بسم الله الرحن الرحيم
بيعٌ رابح

--------------------------------------------------------------------------------

قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)التوبة .
هيا بنا إخواني نتدبر هذه الآية الكريمة :

إن الله اشترى
من المشتري ؟ الله .
من البائع ؟ العبد المؤمن .
أي صفقة من هذه ؟ ومع من تتعامل ؟
إذن التفاصيل مثيرة تستدعي الاهتمام وإصاخة السمع ، وفتح العقول والصدور .
ثم قال الله تعالى :
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
ثم إن الله قدم النفس على المال ، لأن التضحية بالنفس أصعب من التضحية بالمال ، فكان هذا التقديم والتأخير موافقاً للترتيب المعنوي حسب الأصعب فالأسهل . ولو اختلف لما كان صحيحاً ، لأن النفس أعز من المال ، وأدْعَى للمحافظة عليها .وجعل لذلك خير جزاء وهو الجنة .

ولكن البلاغة في الآية جاءت باستعارة البيع والشراء لهذه التضحية ، وهذا الجزاء ، فالله العزيز لم يقل من يضحي بدمه وماله أعطيه الجنة ، أو أدخله الجنة ، وإنما استعار البيع والشراء لهما . أي للتضحية وفي المقابل الجزاء .
وقوله بأن لهم الجنة متعلق بـ اشترى ، ودخلت الباء هنا على المتروك على بابها ، وسماها أبو البقاء ( باء المقابلة )، كقولهم ( باء العوض ) ، وكقولهم ( باء الثمانية ) .
وقال الحسن ومجاهد ومقاتل : ثامنهم فأغلى ثمنهم .
وفيه لطيفةٌ، وهي أن المشتري لا بدَّ وأن يغاير البائع، وهنا البائعُ هو اللهُ تعالى، والمشتري هو الله، وهذا إنما يصحُّ في حقِّ القيم بأمر الطفل الذي لا يمكُنُه رعاية المصالح في البيع والشراء وصحَّة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة؛ فهذا جارٍ مجرى التَّنبيه على كون العبد كالطِّفلِ الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه؛ وأنَّهُ تعالى هو الرَّاعي لمصالحه بشرط الغبطةِ.
ثم قوله تعالى يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
عبر عن القتال بصيغة المضارع ، وبصيغة الإخبار ، ولم تأتِ بصيغة الأمر . لماذا ؟
عبر سبحانه بصيغة الإخبار وفيها معنى الأمر ،كما في قوله تعالى :
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ (11) الصف .

وبصيغة المضارع ، لدلالة على أن استمرار الجهاد في سبيله سبحانه ، وفي هذه الصيغة دلالة إشارة على أن الجهاد مستمر إلى يوم القيامة ، ويعضده ما جاء في الحديث الشريف (( الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا يبطله عدل عادل أو جور جائر )) .


وقوله تعالى: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ بـيانٌ لكون القتالِ في سبـيل الله بذلاً للنفس وأن المقاتِلَ في سبـيله باذلٌ لها وإن كانت سالمةً غانمة، فإن الإسنادَ في الفعلين ليس بطريق اشتراطِ الجمعِ بـينهما ولا اشتراطِ الاتصافِ بأحدهما البتةَ بل بطريق وصفِ الكلِّ بحال البعضِ فإنه يتحقق القتالُ من الكل سواءٌ وجد الفعلان أو أحدَهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدُرْ منهم أحدُهما أيضاً كما إذا وُجدت المضاربةُ ولم يوجد القتلُ من أحد الجانبـين أو لم توجد المضاربةُ أيضاً فإنه يتحقق الجهادُ بمجرد العزيمة والنفير وتكثيرِ السواد، وتقديمُ حالةِ القاتلية على حالة المقتوليةِ للإيذان بعدم الفرقِ بـينهما في كونهما مصداقاً لكون القتالِ بذلاً للنفس وقرئ بتقديم المبنيِّ للمفعول رعايةً لكون الشهادة عريقةً في الباب وإيذاناً بعدم مبالاتِهم بالموت في سبـيل الله تعالى بل بكونه أحبَّ إليهم من السلامة .

ثم قال تعالى: وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ قال الزجاج: نصب وَعْداً على المعنى، لأن معنى قوله: بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ أنه وعدهم الجنة، فكان وعداً مصدراً مؤكداً. واختلفوا في أن هذا الذي حصل في الكتب الثلاثة ، ما هو؟

فالقول الأول: أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت، فقد أثبته الله في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن.

والقول الثاني: المراد أن الله تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، كما بين في القرآن.

والقول الثالث: أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع.

و يبدو أن المعنى الراجح في تفسير قوله تعالى :

وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ .
ما جاء عند :ابن كثير حيث قال :
قَوْله " وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن " تَأْكِيد لِهَذَا الْوَعْد وَإِخْبَار بِأَنَّهُ قَدْ كَتَبَهُ عَلَى نَفْسه الْكَرِيمَة وَأَنْزَلَهُ عَلَى رُسُله فِي كُتُبه الْكِبَار وَهِيَ التَّوْرَاة الْمُنَزَّلَة عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيل الْمُنَزَّل عَلَى عِيسَى وَالْقُرْآن الْمُنَزَّل عَلَى مُحَمَّد صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .

وما جاء عند القرطبي :
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ

إِخْبَار مِنْ اللَّه تَعَالَى أَنَّ هَذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْكُتُب , وَأَنَّ الْجِهَاد وَمُقَاوَمَة الْأَعْدَاء أَصْله مِنْ عَهْد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام . و " وَعْدًا " و " حَقًّا " مَصْدَرَانِ مُؤَكدَانِ .
وهما يحتملان القول الأول والثالث ولا يحتملان القول الثاني .


ثم قال تعالى: وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ والمعنى: أن نقض العهد كذب. وأيضاً أنه مكر وخديعة، وكل ذلك من القبائح، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزهاً عنها. وقوله: وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ استفهام بمعنى الإنكار، أي لا أحد أوفى بما وعد من الله.
والجملة تذييل مقرر لمضمون الأمر السابق.
" و التذييل هو أن تأتي في الكلام جملة تحقق ما قبلها ".
وهنا قال الله في مطلع الآية إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، ثم تحقق الكلام بقوله وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
ثم قال: فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ فَٱسْتَبْشِرُواْ التفات إلى خطابهم لزيادة التشريف والاستبشار إظهاراً لسرورهم .
" والالتفات أسلوب بديعي ،وهو أن تتغير صيغة الخطاب بين فقرات الجملة الواحدة من مخاطب إلى غائب إلى متكلم ".
وليست السين فيه للطلب، والفاء لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما قبله أي فإذا كان كذلك فاظهروا السرور بما فزتم به من الجنة، وإنما قال سبحانه: بِبَيْعِكُمُ مع أن الابتهاج به باعتبار أدائه إلى الجنة لأن المراد ترغيبهم في الجهاد الذي عبر عنه بالبيع، ولم يذكر العقد بعنوان الشراء لأن ذلك من قبله سبحانه لا من قبلهم والترغيب على ما قيل إنما يتم فيها هو من قبلهم، وقوله تعالى: ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ لزيادة تقرير بيعهم وللإشعار بتميزه على غيره فإنه بيع الفاني بالباقي ولأن كلا البدلين له ، ومن هنا كان الحسن إذا قرأ الآية يقول: أنفس هو خلفها وأموال هو رزقها وَذَلِكَ أي البيع الذي أمرتم به هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ الذي لا فوز أعظم منه، وما في ذلك من البعد إشارة إلى بعد منزلة المشار إليه وسمو رتبته في الكمال.والإشارة إلى الجنة التي جعلت ثمناً بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالهم، وفي ذلك إعظام للثمن ومنه يعلم حال المثمن .

واعلم أن هذه الآية إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ مشتملة على أنواع من التأكيدات:
فأولها: قوله: فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد.
والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد.
وثالثها: قوله: وَعْداً ووعد الله حق.
ورابعها: قوله: عَلَيْهِ وكلمة «على» للوجوب.
وخامسها: قوله: حَقّاً وهو التأكيد للتحقيق.
وسادسها: قوله: فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة.
وسابعها: قوله: وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ وهو غاية في التأكيد.
وثامنها: قوله: فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وهو أيضاً مبالغة في التأكيد.
وتاسعها: قوله: وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ
وعاشرها: قوله: ٱلْعَظِيمُ فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق.

والله أعلم .