اللائقة بالكاملين.
قال بعض العلماء [5]إذا تأملت الفاتحة وجدتها تحتوي مقاصد القرآن :
فـ(الحمد لله ) تشتمل سائر صفات الكمال التي استحق الله لأجلها حصرالحمد له تعالى
و(رب العالمين ) يشمل سائر صفات الأفعال
*( الرحمن الرحيم ) يشمل بيان شمول رحمته وعظمتها وسعتها وثباتها التي منها كل ما قص القرآن علينا من نعمه تعالى على عباده كالنعم المذكور في سورة النحل والأنعام وغيرهما
(مالك يوم الدين ) يشمل أحوال يوم القيامة .
* (إياك نعبد ) يجمع معنى الديانة والشريعة والتوحيد بكل معانيه
*(إياك نستعين ) يجمع معنى الإخلاص لله والاستعانة والافتقار والاعتراف بالكمال له سبحانه وافتقار العبد
*(اهدنا الصراط المستقيم ) يشمل الأحوال الكاملة من عبادات ومعاملات وآداب وأحوال ظاهرة وباطنة وأحكام الدين كله من عبادات ومعاملات وآداب
*(صراط الذين أنعمت عليهم ) يشير إلى أحوال المنعم عليهم المستقيمين الفاضلين أخيار العباد من النبيين والصديقين والصالحين أمما وأفرادا
*(غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) يشمل سائر قصص الأمم الكافرة الجاحدة من المغضوب عليهم والضالين ويشير الى تفاصيل ضلالاتهم المحكمة عنهم في القرآن


**

ثانيا: بيان اشتمالها على جميع معاني القرآن اشتمالا إجماليا:

الفاتحة تشتمل معانيها على مجمل معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية، قد اشتملت على علوم القرآن وهي :
أ) علم الأصول (العقائد): ومعاقده معرفة الله تعالى وصفاتِه وتوحيده ، وإليها الإشارة بقوله رب العالمين الرحمن الرحيم ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله تعالى أنعمت عليهم والمعاد المُومَى إليه بقوله تعالى مالك يوم الدين .
ب) علم الأخلاق: وهو علم ما به يحصل الكمال وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والالتجاء إلى جناب الفردانية ، والسلوك لطريقة الاستقامة في منازل هاتيك الرتب العلية وإليه الإشارة بقوله : إياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم
ت) علم القصص والمواعظ والأخبار عن الأمم السالفة السعداء والأشقياء وما يتصل بها من وعد محسنهم ووعيد مسيئهم وعد من أخذ بالصراط المستقيم وتبشيره بحسن المثوبة ووعيد من لم يأخذ به وإنذاره بسوء العقوبة ، والوعد يشمل ما للأمة وما للإفراد فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما والوعيد كذلك يشمل نقمهما وشقاءهما وهو المراد بقوله تعالى : أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
ث) علم الفروع وأسُّه العبادات وهو المراد بقوله: إياك نعبد والعبادات : بدنية ومالية ، وهما مفتقران إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات ، ولا بد لها من الحكومات فتمهدت الفروع على هذه الأصول
· وكلها تشتمل عليها معاني الفاتحة بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام كما تقدم.
· ولباب مقصود القرآن متضمن في الفاتحة ، وذلك أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع ، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الله سبحانه وتعريفهم ما يرضيه ، وأعظمه عبادة الله وحده وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون بكل معاني التوحيد: من ، واستعانة وتوكل وافتقار و حمد وثناء وخوف ورجاء وأهم هذه العباده معرفة الله تعالى معرفة تامة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، فهو هذا مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول[6] .
وقد تبين من مجموع ما تقدم أن الفاتحة قد اشتملت إجمالا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلا ، فلا جرم يحصل من معاني الفاتحة – تصريحا وتضمنا علم إجمالي بما حواه القرآن من الأغراض إذ كل كلمة من كلماتها ، وكل آية من آياتها ، تشير من قريب أو بعيد ، إلى جملة محتويات القرآن الكريم ، ومقاصده المتعددة ، وموضوعاته المتنوعة ، بما فيها من عقائد وذلك يدعو نفس قارئها الى تطلب التفصيل على حسب التمكن والقابلية , ، وقد قال كثير من المفسرين : إنها براعة استهلال رائعة للقرآن ،وبسبب هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى ( أم القرآن) و(أم الكتاب) ولأجل هذا وضعت فاتحة للمصحف و فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حرصا على التذكر لما في مطاويها ، فيردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات السبع ، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى ؛ وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن ؛ وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا ، غير الفرائض والسنن ، إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية ، وكليات التصور الإسلامي ، وكليات المشاعر والتوجيهات ، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة ، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها .


**

أسماء سورة الفاتحة:

اعلم أن هذه السورة الكريمة لها أسماء كثيرة ، وذلك يدل على شرفها فإن كثرة الأسماء دالة على شرف المسمى وكذلك كل اسم يبين جانبا منها وقد بلغت أسماء الفاتحة واحدا وعشرين اسما، أذكر أهما :


1) الأول : فاتحة الكتاب:

سمّيت " فاتحة الكتاب " لأن موضعها يعطي ذلك لأن القرآن افتتح كتابة وخطا وترتيبا بها فهي أول سورة في القرآن من حيث الترتيب فَاتحة لما يتلوها من سور القرآن ، والفاتحة:
مشتقة من الفتح وهو إزالة حاجز عن مكانٍ مقصودٍ وُلُوجُهُ فصيغتها تقتضي أن موصوفها شيء يزيل حاجزا , وليس مستعملا في حقيقته لكنه مستعمل في معنى أول الشيء والعلاقة بين أول الشيء وفاتحته أن الفاتح للشيء ـ كالفاتح للباب مثلا ـ هو أول من يدخل ، فسميت السورة الأولى من الكتاب الكريم (فاتحة الكتاب ) لذلك .
2) 3) الثاني والثالث : أم الكتاب وأم القرآن:
وسميت أما لأن أم الشيء : أصله ،والفاتحة لما كانت منطوية على جميع أغراض القرآن وما فيه من العلوم والحكم ، فقد أودع الله تعالى فيها مجموع ما في السور ـ كما تقدم ـ فلأجل ذلك سميت أم القرآن وأم الكتاب ، وقيل: لأنها مبدأ القرآن متقدمة على سائر سور القرآن ، وأم كل شيء ابتداؤه.


4) الرابع: السبع المثاني

تسميتها السبع المثاني ثبتت بالسنة ، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد ابن المعلى" أن رسول الله قال الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته"
" السَّبْعُ " :لأنها سبعُ آيات ، لا خلاف بين الجميع من القرَّاء والعلماء في ذلك[7].
(المثاني) [8]: من التثنية معنى التكرير واستعمال المثنى في مطلق المكرر شائع نحو فارجع البصر كرتين ، وإنما سميت السبع المثاني لأنهن يثنَينَ في كل صلاة مكتوبة وتطوُّع أي يعدن فتكون التثنية .
5) الخامس: تعليم المسألة : لاشتمالها على المسألة ، والمسألة هنا مصدر ميمي بمعنى السؤال والمراد تعليم كيفية السؤال وطريقته : فإن السائل ههنا حمد أولا ثم أثنى عليه ثم ذكر أن عبادته ليس إلا له سبحانه ، ولا استعانة إلا منه، ثم سأل فقدم على سؤاله أمورا يحسن تقديمها عليه فهي مشتملة على تعليمه وبيان كيفيته اللائقة بالكاملين كما تقدم تفصيله.


6) السادس: الرقية ، ثبت ذلك من حديث أبى سعيد الخدري وفيه : أن رسول الله قال للرجل الذي رقى سيد الحي : ( ما أدراك أنها رقية ) فقال : يا رسول الله شيء ألقى في روعي".





**

الاستعاذة:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
فيها مسائل :
1) المسألة الأولى :
الأصل في المادة: هو التجاء واعتصام وتحرز الشيء الغض الطريّ إلى شيء قويّ متين يمنع ويعوق أخذه وتناوله وإصابة الشر المواجه له ويعصمه ، ومن لوازم الأصل ؛اللصوق والملازمة.
يقال : العُوذ من اللحم: ما عاذ من اللحم أي لزم ولصق بالعظم فلم يتخلص منه ؛ لأنه اعتصم به واستمسك به ، والعُوذ من الكلأ: ما لم يرتفع إلى الأغصان ومنعه الشجر من أن يُرعى ؛ لأنه نبت في أصل شجر سمي بذلك لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به ، واعتصم به ولزمه، ُقال: عاذ بفلان، وعاذ بحصن.
فالحاصل في معنى العَوْذ: اللجأ إلى شيء يقِي من يلجأُ إليه ما يخافه مع لصوق وملازمة واعتصام، ، ولفظة أعوذ تشعر بأن هناك شيئا يَخاف منه المستعيذ، وبأن المستعيذ عاجز عنه لا يملك القوة لدفعه، وأنه يحتاج إلى غيره، فيعوذ بمن يدفع عنه غائلة ما يخاف منه، ويتقوى به على ما يعجز عنه.
فمعنى (أعوذ بالله ): أستجير وألتجئ وأعتصم به سبحانه محتميا مع الملازمة واللصوق، من شر الشيطان العاتي المتمرد الذي يريد أن يغويني ويضلني وأن يضرني في ديني أو دنياي ، أو يصدني عن فعل ما أمرت به ، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه وأحتمي بالخالق السميع العليم من همزه ولمزه ووساوسه فلا يدفع عني شره الا الله رب العالمين.
والسر في الاستعاذة أن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله تعالى ؛ ولهذا أمر الله تعالى بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل ؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عن الإنسان إلا الذي خلقه .
والمضارع أعوذ: للدلالة على استمرار صدور العياذ متجددا وعدم انقطاعها ؛و لأن معنى الاستعاذة يتعلق بالمستقبل لأنها كالدعاء.
*
2) المسألة الثانية: معنى الشيطان :
اشتقاق لفظ الشيطان : من (شَطـَنَ ) بمعنى بَعُدَ يقال شطنت الدار بعدت ، فشيطان : فيعال من شطن بمعنى بعد فهو :
· المتمرد العاتي العصي الآبي الممتلئ شرا ومكرا المتمادي في الطغيان الذي بعُد بطبعه وتمرده عن كل خير وصلاح ورشاد فهو شرير.
· و بعيد عن رحمة الله .
· سمي الشيطان شيطانا لبعده عن الحق والخير والهدى والرحمة ، وعن رحمة الله تعالى
· والشيطان عدو حذر الله تعالى منه ؛ إذ لا مطمع في زوال علة عداوته ، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فيأمره أولا بالكفر ويشككه في الإيمان ؛ فإن قدر عليه ؛ وإلا أمره بالمعاصي ، فإن أطاعه وإلا ثبطه عن الطاعة ، فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب، وهو لا يترك إغواء الإنسان ولا يترك سلاحه إلى أن يتحقق موت الإنسان ، فعلى الإنسان أن لا يترك سلاحه وهو الذكر لله سبحانه فإن الله تعالى قال وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وهكذا الشيطان ما دام الإنسان متسلحا بالذكر لا يقدر عليه فإن وضع سلاحه تبعه فأغواه.
*
3) المسألة الثالثة :الشيطان هو ليس خاصا بإبليس بل كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب شيطان كما قال تعالى : شياطين الانس والجن وإبليس إمام الشياطين ورئسهم[9] .
*

4) المسألة الرابعة : معنى رجيم :
أصل الرجم : الرمي بالحجارة ، فالمطرود يرجم بالحجارة أي يُرْمَى بها لإبعاده أو قتله أو التخلص من شره لأنه يكره لسوء فعله ، فالناس إذا نبذوا أحدا وكرهوه وأرادوا إبعاده و التخلص منه وإهلاكه رجموه بالحجارة ، ومنه استعير الرجيم.
فالرجيم بمعنى : المهان المحقر المطرود المبعد من كل خير وكرامة وعن منازل الملأ الأعلى ؛ قال الله تعالى : فاخرج منها فإنك رجيم [ الحجر :34 ] ، وهذا يدل على أنه في غاية الإجرام والحقارة والكراهية ، منبوذ مطرود من كل خير ورحمة ، كما يرجم المجرمون بالحجارة ويكرهون ويطردون ؛ لأن الرجم لا يكون إلا لمن هو كذلك، وذلك استعارة أو كناية ، فليس المراد به الرجم المذكور في فأتبعه شهاب ثاقب ، ولما عصى إبليس ربَّه وأصر على معصيته ورفض طاعته طرده ولعنه وأبعده من منازل الملائكة وجعله رجيما دوما .
ورجيم: فعيل بمعنى مفعول صرف من مفعول إلى فعيل كقتيل وجريح وكَفٌّ خَضِيبٌ أَيْ مَخْضُوبٌ ، وفعيل أبلغ من مفعول .
*
5) المسألة الخامسة: يستعيذ المؤمن عندما يقرأ القرآن ، وكلما أحس بوساوس الشيطان وخواطره السيئة فعليه بالاستعاذه ، والغرض من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ، ومعلوم أن الوسوسةكلام خفي في قلب الإنسان ، ولا يطلع عليها أحد ، فكأن العبد يقول : يا من يسمع كل مسموع ، ويعلم كل سر خفي أنت تعلم وسوسة الشيطان ، وتعلم غرضه منها ، وأنت القادر على دفعها عني ، فادفعها عني بفضلك ؛ فلهذا السبب كانت الاستعاذة يقترن بها كثيرا اسما السميع العليم وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)الأعراف وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)فصلت .
**
6) المسألة السادسة : قدم التعوذ الذي هو من درء المفاسد على قراءة القرآن ، تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أنه يتعين لتاليه أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره؛ لينال سؤله ومراده بإعراضه عن العدو والحسود وإقباله على الولي الودود ، ومن لطائف الاستعاذة أنها:
أ) طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث .
ب) وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله.
ت) وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه ، ولا يقبل مصانعة ، ولا يدارى بالإحسان ، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات القرآن في ثلاث من المثاني ، وقال تعالى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا [ الإسراء : 65 ] ، وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر ، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا ، ومن قتله العدو الباطني كان طرِيدًا ، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورًا ، ومن قهره العدو الباطن كان مفتونا أو موزورًا ، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان .

7) المسألة السابعة: لفظ التعوذ على خمسة أوجه :
" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهو المروي عن النبي ، والمختار عند القراء .
" وأعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم " .
و " أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي " .
و " أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد " ، وهي محدثة .
و " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " وهو مروي عن النبي .


8) المسألة الثامنة: في فضل التعوذ :
أ) روى البخاري عن عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ، رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:16] قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ» فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» فَقَالَ: أَتُرَى بِي بَأْسٌ، أَمَجْنُونٌ أَنَا، اذْهَبْ"
ب) روى مسلم : "عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي"[10]
ج ) روى مسلم :عن "سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قال: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ، تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ "[11]
**


**
9) المسألة التاسعة: أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه
**
10) المسألة العاشرة:
القواطع عن الله أربعة : الشيطان ، والنفس ، والدنيا ، والخلق .
فعلاج الشيطان : الاستعاذة والمخالفة له .
وعلاج النفس : بالقهر .
وعلاج الدنيا : بالزهد .
وعلاج الخلق : بالانقباض والعزلة .




**

البسملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

البسملة مقولة على ألسنة العباد:

وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقولٌ على ألسنة العباد تلقيناً لهم ، وإرشاداً إلى كيفية التبرك باسمه تعالى ، وهدايةً إلى منهاج الحمد وسؤالِ الفضل ، ولذلك سُميت السورةُ الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة [12].


**

معنى الباء في البسملة ؟

الباء محتملة لمعنيين فهي:
· 1) إما للإلصاق والملابسة نحو اهبط بسلام منا فالإلصاق الذي تدل عليه الباء هو: لصوق ما قبلَها بما بعدَها ويكثر أن يكون فيه مخالطته وملابسة نحو: (أمسكت بزيدٍ) ( رأفتَ به)، وفي جعلها للإلصاق قصد لأن يكون جميع عمله مقارنا لبركة اسم الله تعالى تركا وتيمنا، فالقارئ حين يقول بسم الله فمعناه: أقرأ قراءة ملابسة لبركة هذا الاسم المبارك ، والكاتب إذا قال بسم الله فمعناه : أكتب كتابة ملابسة لبركة هذا الاسم المبارك
· و رجَّحَ الزمخشري في "الكشاف" هذا الوجه وهو ما رجحه سيبويه وقال: "الملابسة أعرب وأحسن" ، أي أحسن من جعل الباء للآلة، لأن الباء إذا حملت على المصاحبة والملابسة كانت أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله تعالى، لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه تعالى[13]، وفيه الأدب والاستكانة وإظهار العبودية .
2) وإما للاستعانة نحو كتبت بالقلم ، ومعنى الاستعانة هنا أن يشبه اسمه تعالى بما هو الآلة للفعل المشروع فيه من حيث إن ذلك الفعل لا يتم ولا يعتد به شرعا ما لم يصدر باسم تعالى ، فالقارئ إذا قال بسم الله فالمعنى على هذا : أقرأ مستعينا باسم الله ، والكاتب قال بسم الله فالمعنى: أكتب مستعينا باسم الله [14]، ويقدر متعلَّقة بمحذوف ، وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدأ له نحو أقرأ وأكتب[15] .


**

سر الابتداء بالبسملة:

الناس ربما يعملون عملا أو يبتدئون في عمل ويقرنونه باسم عزيز من أعزتهم أو كبير من كبرائهم ، ليكون عملهم ذاك مباركا بذلك متشرفا كما كان العرب يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون : باسم اللات ، باسم العزى، و قد جرى كلامه تعالى هذا المجرى ، فابتدأ الكلام باسمه الأعظم الله ؛وهذا يبين السر في ذكر الاسم مضافاً إلى علم الجلالة إذ قيل ( بسم الله الرحمن الرحيم) دون أن يقال : بالله الرحمن الرحيم ، لأن المقصود:
1) أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإله الواحد دون غيره ، معلما باسمه مرتبطا به ، فاسمه سبحانه هو المقصود بالافتتاح دون ما سواه
2) وللتبرك والتيمن والتشرف باسم الذات العلية ، ليكون عملهم ذاك مباركا بذلك متشرفا ، والاسم ذاته يتيمن به ويتبرك ، فليس المراد بالاسم الذات ؛ كما قال تعالى : تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ 78 [ الرحمن ] فلذلك يذكر الاسم في كل ما كان على هذا المقصد:
· كالتسمية على النسك وذكرها على الذبيحة شعار من شعائر الدين قال تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه [ الأنعام : 118 ] وقال : وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه [ الأنعام : 119 ].
· وكالأفعال التي يقصد بها التيمن والتبرك وحصول المعونة مثل : اقرأ باسم ربك [ العلق : 1 ] فاسم الله هو الذي تمكن مقارنته للأفعال لا ذاته ، ففي مثل هذا لا يحسن أن يقال بالله لأنه حينئذٍ يكون المعنى أنه يستمد من الله تيسيراً وتصرفاً من تصرفات قدرته وليس ذلك هو المقصود بالشروع ، وفي الحديث في دعاء الاضطجاع : " باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه "
3) وليكون أدبا يؤدب به العباد في الأعمال والأفعال والأقوال ، فيبتدؤوا باسمه ويعملوا به ، فيكون ما يعملونه معلما باسمه منعوتا بنعته تعالى ، ففيه إرشاد لنا أن نستفتح بها كل أفعالنا وأقوالنا ذات البال أي المهمة من كتب ورسائل وأكل وشرب وذبح ودخول بيت أو مسجد ونهوض وقعود .
4) فيها إظهار لمخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام ومعبوداتهم الأخرى .
5) فيها دلالة على انقطاع قائلها إلى الله تعالى واعتماده عليه لا على الأسباب الظاهرة ، وإقرار بالألوهية واعتراف بالنعمة وثناء على الله بما هو أهله من الصفات العلية
التزاما لاسمه تعالى في كل حركة وسكون ليكون ذلك قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته ، واعتقادُ أن مصادر الأمور ومواردَها منه وإليه..
6) وفي تعليم الناس بأن يفتتحوا أعمالهم ببسم الله تعليم ضمني أن تكون أفعالهم في حدود شرع الله فلا تتجاوزه، فتبقى دائرة في حدود الواجب والمندوب والمباح ، ففي الافتتاح باسمه تعالى إضفاء صفة شرعية على العمل المفتتح ، ومن ثم قال العلماء " إن الأعمال غير المشروعة لا تفتتح باسم الله فيحرم التسمية عند فعل الحرام كشرب الخمر ، كما أن في ذلك تعليما للناس بأن أعمالهم كلها لا زنة لها في كفة الدين ما لم يقصد بها وجه الله سبحانه ، والعبد عندما يفتتح أي عمل باسم الله يشعر أن عمله محكوم بشرع الله فليس له أن يتصرف كما يملى عليه هواه .


**

الفرق بين الاسم والتسمية والمسمى :

الاسم:الاسمُ لغةً : ما أبانَ عن مُسَمَّى، فهو اللفظ الدال بالوضع على موجود في العيان ، إن كان محسوساً ، وفي الأذهان ، إن كان معقولاً ، ومدلوله هو المسمى .
والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلاً على ذلك المعنى ، وتأتي بمعنى ذكر الاسم
فقد اتضحت المباينة بين الاسم والمسمى والتسمية .
والمراد في البسملة الاسم الأعلى (الله)، فهو المقصود بالافتتاح تبركا وتيمنا باسم الذات العلية ، ولها المكان الأقدس من العباد تبارك الله ، والاسم ذاته يتيمن به ويتبرك ، فليس المراد بالاسم الذات ؛ لأنها مذكورة ، كما قال تعالى : تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ 78 [ الرحمن ] ، وقوله تعالى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى 1 [ الأعلى ] وهذا هو الصحيح ؛ لأنه لا يحتاج إلى تحول من المعنى الأصلي لكلمة الاسم إلى غيره ، ولأن قصد الاسم الأسمى ابتداء يفيد معنيين ، وهو تقديس الاسم في كلمة بسم الله ، وتقديس المسمى و هو الله سبحانه ، ولو أطلق الاسم على المسمى ، لكان تقديسا للذات العلية من غير إعلاء للاسم في ذاته ، ولا شك أن الأول أبلغ وأنسب بمقاصد البسملة من التبرك بذكره[16].
*


اختار المحققون من العلماء كالزمخشري أن يكون المتعلَّق الذي يتعلق به الجار والمجرور (باسم) فعلا مؤخرا خاصا[17] لأن ما ذكر هو الأولى في تقدير المتعلق:

1) أما أولوية كونه فعلا فلأنه هو الأصل في العمل.

2) وأما أولوية كونه خاصا فلرعاية المقام، لأن كل شارع في شئ يضمر في نفسه لفظ ما كانت التسمية مبدأ له، فالكاتب يضمر أكتب، والمؤلف يضمر أؤلف، ولأن مقصد المبتدئ بالبسملة أن يكون جميع عمله ذلك مقارناً لبركة اسم الله تعالى فلذلك ناسب أن يقدر متعلق الجار لفظاً دالاً على الفعل المشروع فيه ، وهو أنسب لتعميم التيمن لإجزاء الفعل.

وأما أولوية كونه مؤخرا فهذا ما سيذكر في المبحث الآتي.


**




تقديم (باسم) وتقدير المتعلَّق متأخرا[18]:

ذهب الكثير إلى أن تقدير المتعلَّق هنا مؤخراً أحرى وأوقع كما في قوله : قوله إياك نعبد :
1) لأن اسم الله أهم وأدخل في التعظيم ، ولكون التبرّك حصل به ولذا قال بعض العارفين ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.
2) لأن اسم الله تعالى مقدم على الفعل ذاتاً فليقدم على الفعل ذكراً.
3) وأدل على الاختصاص وقطع عرق الشرِكة رداً على من يدعيها ، لأن فيها تلميحاً من أول وهلة إلى إسقاط الحول والقوة ونفي استقلال قُدَر العباد وتأثيرها ، وهو ظفر بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله ، ففيه تعليم للناس الذين وقف كثير منهم عند الأسباب ونسوا مسبب الأسباب ، فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه ، كما أن خلاصة الفاتحة " إياك نعبد وإياك نستعين ".
4) ولأن الكفار كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون : باسم اللات ، باسم العزى ، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عزّ وجلّ بالابتداء، فيخص اسم الله تعالى بالابتداء كأنه قال : ابتدئ قراءتي متبركًا ومتيمنًا باسم الله الذى الذى رحمته وسعت كل شئ ، وحده لا باسم مغيره فأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون ، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة [19].


**

السر في حذف المتعلق:

1) سبب حذف متعلق المجرور أن البسملة سنت عند ابتداء الأعمال الصالحة فَحُذف متعلق المجرور فيها حذفاً ملتزماً إيجازاً اعتماداً على القرينة.
2) قد أسعف هذا الحذف بفائدة وهي صلوحية البسملة ليَبتَدِىءَ بها كلُّ شارع في فعل فلا يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن عند اقتباسه.
3) وللإشعار بأن كل أمر ذي بال ينبغي أن يبدأ به باسم الله دون تقييد بفعل دون فعل، فقد طلب منا أن لا ندع البسملة في أي عمل ذي بال ، وبدونها سيكون مبتوراً وناقصاً،
4) ولأن هذا موطن ينبغي أن لا يُقَدَّم فيه سوى ذكر الله تعالى ، فلو ذكر الفعل ، وهو لا يستغني عن فاعله ، لم يكن ذكر الله مقدماً ، ولكن يحذف ليكون اللفظ في اللسان مطابقاً لمقصود القلب ، وهو أن لا يكون في القلب ذكر إلا الله .


**




لفظ الجلالة الله :

اسم «الله » هو اسم للذات المقدسة خالقِ الكون الأزلي ِّالذي لا أول له ولا آخر، وهو أكبر أسمائه تعالى وأجمعها ، لم يسم به غيره ، وهو دال على كونه مألوها معبودا متصفا بصفات الجلال والكمال والجمال ، تألهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا ، وفزعا إليه في الحوائج والنوائب.

اشتقاق اسم الله :
القول الأول: أنه مرتجل أي لم ينقل عن شيء آخر بل هو علم من أصله لذاته تعالى المخصوصة ، وهو غير مشتق كما عليه أكثر العلماء، والألف واللام فيه ليستا للتعريف ، قال الآلوسي:" والذي غلبه اكابر المعتبرين كالشافعي ومحمد بن الحسن والأشعري وغالب أصحابه والخطابي وإمام الحرمين والغزالي والفخرالرازي وأكثر الأصوليين والفقهاء ونقل عن اختيارالخليل وسيبويه والمازني وابن كيسان 1-أنه عربي 2-وعلم من أصله لذاته تعالى المخصوصة .
· أما أنه عربي فلا يكاد يحتاج إلى برهان.
· وأما أنه علم كذلك فقد استدل عليه بوجوه .
1-(الأول ) أنه يوصف به .2-(الثاني ) أنه لا بد له من اسم يجري عليه صفاته فإن كل شيء تتوجه إليه الأذهان ويحتاج إلى التعبير عنه قد وضع له اسم توفيقي أو اصطلاحي فكيف يهمل خالق الأشياء ومبدعها ، ولم يوضع له اسم يحوي عليه ما يعزى إليه، ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه[20]، وكونه اسم جنس معرف مما لا يليق لأنه غير خاص وضعا وكونه علما منقولا من الوصفية يستدعي أن لا يكون في الأصل ما تجري عليه الصفات وهو كما ترى ."
القول الثاني:
· ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه مشتق من ألَه الرجلُ إذا عبد قالوا فـ(الله) أصله (الإله) من (ألَه) بمعنى عبد ، مشتق من الفعل (ألَه، يألَه )، يقال: أَلِهٌ يَأْلَهُ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً، كَمَا يُقَالُ عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً وَعُبُودَةً وَعُبُودِيَّةً ، ،فإلاله صفة مشبهة بمعنى مألوه ، كالكتاب بمعنى المكتوب ، فمعنى الإله: المستحق المستأهل للعبادة الذي تحق له العبادة ؛ لأنه وحده المتصف بصفات الكمال المنعم المتفضل الخالق سبحانه [21]، ؛ يألهه كل الخلق ويعبدونه ، ثم حذفت الهمزة في الإله وأدغمت احدى اللامين في الاخرى وفخموا اللام تعظيما فقيل : الله [22]، لكن ، كلمة (إله) تطلق على المعبود ، وتعم المعبود بحق وبغير حق[23] ، و كلمة اللّه تعالى لا تطلق إلا على المعبود بحق ، فيقال : آلهة المشركين ، آلهة الرومان ، وآلهة المصريين ، ولا يقال : ( الله ) إلا في مقام أنه الخالق المدبر المنشئ المستحق للعبادة ؛ ولذلك كانت ألفاظ القرآن الكثيرة في مخاطبة المشركين ، على أن الله تعالى معروف بأنه المنشئ ، وأنه غير آلهتهم ، فكانوا يقولون : الآلهة هبل ، واللات ، والعزى ، ومناة الثالثة ؛ يقولون عنها إله وآلهة ولا يقولون عن واحدة منها إنه ( الله ).


**


· اسم «الله » دال على جميع الأسماء الحسنى ، والصفات العليا :
أ) فإنه دال على «إلهيته » التي في ضمنها ثبوت صفات الإلهية له التي تعني جامعيته لكل صفات الكمال والجلال والجمال، فإن الألوهية في ضمنها كونه حياً، قيوماً، عالماً، قادراً، وكونه غير عاجز، ولا ناقص .، قيوما، غنيا بذاته، قادرا، حكيما، ، وأنه معبودهم الحق الذي يستولي عليهم ، وله المفزع والولوع ، والمقصود بالإرادات والأعمال كلها ، ومرتفع على كل شيء وعما لا يليق به، مع نفي أضدادها عنه ، فهو المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم ، كقوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى [ الأعراف : 180 ] ، ويقال : «الرحمن ، والرحيم ، والقدوس ، والسلام ، والعزيز ، والحكيم » من أسماء الله ، ولا يقال : «الله » من أسماء «الرحمن » ولا من أسماء «العزيز » ونحو ذلك، فأسماء الله الحسنى صفات تجري على هذا الاسم العظيم ، وتضاف إليه مصادرها فيقال رحمة الله وربوبيته ومغفرته ، إن رحمة الله قريب من المحسنين ، فعلم أن اسمه «الله » مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى ، دال عليها بالإجمال ، والأسماءُ الحسنى تفصيلٌ وتبيينٌ لصفات الإلهية ، التي اشتق منها اسم «الله ».
ب) وأيضا وهذه الأسماء المشتقة كل منها يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التي اشتق منها معا بالمطابقة ، وعلى الذات وحدها أو الصفة بالتضمن ، ولكل منها لوازم يدل عليها بالالتزام ، كدلالة الرحمان على الإحسان والإنعام ، ودلالة الحكيم على الإتقان والنظام ، ودلالة الرب على البعث والجزاء ، ومن عرف الأسماء الحسنى ، والصفات العليا ، عرف أن اسم الجلالة الأعظم ( الله ) يدل عليها كلِّها وعلى لوازمها الكمالية، وعلى تنزهه عن أضدادها السلبية ، فدل هذا الاسم الأعلى على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال ، وتنزهه عن جميع النقائص.
ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى قدمه إله على أنه اسمٌ منها.


**

الفرق بين الرحمن والرحيم:


الرحمن:
الرحمن صفة تدل على مبالغة من الرحمة على وزن ( فعلان ) يدل على سعة هذا الوصف ، فإن صيغة فعلان تدل على الامتلاء من الفعل الذي اشتقت منه ، وتدل على وجود الصفة في موصوفها على نحو التمام والكمال ، ألا ترى أنهم يقولون للشديد الامتلاء ملآن وللشديد الشِّبع شبعان ، وكذلك غضبان، للممتلئ غضبا ، وجوعان ، وندمان ، وحيران، ولهفان لمن مليء بذلك ، فبناء فعلان للسعة والشمول ، فكذلك الرحمن أصل معناه الممتلئ رحمة ، والمراد أنه انتهى إلى الغاية في الرحمة والمبالغة فيها ، ولازم ذلك أن تصدر عنه الرحمات بكثرة ، فيرحم سبحانه الرحمات الكثيرة العظيمة الشاملة لكل شيء .
وإذا نظرنا واستقرأنا المواضع التي ورد فيها اسم الرحمن في القرآن ، نجدها قد ذكرت مع الرحمة العظيمة العامة :
وهي أنه خَلق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ، ويُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ، وَيسخر الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ ، وأنه رب السماوات والأرض، فبرحمة الرحمن أوجد الكون وخلق السماوات والأرض ، ومهد الأرض ، وجعل الجبال ، و يرزق من في السموات والأرض ، وبرحمته الواسعة ينزل الغيث ، ويرسل الرياح ، وأنه من رحمته العامة يمسك الطير في الجو، وأنه من رحمته بعث الرسل مبشرين ومنذرين ، وأنزل الكتب ، وعلم القرآن ، وأعد الجنة لعباده، ووعد عباده بها إن هم آمنوا ،وأنه يحشر المتقين إليه ، وأنه يأذن بالشفاعة يوم القيامة، وأنه لرحمته العامة يحفظ الكفار ويؤخر عقابهم مع استحقاقهم العقوبة، وأن له الإنعام العام على جميع الخلق فينبغي أن يدعى ويسأل وأن يذكر ويشكر ، وأنه يحمي من الأخطار ويستعاذ به ويستعان به ،وأنه مع كل هذا الإنعام العظيم يكفر بعض الناس به ، هذا الذي ذكر في القرآن مع اسم الرحمن الذي ورد أكثر من ستين مرة ، وبناء على ما سبق يكون اسم
الرحمن: دال على غاية الرحمة والمبالغة فيها ، وعلى الرحمة الكثيرة المفاضة ، وهي الرَّحْمَةِ العظيمة الشاملة الْعَامَّةِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ويدخل فيها جميع المخلوقات ا لإنس: مؤمنهم وكافرهم ، والحيوان والطير، سماء وأرضا ظاهرا وباطنا إيجادا وإبقاء ماديا وروحيا ، دنيا وأخرى ، ويشمل النعم الدنيوية والدينية أيضا ، ففيض رحمته منبسط ومحيط بجميع عوالم الوجود ، وهذه الرحمات يناسبها صيغة فعلان الدالة على الامتلاء والكثرة المراد بها هنا الرحمة العظيمة جدا .
وأما الرحيم:فصيغة مبالغة منقولة عن الصفة المشبهة دالة على الثبوت مع المبالغة [24] نحو: عليم ، شهيد ، سميع ، فالرحيم يدلى على أنه سبحانه ذو رحمة ثابتة راسخة ، وعلى تعلق الرحمة بالبشر خاصة ـ كما دل عليه استقراء القرآن الكريم ـ ، وتكررها ، ففي الرحيم يلاحظ تعلق الرحمة بمحالِّ الرحمة وبمتعلقاته وهي البشر خاصة ، وهذه الرحمة تكون في الأغلب في الرحمة الدينية فلذلك يذكر في القرآن الكريم في السياقات الآتية:
التوبة والمغفرة والعفو عن خطايا وذنوب العباد المؤمنين ، والكافرين الذين رجعوا إلى الله تعالى والقبول لتوبتهم، والرحمة للعاملين بحيث يثيبهم ، وأنه يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور ، ويخرج الكافرين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وأنه لا يضيع أعمال العاملين وأجورهم ، وأنه من رحمته يسلم على المؤمنين في الجنة ويحل عليهم رحماته المستمرة، وأنه يخفف على عباده التكاليف فيجيز أكل الميتة لهم عند الاضطرار ، ويرحم غير القادرين على الجهاد فلا يكلفهم فوق طاقتهم ، وأنه يرحم المضطر ويستجيب دعاءه ، وقد وردت هذه المعاني في أكثر من مائة آية .
وقد تذكر في مواضع لا تتعدى عشر آيات مع دوام وثبوت الرحمة والنعم الدنيوية ومع ذلك لا يشكر الناس نعمه نحو: [25] وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47 رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65، فهي رحمات ونعم مستمرة فيها دوام وطول مدة رحمته ، وهذا أنسب باسم الرحيم الدال على الثبوت وعلى تعلق الرحمة بعباده كما يشير له لا تحصوها ، والمضارع في تحمل ، يزجي، سخر ، تجري ، يمسك ، ومع دوام نعمه ورزقه وحفظه و رزقه وإعطائه لهم كثير من الناس يكفرون ولا يشكرون ولا يوحدون .
وهذه الرحمات جميعا في القسم الأول والثاني يناسبها الثبات وهي متعلقة بالناس ، لأنه ما دام الخلق على الأرض فهم محتاجون لهذه الرحمة الثابتة الدائمة، وكذلك في الجنة التي لا تنتهي .
قال أبو حيان:" والذي يظهر أن جهة المبالغة مختلفة ، فلذلك جمع بينهما ، فلا يكون من باب التوكيد ، فمبالغة فعلان مثل غضبان وسكران من حيث الامتلاء والغلبة ، ومبالغة فعيل من حيث التكرار والوقوع بمحال الرحمة ، ولذلك لا يتعدى فعلان ، ويتعدى فعيل تقول زيد رحيم المساكين."اهـ ولو زاد كلمة الثبات فقال من حيث الثبات والتكرار والوقوع بمحال الرحمة لكان في غاية الدقة[26] .
وهكذا كانت رحمة الرحمن شاملة الوجود كله ، والرحيم متعلق في رحمته بالمكلفين ، وبهذا يظهر سر تقديم الرحمن على الرحيم [27]، فهو موافق لترتيب الوجود ، النعم العامة ومنها الإيجاد ثم الخاصة بالعباد من مغفرة ورحمة وتوبة ونحوها مع ملاحظة دوام النعمة .
وتكون البسملة قد أمرتنا أن نتلو القرآن مبتدئين تالين لآياته باسمه الأقدس ليكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإله الواحد دون غيره ، معلما باسمه مرتبطا به ، وللتبرك والتيمن والتشرف باسم الذات العلية نتبرك به ونتيمن ، وهو الله الإله المتفرد بالخلق والتكوين والتدبير ، ( الرحمن ) ذو الرحمة العظيمة الواسعة التي تعم الوجود كله في السموات والأرض ، والدنيا والآخرة ، المدبر للوجود برحمته ، وهو ( الرحيم ) الثابت الرحمة بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم ويثيبهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ولا يكلفهم إلى ما في طاقتهم ، وينعم عليهم النعم المستمرة .


**

سر جمع الوصفين الرحمن الرحيم:

جمع فيها صفتي الرحمن الرحيم الدالتين مجتمعتين على استغراق جميع معاني الرحمة

1) للإشارة إلى شمول نعمته تعالى جميع الخلق وشمول النعم العامة والخاصة لبيان العلاقة بين الله وعباده، بأنها علاقة رحمة لا عداوة ، وللدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب ولذلك كررهما في الفاتحة.
2) ولبيان أنه المستحق وحده لأن يتبرك ويستعان ويبتدأ ويعلن اسمه سبحانه لا معبوداتهم الباطلة ، لأنه ذو الرحمة العظيمة الواسعة التي تعم الوجود كله الرحيم بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم ويثيبهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ولا يكلفهم إلى ما في طاقتهم.
3) وللترغيب والإطماع بإنعامه وإحسانه وبيان السبب الذي دفع المؤمن للتبرك والاستعانة بالله وحده ، وهو ما يشعر به حشد أسماء الله تعالى الحسنى المشتقة من الرحمة في مقام التبرك والاستعانة ، فالمبتدئ بها يقوى رجاؤه عند ذكر هذين الاسمين إعانته .
4) تأكيد الثناء على الله تعالى بصفة رحمته .


**


وإليك بعض الآيات التي فيها اسم الرحمن واسم الرحيم ليتضح المقام فقدكثر فيه القيل والقال:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ، قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2).

فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا .
**


التسمية جرت على ألسنة الأنبياء من قديم:

ما يراد من البسملة كان قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم فهي من كلام الحنيفية ، فقد جاء في كتاب سليمان عليه الصلاة والسلام إلى ملكة سبأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30.


**

حذف الألف من باسم في الرسم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

حذف الألف في بسم الله في الخط فلم تكتب على ما هو وضع الخط ، وذلك :
لكثرة الاستعمال ، بخلاف قوله : " اقرأ باسم ربك " [ العلق :1 ] فإنها لم تحذف لقلة الاستعمال ، وعوضوا ذلك بتطويل الباء ليكون دالاً على سقوط الألف و ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم تعظيماً لكتاب الله عز و جل ، وقال ابن عاشور:" والذي يظهر لي أن الصحابة لما كتبوا المصحف طولوها في سورة النمل[28] للإشارة إلى أنها مبدأ كتاب سليمان فهي من المحكي ، فلما جعلوها علامة على فواتح السور نقلوها برسمها


**

من وجوه البلاغة في البسملة:

في البسملة طائفة من الوجوه البلاغية :
1) فيها قصر الابتداء والتبرك والاستعانة بالله ، ففي تقديم الباء تلويح إلى التوحيد حيث أفاد الحصر كما تقدم.
2) فيها حذف العامل " الفعل" حذفا ملتزماً:
أ) إيجازاً اعتماداً على القرينة .
ب) و لتكون الجملة صالحة لابتداء كل أمر ذي بال بها، ويقدر لكل أمر ما يناسبه ، وبهذا تصلح البسملة ليَبتَدِىءَ بها كلُّ شارع في فعل فلا يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن عند اقتباسه.
ت) وللإشعار بأن كل أمر ذي بال ينبغي أن يبدأ به باسم الله دون تقييد بفعل دون فعل، فقد طلب منا أن لا ندع البسملة في أي عمل ذي بال ، وبدونها سيكون مبتوراً وناقصاً.
ث) ولأن هذا موطن ينبغي أن لا يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى ، فلو ذكر الفعل ، وهو لا يستغني عن فاعله ، لم يكن ذكر الله مقدماً ، ولكن يحذف ليكون اللفظ في اللسان مطابقاً لمقصود القلب ، وهو أن لا يكون في القلب ذكر إلا الله .
3) فيها حسن اختيار صفتي الرحمن والرحيم لمزية فيهما ، وهي مناسبتهما لموضوع التسمية المتضمنة الالتصاق والتبرك والاستعانة باسم الله ، ففي ذكر هاتين الصفتين تعريض بالمقتضي الذي دفع المؤمن للتبرك والاستعانة بالله وحده إذ الكلام إيجاز لقول القائل:"لا ابتدئ متبركا ومستعينا إلا بالله لأنه هو الرحمن الرحيم" ففي هذا سوق للمعنى مقترنا بدليله وهو ما يسمى عند البلاغيين (المذهب الكلامي) وهو : أن يساق المعنى مقترنا بدليله، مع بيان أن علاقة الله مع عباده هي علاقة رحمة من أول آية في كتاب الله .
4) فيها الجمع بين الجلال والجمال ، فلفظ الجلالة الله كما يتجلى منه الجلال ، كذلك يتراءى الجمال من الرحمن الرحيم ، إذ الجلال والجمال أصلان تسلسل منهما فروع كالأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب ، والتسبيح والتحميد ، والخوف والرجاء .
5) ذكر في البسملة ( الرحمن، الرحيم) وذلك لحكم ، منها :
أ) أنها تتضمن وتستلزم أسماء كثيرة كالعليم ، المريد ، القادر ، القوي السميع ، البصير الخالق، الرازق، كل هذه الأمور وسواها مآلها إلى صفة الرحمانية والرحيمية فيه تعالى ، فيرزق تعالى ويشفي ، ويدبر ، ويقوي ، ويتوب ، ويغفر ، الخ . لكونه رحيماً ورحماناً ، فالرحمن والرحيم تستلزم هذه الصفات وغيرها دون العكس ، فإذا دخلت من باب الرحمة ، فإنه يوصلك إلى مضمون سائر الصفات ، ويمكنك منها جميعاً ، فإن مطلوب الإنسان في سير حياته أن تشمله العناية الإلهية ، فيستفيد من خالقيته تعالى خلقاً ، ومن رازقيته رزقاً ، ومن حكمته تدبيراً ، ومن قوته وانتقامه وجبروته حماية ورعاية ، ومن عزته عزاً ، ومن كل صفاته الجمالية كمالاً وجمالاً ، وقوة ، وصحة ، وشفاءً ، وتوبة ومغفرة ، الخ، فالرحمن الرحيم تستلزم كل ذلك .
ب) ليعلم العارف ان المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الله الذي هو مولي النعم كلِّها عاجلها وآجلها ، جليلها وحقيرها ، فيتوجه بنفسه وكله حرصا ومحبة إلى جناب القدس ويتمسك بحبل التوفيق ويُشغل سرَّه بذكره والاستمداد به عن غيره ، فقد علم العارف أن الاستعانة بمسمى هذه الأسماء الشريفة إنما هي لكونه معبودا حقيقيا موليا للنعم كلها (الله، الرحمن، الرحيم).


**

*


الخلاف في كون البسملة من الفاتحة:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ جُزْءٌ مِنْ آيَةٍفِي قَوْله تَعَالَى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا أَيَّةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَمِنْ كُل سُورَةٍ:
1) وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ،وقَال بِهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ هُوَ: أنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ، وَإِنَّهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، أُنْزِلَتْ لِلْفَصْل بَيْنَ السُّوَرِ، وَذُكِرَتْ فِي أَوَّل الْفَاتِحَةِ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَال الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَل فَالْبَدَاءَةُ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أَوَّل الْفَاتِحَةِ. إِذْ لَوْ كَانَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ لَبَدَأَ بِهَا، وَأَيْضًا: لَوْ كَانَتِ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْهَا لَمْ تَتَحَقَّقِ الْمُنَاصَفَةُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي النِّصْفِ الأَْوَّل أَرْبَعُ آيَاتٍ إِلاَّ نِصْفًا،وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ؛ وَلأَِنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ ثَلاَثُ آيَاتٍ. وَهِيَ ثَلاَثُ آيَاتٍ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ..
2) وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ فِي سُورَةِ النَّمْل، فَإِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ آيَةٍ، وَيُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا بِصَلاَةِ فَرْضٍ - لِلإِْمَامِ وَغَيْرِهِ - قَبْل فَاتِحَةٍ أَوْ سُورَةٍ بَعْدَهَا،
3) َرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْفَاتِحَةِ؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا قَرَأْتُمُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَاقْرَءُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْهَا ، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ بِخَطِّهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ سِوَى الْقُرْآن
4) - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الصَّلاَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَعَدَّهَا آيَةً مِنْهَا ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ سَبْعُ آيَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا فِيمَا جَمَعُوا مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ، وَأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَكُل مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلاَمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَسْمَلَةُ مَوْجُودَةٌ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ جَعْلُهَا مِنْهُ.
· وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهَا آيَةٌ فِي أَوَائِل السُّوَرِ لاَ يُعَدُّ كَافِرًا لِلْخِلاَفِ السَّابِقِ فِي الْمَذَاهِبِ[29].
*


الْبَسْمَلَةُ فِي الصَّلاَةِ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، فِي رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ، لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ:
1) وَحَاصِل مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ يُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ سِرًّا لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي أَوَّل الْفَاتِحَةِ مِنْ كُل رَكْعَةٍ، وَلاَ يُسَنُّ قِرَاءَتُهَا بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لأَِنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَذُكِرَتْ فِي أَوَّلِهَا لِلتَّبَرُّكِ.[30].
· وَحُكْمُ الْمُقْتَدِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَقْرَأُ لِحَمْل إِمَامِهِ عَنْهُ.
2) وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ، فَلاَ تُقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا مِنَ الإِْمَامِ أَوِ الْمَأْمُومِ أَوِ الْمُنْفَرِدِ، وَيُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا بِفَرْضٍ قَبْل الْفَاتِحَةِ أَوِ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَلِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ فِي حُكْمِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلاَةِ، قَال الْقَرَافِيُّ: الْوَرَعُ الْبَسْمَلَةُ أَوَّل الْفَاتِحَةِ، وَقَال: مَحَل كَرَاهَةِ الإِْتْيَانِ بِالْبَسْمَلَةِ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْخُرُوجَ مِنَ الْخِلاَفِ الْوَارِدِ فِي الْمَذْهَبِ، فَإِنْ قَصَدَهُ فَلاَ كَرَاهَةَ.
3) وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ فِي قِيَامِهَا قَبْل فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّلاَةُ فَرْضًا أَمْ نَفْلاً، سِرِّيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً.
4) وَعَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجِبُ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَمَعَ كُل سُورَةٍ فِي رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُل سُورَةٍ؛وَعَلَى الأَْصَحِّ: يُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ مِنْ كُل صَلاَةٍ، وَيُسْتَفْتَحُ بِهَا السُّورَةُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَيُسَرُّ بِهَا؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسِرُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلاَةِ.[31] .


فإن قيل : القرآن لا بد أن يثبت بالتواتر ، فكيف اختلف في الفاتحة ؟
وأحسن إجابة عن هذا أن اختلاف الروايات الآحادية في الإسرار بالبسملة والجهر بها قوي ، وأما الاختلاف في كونها من الفاتحة أو ليست منها فضعيف، وإن قال به بعض كبار العلماء:
1) لأن رسم المصحف الإِمام القطعي المتواتر أثبتها في المصحف بخطه من غير نكير ، وهذا الرسم بتواتره خطا وتلقينا أقوى من الروايات القولية ، وأعصى على التأويل والاحتمال يؤيد أنها من القرآن.
2) وجميع القراء العشرة أصحاب القراءات المتواترة التي لا يصح أن تعارض برواياتٍ آحاديةٍ وأدلةٍ لا تقوى أن تعارض المتواتر ـ أثبتوا البسملة عند الابتداء بالفاتحة لم يسقطها منهم أحد إنما اختلفوا في الجر والإسرار بها .
وأما قول العلماء:إن منكر كون البسملة من الفاتحة أو من كل سورة لا يكفر ، فليس معناه أن كونها قرآنا غير ثابت بل هي ثابتة ، ولكن منكرها لا يكفر لتأويله الدليل القطعي بشبهة المعارضة التي وردت أو فُهِمت في بعض الروايات.


**

لطائف : قال الآلوسي: "وإن أردت أن تمتحن ذهنك في بعض أسرارها فتأمل:
سر افتتاحها واختتامها بحرفين شفويين(ب، م).
ومع كل ألف صورية متصلة بأول الأول (باسم ، الله) (الرحمن، الرحيم) وآخر الآخر
وتحت الأول دائرة غيبية ظهرت في صورة الثاني .
وسر ما وقع فيها من أنواع التثليث :
أما أولاً ففي مخارج الحروف فإنها ثلاثة الشفة واللسان والحلق في الباء واللام والهاء
وأما ثانياً ففي المحذوف من حروفها فإنها ثلاثة أيضاً ألف الاسم وألف الله وألف الرحمن . وأما ثالثاً ففي المنطوق منها والمرسوم فإنه ثلاثة أنواع أيضاً منطوق بها مرسوم كالباء ومنطوق به غير مرسوم كألف الرحمن ومرسوم غير منطوق به كاللام منه مثلاً .


أ) وأما رابعاً ففي المتحرك والساكن ، فمتحرك لا يسكن كالباء وساكن لا يتحرك كالألف ، وقابل لهما كميم الرحيم وقفاً ووصلاً .

ب) وأما خامساً ففي أنواع كلماتها الملفوظة والمقدرة فهي على رأي اسم وفعل وحرف ،

ت) وأما سادساً ففي أنواع الجر الذي فيها فهو جر بحرف وبإضافة وبتبعية على المشهور

ث) وأما سابعاً ففي الأسماء الحسنى التي دبجتها فهي الله والرحمن والرحيم .

ج) وأما ثامناً ففي العاملية والمعمولية فكلمة عاملة غير معمولة ومعمولة غير عاملة وعاملة معمولة .

ح) وأما تاسعاً ففي الاتصال والانفصال فمتصل بما بعده فقط وبما قبله فقط وبما بعده وقبله.

خ) وفي كل واحد من هذه الثلاثيات أسرار تحير الأفكار وتبهر أولي الأبصار

1) وانظر لم اشتملت حروفها على الطبائع الأربع وتقدم في الظهور الهواء

2) ولم كانت تسعة عشر .

3) ولم اعتنق اللام الألف واتصلت الميم باللام والهاء بالراء والنون بها نطقاً لا خطاً .

4) ولم فتح ما قبل الألف حتى لم يتغير في موضع أصلاً ؟

5) وتفكر في سر تربيع الألفاظ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وسكون السين وتحرك الميم ونقطتي الياء ونقطة النون والباء".

6) وقال الآلوسي :" لا يقال إذا كانت الفاتحة جامعة لمعاني الكتاب فلم سقط منها سبعة أحرف الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء لأنا نقول : لعل ذلك للإشارة إلى أن الكمال المعنوي لا يلزمه الكمال الصوري ولا ينقصه نقصانه ، إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وكانت سبعة موافقة لعدد الآي المشتمل على الكثير من الأسرار ، وكانت من الحروف الظلمانية التي لم توجد في المتشابه من أوائل السور ويجمعها بعد إسقاط المكرر : ( صراط على حق نمسكه ) وهي النورانية المشتملة عليها بأسرها الفاتحة للإشارة إلى غلبة الجمال على الجلال المشعر بها تكرر ما يدل على الرحمة في الفاتحة ـ ـ "
7) وقد وضح هذا مع تدقيق عبد الدائم الكحيل ، ألخص بعض ما ذكره:
الحقيقة الأولى : عدد آيات سورة الفاتحة هو سبع آيات. الرقم سبعة له حضور خاص عند كل مؤمن. فعدد السماوات 7 وعدد الأراضين 7 وعدد أيام الأسبوع 7 وعدد الأشواط التي يطوفها المؤمن حول الكعبة 7، وكذلك السعي بين الصفا والمروة 7 ومثله الحصيات التي يرميها المؤمن 7، والسجود يكون على سبعة أَعْظُم، وقد تكرر ذكر هذا الرقم في أحاديث المصطفى مثل:(سبعة يظلهم الله في ظله...، اجتنبوا السبع الموبقات.....) وغير ذلك مما يصعب إحصاؤه. وهذا التكرار للرقم سبعة لم يأتِ عبثاً أو بالمصادفة. بل هو دليل على أهمية هذا الرقم حتى إن الله تعالى قد جعل لجهنم سبعة أبواب
1) الحقيقة الثانية : عدد الحروف الأبجدية للغة العربية التي هي لغة القرآن 28 حرفاً، وهذا العدد من مضاعفات السبعة:
عدد حروف لغة القرآن هو 28 حرفاً = 7 × 4
سبعة حروف غير موجودة في سورة الفاتحة وهي (ث، ج، خ، ز، ش، ظ، ف)، فيكون عدد الحروف الأبجدية في سورة الفاتحة 21 حرفاً وهذا العدد أيضاً من مضاعفات السبعة:
عدد الحروف الأبجدية في سورة الفاتحة هو 21 حرفاً = 7 × 3
الحقيقة الثالثة:
في القرآن الكريم حروف ميَّزها الله تعالى ووضعها في مقدمة تسع وعشرين سورة سُمّيت بالحروف المقطعة في أوائل السور، وأفضّل تسميتها بالحروف المميزة، عدد هذه الحروف عدا المكرر هو 14 حرفاً وهذا العدد من مضاعفات الرقم سبعة:
عدد الحروف المقطعة في القرآن (عدا المكرر) هو 14 حرفاً = 7 × 2
والعجيب أن هذه الحروف الأربعة عشر موجودة كلها في سورة الفاتحة، وإذا قمنا بعدّ هذه الحروف في السورة لوجدنا بالضبط 119 حرفاً، وهذا العدد من مضاعفات السبعة:
عدد الحروف المقطعة في سورة الفاتحة (عدا المكرر) هو 14 حرفاً = 7 × 2
عدد الحروف المقطعة في سورة الفاتحة (مع المكرر) هو 119 حرفاً = 7 × 17
الحقيقة الرابعة:
من أعجب التوافقات مع الرقم سبعة أن عدد حروف لفظ الجلالة (الله) في سورة الفاتحة هو سبعة في سبعة!! فهذا الإسم مؤلف من ثلاثة حروف أبجدية هي الألف واللام والهاء، وإذا قمنا بعدّ هذه الحروف في سورة الفاتحة وجدنا 49 حرفاً وهذا العدد من مضاعفات السبعة مرتين:
عدد حروف الألف واللام والهاء في سورة الفاتحة هو 49 حرفاً = 7 × 7
ذكرنا بأن عدد الحروف المقطعة في القرآن هو 14 حرفاً أي 7 × 2، والعجيب أن عدد الافتتاحيات عدا المكرر هو أيضاً 14. وأول افتتاحية هي (الــم) هذه الحروف الثلاثة تتكرر في سورة الفاتحة بشكل مذهل
الحقيقة الخامسة:
من عجائب أمّ القرآن أنها تربط أول القرآن بآخره، ويبقى الرقم 7 هو أساس هذا الترابط المذهل، فأول سورة في القرآن هي الفاتحة ورقمها 1، وآخر سورة في القرآن هي سورة الناس و رقمها 114، هذان العددان يرتبطان مع بعضها ليشكلان عدداً مضاعفات السبعة:
بقي أن نشير إلى أن عدد كلمات أول آية هو 4 وآخر آية هو 10 ومجموع هذين العددين هو من مضاعفات الرقم سبعة:
مجموع كلمات أول آية وأخر آية من الفاتحة: 4 + 10 = 14 = 7 × 2
كلمات أول سورة وآخر سورة في القرآن
إن أول سورة في القرآن هي الفاتحة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، وعدد كلماتها هو 29 كلمة، أما آخر سورة في القرآن فهي سورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)، وعدد كلماتها هو 20 كلمة، ويكون المجموع:
29 + 20 = 49 كلمة وهذا العدد هو سبعة في سبعة!!!!
كلمات أول آية وآخر آية في القرآن
عدد كلمات أول آية في القرآن وهي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) 4 كلمات، وعدد كلمات آخر آية من القرآن وهي (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) هو 3 كلمات، ويكون المجموع:
4 + 3 = 7 بالتمام والكمال
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)ْ




[1] برقم 4647 باب يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ.

[2] رقم 5007 – باب فضل فاتحة الكتاب

[3] برقم (807) باب فضل الفاتحة وخواتيم البقرة

[4] باب وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة

[5] مع تصرف وتغيير في بعض الأمور

[6] َقَالَ الْغَزَالِيُّ: مَقَاصِدُ الْقُرْآنِ سِتَّةُ ثَلَاثَةٌ مُهِمَّةٌ؛ وَثَلَاثَةٌ مُتِمَّةٌ الْأُولَى تَعْرِيفُ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ كَمَا أُشِيرُ إِلَيْهِ بِصَدْرِهَا [ وهو الله سبحانه عرفه بالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ] وَتَعْرِيفُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِيهَا وَتَعْرِيفُ الْحَالِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَهُوَ الْآخِرَةُ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَالْأُخْرَى تَعْرِيفُ أَحْوَالِ الْمُطِيعِينَ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَحِكَايَةُ أَقْوَالِ الْجَاحِدِينَ وَقَدْ أُشِيرَ إِلَيْهَا بِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ وَتَعْرِيفُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِهِ «حَلُّ الرُّمُوزِ وَمَفَاتِيحُ الْكُنُوزِ» : الطَّرِيقَةُ إِلَى اللَّهِ لَهَا ظَاهِرٌ (أَيْ عَمَلٌ ظَاهِرٌ أَيْ بَدَنِيٌ) وَبَاطِنٌ (أَيْ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ) فَظَاهِرُهَا الشَّرِيعَةُ وَبَاطِنُهَا الْحَقِيقَةُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ إِقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَيَجْمَعُ الشَّرِيعَةَ وَالْحَقِيقَةَ كَلِمَتَانِ هُمَا قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإياك نَعْبُدُ شَرِيعَةٌ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ حَقِيقَةٌ، اهـ.


[7] وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات :
القول الأول : فقال معظم أهل الكوفة ومكة : صارت سبع آيات بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله والتابعين والشافعي يعد البسملة آية منها.
القول الثاني : قالوا هي سبع آيات ، وليس منهن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولكن السابعة " أنعمت عليهم " . وذلك قول معظم قَرَأةِ أهل المدينة والبصرة والشام ومُتْقنيهم ومنهم الإمام مالك .


[8] جمع مُثَنَّى بضم الميم وتشديد النون ، أو مُثْنَى مخفف مُثَنَّى ، أو مَثْنَى بفتح الميم مخفف مثني كمعنى مخفف

[9] القرطبي وحبنكة

[10] رقم 2203) باب فضل التعوذ

[11] (2708) بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَغَيْرِهِ

[12] قال الزمخشري:فإن قلت : فكيف قال الله متبركاً باسم الله أقرأ ؟ قلت : هذا مقول على ألسنة العباد ، كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره ، وكذلك : الحمد للَّهِ رَبّ العالمين إلى آخره ، وكثير من القرآن على هذا المنهاج ، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه ، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه .


[13] وأدلة كون الملابسة أرجح من الاستعانة: 1) لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه تعالى،2) ولأن الأنسب بذكر اسم الله دون أن يقال بالله أن تكون الباء للملابسة على وجه التبرك وإلا لقيل بالله، 3) باء المصاحبة هي الأكثر في الاستعمال من باء الاستعانة لا سيما في المعاني وما يجري مجراها من الأفعال ، 4)وبأن المقصود من البسملة أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإله الواحد دون غيره ، وللتبرك والتيمن والتشرف باسم الذات العلية وبأن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك فينبغي أن يرد عليهم في ذلك وهذا المعنى يناسبه الملابسة 5 ) ولأن جعل الباء للملابسة على وجه التبرك تتضمن الاستعانة لا العكس ، ولذلك نجد بعض العلماء كابن كثير جمع مع الملابسة الاستعانة حيث قال : " فلك أن تقدر الفعل ومصدره ، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله ، إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلا أو شربًا أو قراءة أو وضوءًا أو صلاة ، فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله ، تبركًا وتيمنًا واستعانة على الإتمام والتقبل" 6) ولأن جعلها للاستعانة يؤدي إلى التكرار مع وإياك نستعين .

[14] رجح الاستعانة ابن سيده والراغب والسمين الحلبي والخازن والبيضاوي والآلوسي ، واستدلوا بأدلة منها : أن جعله للاستعانة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل حتى كأنه لا يتأتى ولا يوجد بدون اسم الله تعالى إذ فيها من الأدب والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة لأن فيها تلميحاً من أول وهلة إلى إسقاط الحول والقوة ونفي استقلال قدر العباد وتأثيرها وهو استفتاح لباب الرحمة وظفر بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله 2) ولأن هذا المعنى أمسّ بقوله تعالى وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ 3) قالوا : إنما قال " بسم الله " ولم يقل " الله " لأنه لما استحب الاستعانة بالله تعالى في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم - يذكره - بقلبه، وبعضهم يزيد عليه ويقوله بلسانه ويكون أبلغ - و " ذكر الله مستعمل في كل ذلك " - وألفاظ الاستعانة نحو " أستعين بالله " و " اللهم أعني " ونحو ذلك كثير، فصار لفظة " بسم الله " مستغني به عن جميعها وقائماُ مقامها، ولو قال " بالله " (لكان يقتضي الاستعانة) بهذه اللفظة فقط .4) لأن المشركين إلى الاستعانة بآلهتهم أقرب إذ هم وسائطهم في التقرب إليه تعالى وهي أشبه بالآلة.

[15] وتقدير الفعل الخاص أمس وأخص بالمقصود، وأتم شمولاً فإنه يقتضي أن القراءة واقعة بكمالها مقرونة بالتسمية بخلاف تقدير أبتدئ إذ لا تعرض له لذلك.

[16] أما إن جعلنا الباء للاستعانة ، فالإتيان بالاسم دون أن يقال بالله:
1) لأن الاستعانة بذكر اسمه
2) ولأنه لما استحب الاستعانة بالله تعالى في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم - يذكره - بقلبه، وبعضهم يزيد عليه ويقوله بلسانه ويكون أبلغ، و ذكر الله مستعمل في كل ذلك وألفاظ الاستعانة نحو " أستعين بالله " و " اللهم أعني " ونحو ذلك كثير، فصار لفظة " بسم الله " مستغنى به عن جميعها وقائماُ مقامها، ولو قال " بالله " لكان يقتضي الاستعانة بهذه اللفظة فقط ،
3) وقال بعضهم المراد بالاسم المسمى فصحت الاستعانة به ، وأمر الإضافة هين.



[17] يقابل الخاص أن يكون عاما نحو: أبتدئ

[18] المتعلق هو ما يتعلق به الجار والمجرور من الفعل أو المشتق مثل مررت بزيد ، فبزيد كملت معنى مررت فهي متعلقة به ، ومررت عاملة في بزيد ، والبسملة تحتاج إلى متعلق ليتم المعنى مثل بسم الله أقرأ و أو أكتب أو أجلس ، فكل من هذه الأفعال يسمى متعلقا (بفتح اللام )، جمهور العلماء رجحوا أن يقدر المتعلَّق متأخرا فيقدر باسم الله الرحمن الرحيم أقرأ مثلا ، ورجح ابن عاشور والآلوسي أنه يقدر متقدما ، واتفق الكل أن المراد الاختصاص سواء قدر المتعلَّق متقدما أو متأخرا ، فالقائلون بتقديره متأخرا يقولون دل تقديم الجار على الحصر والقائلون بتقديره متقدما قالوا المقام دل على الحصر.

[19] وإنما قُدّم المتعلق في قوله : «اقرأ باسم ربك » للاهتمام بالقرآن ؛ لأن سورة العلق أوّل سورة نزلت فالأهم ثَّم هو القراءة ولذا قدم الفعل ولا كذلك في التسمية ، وأيضا التقديم في البسملة للحصر و قطع عرق الشركة رداً على من يدعيها فناسب تقديم الاسم بخلاف سورة العلق فالمقام ليس للحصر ولكل مقام مقال والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال

[20] ) أي لا يصلح لأن يكون اسما لذاته المخصوصة من بين اسمائه تعالى سوى لفظ الجلالة لعدمم ظهورمعنى الوصفية فيه بخلاف سائر أسمائه الحسنى فإنها صفات مشتقة بلا خفاء.

[21] قال الإمام النيسابوري "وينبغي أن يكون المراد من كون الله تعالى معبوداً كونه مستحقاً ومستأهلاً لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد ، فإن اللائق بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات . ولا يخفى أن الاستحقاق والاستئهال حاصل له أزلاً وأبداً ، فيكون إلهاً أزلاً وأبداً وإن كل من سواه عابد له بقدر استعداده وعلى حسب حاله ، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق.غرائب القرآن ورغائب الفرقان( 1 /76) .

[22] فخم لفظ الجلالة بعد الفتحة والضمة دون الكسرة: أما الأول (بعد الفتحة والضمة) ، فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر ، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم ، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر ، فيكون أدخل في الثواب . وأما الترقيق فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار .

[23] وأمّا " إله " المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقٍّ وعلى غيره ، قال تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا [ الأنبياء : 22 ] ، وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ

[24] مما يرجح أنه صيغة مبالغة اقترانه بصيغ المبالغة في آيات كثيرة : التَّوَّابُ الرَّحِيمُ غَفُورٌ رَحِيمٌ رَحِيمٌ وَدُودٌ ، قال ابن طلحة : فعيل لمن صار له كالطبيعة " قال السامرائي في معاني الأنبية 102: وتوضيح الأمر أن هذا البناء منقول من فعيل الذي هو من أبنية الصفة المشبهة وبناء فعيل في الصفة المشبهة يدل على الثبوت فيما هو خلقة أو بمنزلتها كطويل وقصير وفقيه وخطيب ، وهو في المبالغة يدل على معاناة الأمر وتكراره حتى أصبح كأنه خلقة في صاحبه وطبيعة فيه كعليم ، أي هو لكثرة نظره في العلم وتبحره فيه أصبح العلم سجية ثابتة في صاحبه كالطبيعة فيه ، ومثل ذلك في الصفة المشبهة : فقيه وخطيب" قال المصطفوي في التحقيق (4/104) الصيغة تدل على الثبوت واتصاف الذات بالوصف على سبيل اللزوم ، فإن الكسرة تدل على رسوخ وثبوت زائد والياء من حروف المد تدل على امتداد في الاتصاف وهذا هو الفرق بين (فعِل) و(فعيل) كخشن وشريف .

[25] اذكر مثالا لذلك خمس آيات ، الآية الأولى والثانية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) فهي رحمات ونعم مستمرة لا تحصى ليشكروه وهذا أنسب بالرحيم الدال على الثبوت وعلى تعلق الرحمة بعباده كما يشير له لا تحصوها ، والمضارع في تحمل ، قال أبو السعود: حيث يُفيضها عليكم مع استحقاقكم للقطع والحِرمان بما تأتون وتذرون من أصناف الكفرِ التي من جملتها عدمُ الفرق بين الخالقِ وغيرِه، الآية الثالثة : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) فهنا المراد دوام وطول مدة رحمته بهم مع قدرته على تعجيل العقوبة ، فهو رحيم حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلُم عنكم مع استحقاقكم لها، الآية الثالثة : رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) وهذا مناسب لدوام الرحمة حيث هيأ لكُم ما تحتاجونَ إليهِ وسهّل عليكم ما يعسُر من مباديه وهذا تذييلٌ فيه تعليلٌ لما سبق من الإزجاء لابتغاء الفضلِ ، الآية الرابعة : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65وهذا مناسب لدوام الرحمة وتعلقها بعباده كما يدل عليه سخر، تجري ويمسك قال أبو السعود: حيث هيَّأ لهم أسبابَ معاشِهم وفتحَ عليهم أبوابَ المنافعِ وأوضح لهم مناهجَ الاستدلالِ بالآيات التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ .

[26] وكذلك قال السمين الحلبي: "والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ» فَعْلان «من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ» فعيل «من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة"[26]اهـ الدر المصون في علوم الكتاب المكنون(1/ 33)


[27] ما ذكرته في الأعلى هو الصحيح الذي دل عليه استقراء القرآن ؛ لأنه مبني على استقراء جميع آيات القرآن التي ورد فيها اسم الرحمن والرحيم ، وقد ذكر جماعة من أهل التفسير و اللغة هذا المعنى أو قريبا منه مثل : المصطفوي في التحقيق وصاحب المعجم الاشتقاقي محمد حسن جبل ، ، ثم الخطابي و أبو زهرة وحقي، قال التحقيق: فالرحمن من امتلأ رحمة ، فيكو ن هذا في حقه سبحانه عبارة عن فعلية الرحمة الكلية الواسعة لجميع الموجودات قاطبة ، وهذا إذا أطلقت هذه الصيغة معرفة باللام عليه تعالى وقد ذكر في القرآن الكريم في سبعة وخمسين موردا ، كلها معرفا ومرادا بها الله المتعال" (4/98" " (الرحيم ): الصيغة تدل على الثبوت واتصاف الذات بالوصف على سبيل اللزوم ، فإن الكسرة تدل على رسوخ وثبوت زائد والياء من حروف المد تدل على امتداد في الاتصاف وهذا هو الفرق بين (فعِل) و(فعيل) كخشن وشريف اهـ بتصرف قليل ، قال المعجم الاشتقاقي: " فالرحمن الرحمة الذاتية العظمى الدائمة فالرحمن تعنى ذا الرحمة الممتلئ بها الملازمة له وهذه الملازمة وأنها صفة ذاتية باطنة سر اختصاص هذا الاسم به تعالى ، لأنه الرحمن الحق الدائم الرحمة العام برحمته المؤمن والكافر ولذا قامت هذه الصفة مقام اسم الذات في مثل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ، والرحيم : صفة فعل لذلك تراها في جميع مواضعها يلاحظ فيها تطلب الموضع لوقوع الرحمة ومسبوق بما يناسبها كالغفور والرءوف والتواب والبر فكل من الرحمن والرحيم مجاله ، فالرحمن تعنى ذا الرحمة الممتلئ بها الملازمة له وهذه الملازمة وأنها صفة ذاتية باطنة سر اختصاص هذا الاسم به تعالى ، لأنه الرحمن الحق الدائم الرحمة العام برحمته المؤمن والكافر والرحيم : الرحمة الفياضة العظمى التي يتقلب في كنفها عباده ، وللمؤمنين منها الحظ الأوفى ، إذ هم ميدانها ومجالها بوعده وبفضله تبارك وبه يتحقق الترقي من الرحمن إلى الرحيم عند اجتماعهما كما في البسملة والفاتحة وغيرهما" اهـ ، قال الخطابي : "فـ الرحمن : ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم ، وعمت المؤمن والكافر . و الرحيم : خاص للمؤمنين . قال : وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] ." يقول علي هاني: فقول الخطابي في الرحمن دقيق لكن قصره الرحيم على المؤمنين هذا أغلبي فغالب الآيات التي في الرحيم للمؤمنين لكن هناك آيات أخرى للعموم الناس إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) سورة البقرة ، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) سورة الحج. وقال أبو زهرة :"وعند الاتجاه إلى استقراء الآيات القرآنية ـ ـ ـ ـ .ومن هذه الموازنات بين استعمال القرآن لكلمة ( رحمن ) ، واستعماله لكلمة ( رحيم ) ننتهي إلى ما يأتي :
أولا : أن وصف الرحمن وصف ذاتي للذات العلية لا يتعلق بفعل ولا بشخص يذكر ، ولكنه وصف لله أو اسم له كلفظ الجلالة ، ولكنه يشعرنا بالرحمة ، كما أنه لفظ يشعر بالألوهية واستحقاق العبادة ، ولذلك قال بعض العلماء : إن كلمة ( الرحمن ) اسم لله تعالى ، وأما ( الرحيم ) فهو وصف لله تعالى يتعلق برحمته بالعباد المكلفين المخاطبين بشريعته ، والذين طلب منهم أن يقوموا بحق الله تعالى في إجابة أوامره ، واجتناب نواهيه ؛ ولذلك يقترن كثيرا بالتوبة والمغفرة . ثانيا : أن الرحمة في ( الرحمن ) أكثر من ( الرحيم ) ؛ ولذلك قالوا : إن رحمة الرحمن ، هي الرحمة بالوجود كله ، فبرحمة الرحمن يرزق الله من في السموات والأرض ، وبرحمته الواسعة ينزل الغيث ، ويرسل الرياح ، ومهد الأرض ، وجعل الجبال ، وبرحمة الرحمن بعث الرسل مبشرين ومنذرين ، وبرحمة الرحمن جازى المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ 160 [ الأنعام ] ، وهكذا كانت رحمة الرحمن شاملة الوجود كله ، والرحيم متعلق في رحمته بالمكلفين .
ثالثا : أن ( الرحمن ) أكثر رحمة لما في الوصف بالرحمة فيه من شمول يشمل الوجود الإنساني كله ، ووصف ( الرحيم ) خاص بالمكلفين ، كما يدل على ذلك سياق اللفظ في القرآن الكريم اهـ بتصرف (زهرة التفاسير (1/53) .
قال الشيخ حقي في روح البيان:" الرحمانية عامة لشمول الذات جميع الأشياء علما وعينا والرحيمية خاصة لأنها تفصيل تلك الرحمة العامة الموجب لتعيين كل من الأعيان بالاستعداد الخاص بالفيض الأقدس والصفاتية " (روح البيان (1/8).


[28] وتطويل الباء فيها صالح لاتخاذه قدوة في ابتداء الغرض الجديد من الكلام بحرف غليظ أو ملون.

[29] الموسوعة الفقهية الكويتية (8/83)

[30] وَرَوَى ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَال: يُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ سِرًّا بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ؛ لأَِنَّ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى مُتَابَعَةِ الْمُصْحَفِ، وَإِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جَهْرًا فَلاَ يُؤْتَى بِالْبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ فَعَل لأََخْفَى، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَكْتَةً فِي وَسَطِ الْقِرَاءَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَأْثُورًا.

[31] الموسوعة الفقهية الكويتية (8/86).