ذهب السلف الصالح وجمهور الأشاعرة في قول الله تعالى : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىطه: ١٢١ ، إلى أن آدم وقع في المعصية حقيقةً وأنها من صغائر الذنوب ثم إن الله قد تاب عليه ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وأنه لم يصر على ذنبه هذا مما يجعله كبيرة إذا الإصرار على الصغائر كبائر ، وأن الله تعالى اجتباه وتاب عليه وهداه فلم يعص الله بعدها .
وهذه أقوالهم :
يقول ابن جرير الطبري – - : «قوله وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى يقول: وخالف أمر ربه، فتعدّى إلى ما لم يكن له أن يتعدّى إليه، من الأكل من الشجرة التي نهاه عن الأكل منها، وقوله ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى يقول: اصطفاه ربه من بعد معصيته إياه فرزقه الرجوع إلى ما يرضى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه، وقوله وَهَدَى يقول: وهداه للتوبة، فوفَّقه لها». ([1])
وقال ابن قتيبة : «وقد أكل آدم ﷺ، من الشجرة التي نهي عنها باستذلال إبليس وخداعه إيّاه بالله والقسم به إنه لمن الناصحين، حتى دلّاه بغرور. ولم يكن ذنبه عن إرصاد([2]) وعداوة وإرهاص([3]) كذنوب أعداء الله. فنحن نقول: (عصى وغوى) ، كما قال الله تعالى، ولا نقول: آدم (عاص ولا غاو) ، لأن ذلك لم يكن عن اعتقاد متقدّم ولا نيّة صحيحة، كما تقول لرجل قطع ثوبا وخاطه: قد قطعه وخاطه، ولا تقل خائط ولا خيّاط حتى يكون معاودا لذلك الفعل، معروفا به ».([4])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : « وأما آدم - - فإنه اعترف أولاً بذنبه فقال: ظلمنا أنفسنا ، ولم يكن عند آدم من ينازعه الإرادة لما أمر الله به، مما يزاحم الإلهية بل ظن صدق الشيطان الذي وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين،فدلاهما بغرور، فالشيطان غرهما وأظهر نصحهما فكانا في قبول غروره وما أظهر من نصحه حالهما مناسبا لقولهما: ربنا ظلمنا أنفسنا ، لما حصل من التفريط، لا لأجل هوى وحظ يزاحم الإلهية وكانا محتاجين إلى أن يربهما ربوبية تكمل علمهما وقصدهما.
حتى لا يغترا بمثل ذلك، فهما يشهدان حاجتهما إلى الله ربهما الذي لا يقضي حاجتهما غيره ».([5])
وقال العلامة ابن عثيمين : «عصى ربه بوسوسة الشيطان له، قال الله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، لما تاب نال الاجتباء. واجتباه الله، وصار في منزلة أعلى من قبل أن يعصي ربه، لأن المعصية أحدثت له خجلاً وحياء من الله، وأنابه إليه، ورجوعاً إليه، فصارت حاله أعلى حالاً من قبل».([6])
وقال الآمدى فى أبكار الأفكار (4/150 ) وهو يسرد الأدلة والحجج على عدم عصمة الأنبياء من الصغائر ، قال : الحجة الأولى: هى أن آدم - - عصى، وارتكب الذنب، وذلك لا يخلو:
إما أنه كان في حالة النبوة، أو قبلها.، فإن كان في حالة النبوة، فقد ثبت أن النبي غير معصوم – يعنى من الصغائر -.، وإن كان ذلك قبل النبوة. وهو الأظهر .
وهذا هو قول كثير من الأشاعرة – أي : أن أكل آدم من الشجرة كان قبل النبوة – وبه قال ابن فورك والرازي والإيجي والبيضاوي وغيرهم ».([7])
وأجيب عليهم بما يلي :
1 – أن النبي لا يحتاج إلى أمة فكل من كلمه الله وأوحى إليه من البشر فهو نبي سواء أرسل أو لم يرسل بخلاف الرسول .
2 – أن الاجتباء لا يلزم منه أنه اختاره نبياً .
3 – الحديث عن أبى أمامة : «... قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللهِ، فَأَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ؟ قَالَ: « آدَمُ ». قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللهِ: أَوَ نَبِيٌّ كَانَ آدَمُ قَالَ: « نَعَمْ. نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ رُوحَهُ ..».
قالوا : فآدم نبي منذ كلمه الله ، وكان هذا التكليم قبل وقوع المعصية .
والحق أن هذا الحديث ضعيف جداً لا يحتج به فيه مجهولان ومتروك ([8])، غير أن الراجح أن آدم حين فعل المعصية كان نبياً للسببين الأول والثاني، وأضف على ذلك أن الله أعلم الملائكة أنه خلقه لذلك .
وأنه تعالى علمه الأسماء وهذا من الوحي وكان ذلك قبل المعصية .
وفى الحديث الصحيح عن أبى هريرة ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ »، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».([9])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فهذا الحديث ظن فيه طوائف أن آدم احتج بالقدر على الذنب وأنه حج موسى بذلك فطائفة من هؤلاء يدعون التحقيق والعرفان يحتجون بالقدر على الذنوب مستدلين بهذا الحديث وطائفة يقولون الاحتجاج به سائغ في الآخرة لا في الدنيا وطائفة يقولون هو حجة للخاصة المشاهدين للقدر دون العامة وطائفة كذبت به كالجبائي وغيره وطائفة تأولته تأويلات فاسدة مثل قول بعضهم إنما حجة لأنه كان تاب وقول آخر كان أباه والابن لا يلوم أباه وقول آخر كان الذنب في شريعة واللوم في أخرى ، قال وهذا كله تعريج عن مقصود الحديث . ([10])
وحاصل ما يؤخذ من كلام ابن تيمية ومن الحديث أن آدم إنما حج موسى لكونه كان قد تاب من الذنب الصوري واستسلم للمصيبة التي لحقت الذرية بسبب أكله المقدر عليه ، فالحديث تضمن التسليم للقدر عند وقوع المصائب وعدم لوم المذنب التائب .
قال بعض السلف : « اثنان أذنبا آدم وإبليس فآدم تاب فتاب الله عليه واجتباه وإبليس أصر على معصيته وأحتج بالقدر فلعن وطرد فمن تاب من ذنبه أشبه بآدم ومن أصر وأحتج بالقدر أشبه إبليس ومن تاب لا يحسن لومه على ذنبه الذي صدر منه وكيف يلام على سيئات كلها حسنات .([11])
هذا وقد استدل بعض العلماء على أن آدم إنما فعل ذلك ناسياً مستدلاً بقوله الله تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا طه: ١١٥ .
قال ابن حزم الظاهري : « فما نسي آدم عهد الله إليه في أن إبليس عدو له أحسن الظن بيمينه ، ولا سلامة ولا براءة من القصد إلى المعصية ولا أبعد من الجراءة على الذنوب أعظم من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا وهكذا فعل آدم فإنه إنما أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا بنص القرآن ومتأولا وقاصدا إلى الخير لأنه قدر أنه يزداد خظوة عند الله تعالى فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما هو فيه أبدا فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه ».([12])
وقال ابن خمير : « يعني عهدنا إليه في أمر الشجرة فنسي العهد فأكل منها من غير عزم على أكلها ولا متعمدا لإطراح الوصية والنهي أو نسي المراقبة لتلك الوصية ولم نجد له عزما على المراقبة فألقي عليه النسيان بتركه المراقبة فأكل منها ».([13])
وممن قال بهذا الماتريدي فى تفسيره ، وعامة الأشاعرة .
بينما ذهب السلف إلى أن المقصود بالنسيان الترك ، يقول ابن جرير الطبري : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى يقول: ولقد وصينا آدم وقلنا له إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ ووسوس إليه الشيطان فأطاعه، وخالف أمري، فحلّ به من عقوبتي ما حلّ.
وعنى جلّ ثناؤه بقوله مِنْ قَبْلُ هؤلاء الذين أخبر أنه صرَّف لهم الوعيد في هذا القرآن، وقوله فَنَسِيَ يقول: فترك عهدي .
ثم ساق بسنده عن ابن عباس قال في الآية : ترك ، وعن مجاهد قال : ترك أمر ربه، وعن ابن زيد قال : لو كان له عزم ما أطاع عدوه وعصى الله الذي كرمه وشرفه.([14])
يقول الماتريدى – -: « قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله (فَنَسِيَ)، أي: ضيع وترك، ليس نسيان السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو ».([15])
قال القرطبي في تفسير الآية: « معنيان: أحدهما- ترك، أي ترك الأمر والعهد، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنهنسوا الله فنسيهم.
وثانيهما قال ابن عباس: نسي هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي». ([16])
وكذا قال العلامة الشنقيطى فى تفسيره : قوله تعالى: فنسي فيه للعلماء وجهان معروفان: أحدهما: أن المراد بالنسيان الترك، فلا ينافي كون الترك عمدا. والعرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدا، ومنه قوله تعالى: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى طه: ١٢٦، فالمراد في هذه الآية: الترك قصدا. وكقوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا الأعراف: ٥١.، وعلى هذا فمعنى قوله: فنسي أي: ترك الوفاء بالعهد، وخالف ما أمره الله به من ترك الأكل من تلك الشجرة، لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده.
والوجه الثاني: هو أن المراد بالنسيان في الآية: النسيان الذي هو ضد الذكر، لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها غره وخدعه بذلك، حتى أنساه العهد المذكور. كما يشير إليه قوله تعالى: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ الأعراف: ٢١ ، وعن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي رواه عنه ابن أبي حاتم .
وعلى القول الأول فلا إشكال في قوله: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا طه: ١٢١ ، وأما على الثاني ففيه إشكال معروف. لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه وعصى آدم ربه فغوى .
وأظهر أوجه الجواب عن ذلك: أن آدم لم يكن معذورا بالنسيان.، ذلك أن الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطأ والإكراه من خصائص هذه الأمة .([17])
قلت : وهذا هو الراجح والذي يحمل عليه جميع نصوص القرءان، وإليه ذهب كثير من المحققين كالقرطبي والشوكانى([18]) والشنقيطى وغيرهم .


([1] ) تفسير الطبري ( 18 /388 ) .

([2] ) الإرصاد : الإعداد .

([3] ) الإرهاص على الذنب : الإصرار عليه .

([4] ) مشكل القرءان ص230 /لابن قتيبة ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .

([5] ) مشكل القرءان ص230 /لابن قتيبة ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .

([6] ) شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ( 2/134 ) .

([7] ) انظر : عصمة الأنبياء للرازي ص16 ، والمواقف للإيجي ص361 ، والشفا للقاضي عياض 2/368 ، وطوالع الأنوار مع شرح مطالع الأنظار ص209 .

([8] ) انظر : مسند الإمام أحمد تحقيق/شعيب الأرنؤوط ( 36/619 ) ، والسلسة الضعيفة للشيخ الألباني رقم ( 1910 ، 6090 ) ، وموارد الظمآن تحقيق الشيخ /حسين سليم أسد ( 1/196 ) .

([9] ) صحيح : رواه البخاري برقم ( 3409 ، 6614 ) ، ومسلم برقم ( 2652 ) واللفظ له ، وغيرهما .

([10] ) انظر : منهاج السنة ( 3/79 وما بعدها ) .

([11] ) انظر : رفع الشبهة والغرر على من يحتج على المعاصي بالقدر ، ص30 تأليف/مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (المتوفى: 1033هـ) ، ط/ الأولى ، دار غار حراء – مكة المكرمة .

([12] ) الفصل فى الملل ( 4/4 ) .

([13] ) تنزيه الأنبياء عما نسبه إليهم حثالة الأغبياء ص72 .

([14] ) تفسير الطبري ( 18/383 ) ط/الرسالة .

([15] ) تفسير الماتريدى ( 7/315 ) ط/الأولى ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .

([16] ) تفسير القرطبي ( 11 /252 ) .

([17] ) أضواء البيان للعلامة الشنقيطى ( 4/103 – 104 ) بتصرف يسير .

([18] ) فتح القدير للشوكانى ( 3/459 ) .