الإساءة إلى النبي معيار لضعف الوعي عند القوم

الإساءة إلى النبي أثبتت ضعف الوعي عند القوم في أهم القضايا وعند شريحة يفترض فيها التحري لما ينشر على الأقل في القضايا المهمة .

معايير العلم والوعي ؛ والتجرد للحق والأمانة عند البحث والتنقيب عنه ، والصدق عند الأخذ والعطاء شروط مبادئ وأخلاق لأولى النهى والمرجعية والتوجيه ، ، وانتقاء مباني الألفاظ ومدلولاتها القريبة والبعيدة ومراعاة نفسية متلقي الخطاب عند توجيهه شروط صحة للأسلوب.

أسلوب الخطاب الفج مردوده معلوم ، وكسب القلوب أهم من كسب المواقف ؛ كسب القلوب ديدن العقلاء بنظرهم البعيد وتفكيرهم العميق ؛ نتائجه – ولو على المدى البعيد – إيجابية ؛ إنه يدع مساحة للمراجعات والعودة إلى صواب قد يكمن وراءَ وهجِ المحاورات وهوس الانتصارات الفارغة التي تصحب النفس في مثل هذه المواقف بدون تروٍ وحرص على الحقيقة ؛ وطالما أثبت كسب القلوب أوبة نفوس كانت على النقيض ؛ آبت إلى الرشد بعد مراجعات نفسية حادية من القلب المأسور لمن حاوره بإحسان ، وترك له فرصة استعراض الصفحة التي تضمنت مفردات الحوار وحاكمها إلى حيثيات صحيحة أبانت وجه الحقيقة فأضحت كالشمس في رابعة النهار كان كسب المواقف سيخفيها إلى الأبد .

المعايير السليمة تقود إلى نتائج سليمة والعكس بالعكس ، واتكاء الساسة أيا كانوا على معايير مجانبة للصواب خطأ فادح في حقهم وحق الأمم التي يقودونها يسوق إلى انتحار جماعي يبدأ من التفكير وينتهي بانتحار كلي تعاني الأمم الآن في ميدان الصراع المبني على معايير فاسدة تتركز في كسب أهداف غير مشروعة تلتهم الأخضر واليابس وتخفي وراءها محنا للأمم لا يعلم مداها إلى الله تعالى ومذكو فتيلها يحسبونها هينة وهي عند الله عظيمة بل قد يحسبون ما يصنعون حسنا ؛

يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

وهم الأخسرون كما نبأنا الله بذلك في قوله تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)[1]

فقد تضمنت الآيات الكريمة عددا من المعايير تخص الأهداف والوسائل والأساليب والرسالة والمرسلين والمستقبلين إيجابية وسلبية للاعتبار بها أخذا وتركا ؛ وهذه المعايير وسواها مجملة ومفصلة في النصوص القرآنية والحديثة تدعو إلى إتقان الرسالة علما وإحاطة ورؤية متزنة لأبعادها قبل نشرها ؛ ابتداء من القراءة المتأنية[2] والبحث العميق ،[3] والإمساك عن نقل ما يسمع حتى يستبين ويتضح جدا [4] أو يضل طي الصمت والكتمان درءا للإشاعة المغرضة ، والكلمة الكاذبة ... وحفظا للنفوس والأعراض والأموال وكل الحقوق التي تتعلق بها الرسالة المسيئة ... وحب الخير للغير أيا كان صمام أمان لحفظ حقوق الجميع ...[5]

قاعدة العدل التي سجلت في القرآن ومارسها النبي محمد لا تفرق ؛ بل طالبت العدل للجميع في قول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)[6]

بل سُبقت الآية المتضمنة للقاعدة أسسا متينة تقرر الالتزام بها لتكون معينة على تطبيق القاعدة ؛ هي : ذكر الله تعالى ، بذكر نعمه ، وميثاقه على طاعته منهم ، وسياج التقوى قال تعالى وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) [7]

وتلت آية القاعدة آية تضم شرطين عظيمين لضمان التطبيق هما الإيمان والعمل الصالح ؛ وختمت هذه الآية بحداء قوي للنفس ؛هو المغفرة والأجر العظيم جزاء من الله لمن التزم بالتعاليم .

وخط أساليب للتواصل عظيمة منها السداد بما يحمل هذا الوصف من معنى ؛ ومن الآيات التي أوضحته قول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73)[8]

وجاءت آية الأمانة شاملة [9] يدخل فيها الأسلوب . ويعد النبي المتصفين بالإلف من خلال انتقاء الألفاظ وأسلوب التعامل الجيد بحبه حيث قال إن أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وأبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون للبرآء العنت ... [10]



هذا غيض من فيض في تقعيد المنهج الإسلامي للتعامل الكريم في تحري العدل والوعي ، وتأليف القلوب بالأساليب الراقية حتى مع من تكرهه النفس ؛ إنه منهج الله الخالد الشامل المبرأ من النقص ؛ هدفه إسعاد الجميع ؛ بعيدا عن العنصريات والمناطقيات والشعوبيات والإقليميات الضيقة ؛ الكل محط رسالته العظيمة في دستور نقي كامل حوى موجهات وأسس أطراف العملية الاتصالية الخيرة بأطرافها جميعا ، وأحاطها بسياج من الضوابط العاصمة من الانحراف بها عن مسارها عند ممارستها ، ولهذا فإن الممارسة الخاطئة من قبل البعض لا يحسب على المنهج المعصوم ، والذي يمثله تمثيلا حقيقيا هو المعصوم محمد ؛ ومن سار على النهج ، واقتفى سيرته .

صلى عليك الله يا علم الهدى ما غرد القمري شدوا يطرب

وحدت شملا للورى بعقيدة أصفى من الماء الزلال وأعذب

وبمنهج أنقى وأسمى منهجا قاد الورى نحو العلا والمأرب

خطيت دربا يا محمد سالكا يسع الجميع على الدوام مجرَب

يا من يروم على الدوام سعادة فليلزمن ّدرب الحبيب المحـبب







--------------------------------------------------------------------------------

[1] - سورة الكهف

[2] - من ذلك سورة اقرأ وكثير من الآيات والأحاديث التي تحث على القراءة الكافية حول الموضوع

[3] - الحث على البرهان في عدد من الآيات والأحاديث

[4] - كما في سورة الحجرات

[5] - نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه كما يحب لنفسه

[6] - سورة المائدة

[7] - سورة المائدة

[8] - سورة الأحزاب

[9] - رأي جمهور المفسرين أنظر تفسير القرطبي عند تفسير الآية

[10] - المعجم الكبير للطبراني 7/ 350 . رقم 7697 .