فضــل يــوم عرفـــة
التاسع من ذي الحجة
ليوم عرفة فضائل متعددة : منها أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة ، ففي الصحيحين عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا ! قَالَ : أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا قَالَ عُمَرُ : قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ [1].
ومنها أنه عيد لأهل الإسلام ؛ فقد روى أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ : " إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ " [2] .
ومنها أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف ، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةُ - - قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ : " مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ " [3] . وروى أبو يعلى وابن حبان عن جابر قال : قال رسول الله : " ما من أيام أفضل عند الله أفضل من أيام عشر ذي الحجة " فقال رجل : يا رسول الله هن أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله ؟ قال : " هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله ، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، فيقول : انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم ير يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة "[4].
وروى مالك عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ : " مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ " قِيلَ : وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ "[5].
ومنها أن صيامه يكفر ذنوب سنتين ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أنَّ رَسُولُ اللهِ قَالَ : " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ "[6].
هذا فضل من الله تعالى ونعمة ، فاحرصوا عليها أيها المسلمون ، وسلوا الله أن يلهمكم شكرها : فمن فضل الله تعالى أن جعل لغير الواقفين بعرفة عملا يبلغهم رضوان ربهم ومغفرة ذنوبهم ، فإن كان الذي وُفِق للذهاب للحج يرجع مغفورا له بإذن الله الكريم ، فهذا الذي لم يتمكن من الذهاب شُرِع له صيام يوم عرفة لينال به مغفرة ذنبه بإذن الله الكريم .
هذا فضل عظيم ، فإذا فاتك فكيف ومتى تغفر ذنوبك أيها العبد ؟!
ومن فضائله أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم ؛ فقـد روى أحمد وأهل السنن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى : " الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ " [7] . قَالَ وَكِيع - : هَذَا الْحَدِيثُ أُمُّ الْمَنَاسِكِ .ا.هـ .

[1] البخاري ( 45 ) ، ومسلم ( 3017 ) .

[2] أحمد : 4 / 152 ، وأبو داود ( 2419 ) ، والترمذي ( 773 ) وصححه ، والنسائي ( 3004 ) .

[3] مسلم ( 1348 ) .

[4] أبو يعلى ( 2090 ) ، و ابن حبان ( 3853 ) . قال الهيثمي في ( مجمع الزوائد : 3 / 253 ) : رواه أبو يعلى وفيه محمد بن مروان العقلي وثقه ابن معين وابن حبان وفيه بعض كلام وبقية رجاله رجال الصحيح .

[5] الموطأ : ، وعنه عبد الرزاق في المصنف ( 8832 ) وهو مرسل صحيح .

[6] مسلم ( 1162 ) .

[7] أحمد : 4 / 309 ، وأبو داود ( 1949 ) ، والترمذي ( 889 ) ، والنسائي (344) ، وابن ماجة ( 3015 ) .