قال تعالى" اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) طه
عندما كلف موسي بالذهاب الى فرعون في لقاء الطور المقدس " قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) الشعراء. وعندما استجاب الله له وأرسل معه أخاه هارون إذ بالاثنين يقولان " إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى "
والمتأمل في آيات القران التي تناولت قصة سيدنا موسي يجد أن الخوف قد ذكر في قصته أكثرمن غيره من الأنبياء والرسل وتأمل معي هذه الآيات :
*" وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) القصص
"* فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)" القصص
"* فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)" –القصص-
" فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)" القصص
"* وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) القصص.
"* وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) النمل
"* قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)" طه
"* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) طه.
*" فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)يونس.
فأنت ترى في هذه الآيات ذكر الخوف في قصة موسى كما لم يذكر في غيرها من قصص الأنبياء .
لقد ولد موسي في جو من الخوف وأصبح فؤاد أم موسي فارغا منفطرا لولا أن ربط الله على قلبها ثم نشأ موسي وترعرع في جو من الخوف ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها من الخوف وأصبح فيها خائفا يترقب وخرج منها أيضا خائفا يترقب ووصل ارض مدين خائفا حتى أمنه شيخها قائلا لا تخف نجوت من القوم الظالمين وعند اللقاء المقدس مع الله عندما تحولت العصا حية أدبر ولم يعقب من الخوف وبعد بعثته فما آمن معه إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم فما هي حكاية الخوف في حياة موسي ؟
أولا :- " انه طغي " " وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد " فأينما وجدت الفرعونية ووجد الطغيان وجد الخوف فلا تجيد دولة الطغيان زراعة شيء على أرضها سوى الخوف تغرسه في أرضها ويثمر في نفوس رعاياها ففي دولة " ما أريكم إلا ما أري " وما علمت لكم من اله غيري " يخاف الكل من الكل ويولد الأطفال في جو من الخوف ويتنفسون هواء الخوف وينشئون على الخوف حتى يتحول الخوف الى ثقافة فلا يشعر الخائفون أنهم خائفون فيظلوا يدافعون عمن يخوفهم وهكذا تدور عجلة الاستبداد في دائرة مغلقة .
ثانيا :-تنقطع هذه الدائرة عندما يشعر الخائفون انهم خائفون وأنهم بحاجة الى الأمن والحرية هنا يبدؤون في كسر جدار الخوف في نفوسهم أولا ثم يبدءون في كسره في نفوس الآخرين ومن هنا نفهم كيف عرض القران لمشاعر الخوف عند موسي منذ نشأته وحتى تكليفه بالرسالة ويعرض علينا أيضا كيف تكسرحاجز الخوف رويدا رويدا في حياة سيدنا موسي
لقد تكسر الخوف في حياة سيدنا موسي عبر محطات ثلاث
الأولى :-عندما وطئت أقدامه ارض مدين وقال له شيخها " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " ولبث في هذا الأمن سنين في ارض مدين قبل أن يعود الى قدره مع الرسالة .
الثانية :- وفي اللقاء المقدس تتحرك مشاعر الخوف عند رؤيته العصا فيقول له ربه انك من الآمنين " " إني لا يخاف لدي المرسلون "وعند تكليفه بالرسالة الى فرعون تتحرك هذه المشاعر أيضا عنده وعند أخيه فتنتهي كلها عند قول الله لهما " قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) القصص . هنا انتهت جميع مشاعر الخوف عند موسي وتكسر جداره في نفسه وسنري كيف سيتكلم مع الفرعون دون وجل ولا خوف ويقابل تهديده بتهديد ويقابل وعيده بوعيد .
الثالثة:- عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم أوجس موسي في نفسه خيفة
هذا الخوف يختلف عن الخوف القديم ولذلك عبر عنه القران اوجس في نفسه أي لم تظهر ملامحه على وجهه كان هاجسا في نفسه إذ هو خوف على الرسالة وخوف على الأتباع وخوف من تأخر النصر ومشاعر الخوف هذه ايجابية حدثت لجميع الأنبياء يقول الطاهر بن عاشور عند تفسيره لهذه الآية " وإنما خاف موسى من أن يظهر أمر السحرة فيساوي ما يظهر على يديه من انقلاب عصاه ثعبانا ، لأنه يكون قد ساواهم في عملهم ويكونون قد فاقوه بالكثرة ، أو خشي أن يكون الله أراد استدراج السحرة مدة ؛ فيملي لهم بظهور غلبهم عليه ومده لما تكون له العاقبة فخشي ذلك . وهذا مقام الخوف ، وهو مقام جليل مثله مقام النبي - - يوم بدر إذ قال اللهم إني اسألك نصرك ووعدك اللهم ان شئت لم تعبد في الارض .وسنعاود الحديث عن هذه النقطة عند الحديث عن ايمان السحرة وعند الحديث عن خروج موسي ببني إسرائيل