هذه مسألة خَصبة طويلة تتعلَّق بتشقيق المسائِل العلمية وتقسيمها ، لاستخراج الحُكم أو الخُلاصة ، أو الراجح فيها.
وبعض الناس يستعملها كجمع الرُّطب باليابس ، وجمع النائِم والناعِس ! . وهذا غلط لا تصح مُتابعته .


وقد ذكر لُبَّها العلاَّمة الأخضري (ت: 953هـ) تعالى ، في منظومته حين قال :
وفي دلالة المُقدِّماتِ … على النتيجة خِلاف ٌآتٍ
وهي في أصلها مسألة عقدية بحثها الُأصوليون في باب العِلة ، وقد تنازع فيها الأشاعرة والمعتزلة وأهلُ السنة ، وليس هذا محلُّ بسطها .


وسبب طرحها هنا لأهميتها ، ولمذاكرة إختلاف الأحناف وكثير من فقهاء المالكية والشافعية وغيرهم ، في جواز تفريع مسائل فقهية لم تقع ، لتفقيهِ الطلبة وتقعيد القواعد وتفريع الفوائد ، من باب الاستعداد للبلاء قبل وقوعه .


والمقصود بالتفريع : التقسيم والإيراد لمراتب المسألة . والمراد بالمسألة : الحادثة أو النازلة أو موضوع الفتوى . فتكون المسألة مرتبة من : مُقدِّمات ومراتب وعِلل وقوادح وأسباب ونتائج .
وقد وضحَّ أبو حنيفة (ت: 150هـ ) تعالى لقتادة (ت: 118هـ )رحمه الله تعالى ،لما دخل الكوفة وسأل عن رجل غاب عن أهله أعواماً فتزوجت امرأته ظناً منها أنه قد مات ، ثم رجع زوجها الأول ، ما تقول في صداقها ؟ ، فقال له قتادة : ويحك هل وقعت ؟ قال : لا، قال :لم تسألني عن شيء لم يقع ؟! فقال أبو حنيفة : إننا نستعد للبلاء قبل وقوعه. أهـ .
ومن نافة القول أن الأصل ذِكر الحكم للمسألة المسؤول عنها ، بلا تكلُّف أو تجزئة وتشقيق لمفرداتها .
والأصل في هذا حديث أنس قال : ” نُهينا أن نسأل رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عن شيٍء ، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل ، فيسألهُ ونحن نسمع ” متفق عليه .
أما التفريع الوهمي والمُتكلَّف فممنوعٌ في الجملة .
ومن تأمل القرآن الكريم يلحظ أن التفريع فيه يسير لا سِّيما في الأحكام والجزاء ومُتعلقاته ، وهذا من بلاغة القرآن وفصاحته .
والتفريع في السُّنة محدود أيضاً لا يَكاد يُذكر ، لأن البلاغة الإيجاز ، وهي من صفاته .
والأصل في هذا الباب عدم جواز التفريع لمن يخشى من تضيِّيعه للُّب المسألة ، أو التشويش ، أو الإلتباس ، أو الخطأ .
فعلماء الحديث لم يُعرف عنهم تفريع المسائل ، لأنهم اجتهدوا في متابعة دلالة النص الظاهرة في الجُملة . أما علماء الفقه والأصول ، فالأكثر فيهم هو التفريع لحاجة المسائل بحسب المتلقِّي والسامع ، وحجته وجدله وتعنُّته في الوقوف على الحق .
ومن تأمل فتاوى الرسول وجدها على هذا الأصل . كحديث السُّؤال عن ماء البحر فأجاب بقوله: ” هو الطهور ماؤه الحل ميتته ” ، وحديث السؤال عن الروح ، والسؤال عن ذي القرنين ، ونحوها .
وقد صنَّف فيها الحافظ ابن كثير تعالى بحثاً رَقَمه بعنوان : المسائل التي أجاب فيها رسول الله بما يُطابق الحق ، وقد أوردها في كتابه البداية والنهاية ،وهي عشر مسائل ، فلتراجع .
وكان السلف على هذه الجادَّة من الإختصار والإيجاز ، حتى اختلطت كتب الحق بالباطل ودلَّس الرواة في الأحكام والمرويات ، فتصدَّر لهم علماء الأصول بما يسمى بالتفريع والتشقيق والإستطراد ، كالإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى (ت: 728هـ) في فتاويه وأجوبته عند الردِّ على أهل المذاهب ومجادلة أهل الفِرق المنحرفة . وكغيره من علماء القرون المتتابعة .
أما الفقه فإنه نوعان : فقه واقعي وفقه إفتراضي . فالواقعي يتعامل مع الأحكام على الوجوه والكيفيات الحاضرة وتقسيم الأدلة على الأحوال المشاهدة بلا تكلُّف .
أما الفقه التقديري فهو الفقه الإفتراضي للمسائل المستقبلية التي لم تقع ، لكن وقع أشباهها أو ما يقاربها ، فَتُطرح الأحكام والوجوه على ما يمكن تخيُّله للسامع أو القارىء ، إما لتقوية مَلكته على فهم النوازل الآتية ، أو للقياس على حسب ما يظهر للفقيه ، أو لغيرها من الوجوه.
وبسبب هذه النظرة لموادِّ العلم ، ظهرت المدارس الفقهية كمدرسة الرأي ومدرسة أهل الحديث والأثر . فكلُّ من أتباع المدرستين اقتنع بمنهجه على المعطيات العلمية التي ظهرت له من خِلال الوقائع والنصوص ، ومن خلال إعمال العقل أو الورع عن الفتوى فيما لم يقع ، وكلاهما على خير وهدى من الله ، بشرط إحترام حدود الشرع وأحكامه .
وقد يكون التفريع أحياناً مناسباً لزيادة تأصيل مسألةٍ أو تحقيق فائدةٍ لم تتضح . كما يُورده بعض الفقهاء عند مسألة جواز مشي المُنتعل أحياناً حافياً .
فقد فرَّعوا عن هذه المسألة : وجوب تحرُّز الماشي عن النجاسة حتى لا يلُوُّث رِجله ، ولا تدخل الوسوسة إلى قلبه عند الصلاة في المسجد أو المُصلَّى .
والأُصوليون استعملوا التفريع للإقناع والجدل مع الخصم المُتعنِّت ، وللردِّ على أهل الإنحراف بقسميه العقدي والكلامي .
وقد قال العلامة الأخضري في السُّلم :
وحُجة نقلية عقلية .. أقسام هذي خمسةٌ جلية
خَطابة شعر وبرهان جدل .. وخامس سفسطةٌ نِلت الأمل .
ومعنى كلامه أن الحجة النقلية هي ما دلَّ عليه الدليل الشرعي . أما الحجة العقلية فهي خمسة على التفريع : البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة .
وأعظم أنواع الحجة : البرهان وهو خمسة أقسام : اليقينيات وهي ستة : الأوليات وهي البديهيات والمشاهدات والمُجرَّبات والمتواترات والمحسوسات والحدسيات .
فيتضح من هذا المثال وما سبق ، أن التفريع قد يكون ضرورياً مباحاً ، وقد يكون ضارَّاً بحسب الحال والمآل .
ومن أراد الإستزادة في هذا الباب فليُطالع الكتب المُطوَّلة في الأُصول والردِّ على أهل الأهواء والمِلل والنِّحل . وقد قيل قديماً على لسان ابن مالك (ت: 672هـ ) تعالى :
كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقم … واسمٌ وفعل ثُم حَرف الكَلِم
واحده كلمةٌ والقول عَمّ … وكلمةٌ بها كَلام قد يُؤم .
وعبارة ابن مالك الأخيرة في البيت الثاني ، فيها تنبيهٌ على أهمية المعاني القليلة ، والاستغناء ما أمكن عن الألفاظ الطويلة . وهو بهذا يختصر لنا زبدة هذا المقال ليغنينا عن المباحث الطِّوال.
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
حُكم تَفريع المسائِل | مدونة المتوقِّد