مرتكزات الأساس الأخلاقي في مخاطبة غير المؤمنين
في القرآن الكريم

كما أن القرآن الكريم قد سلك الأسلوب العلمي والعقلي في مخاطبة غير المؤمنين، فقد سلك أيضاً الأسلوب الأخلاقي في مخاطبتهم، ولن يجد المتأمل في آيات القرآن كبير صعوبة في التوصل إلى آداب الحوار الأخلاقي، والالتزام بالخلق الحسن في معاملة المخالفين لهو منظومة متكاملة مؤصلة في منهج الإسلام ورد الأمر بها، وامتداحها، والثناء على أهلها، إضافة إلى ترتيب الأجر الجزيل عليها، وهذا كله يدل المنصف على عظمة هذا الدين وسموه، وتفرده عن مناهج البشر.
وقد أوضح القرآن الكريم عدة أساليب أخلاقية في دعوته ومخاطبته غير المؤمنين، سنبينها على النحو التالي:
أولاً: خطاب الرفق واللين :-
لقد عنى القرآن الكريم بدعوة غير المؤمنين بالرفق واللين وعلى رأسهم ذوو المكانة والسيادة، والأشراف من الناس، وهم الملأ الذين أشار الله تعالى إليهم في غير ما موضع من كتابه الكريم.
وقد حث الله الأنبياء في دعوتهم لهذا الصنف على الرفق واللين والتلطف والتدرج في بيان الحق لهم، قال تعالى مخبرا عن موسى وهارون : ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ([1]).
فأمرهما الله بدعوة فرعون بكلام رقيق لين سهل، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ وأنجح ولما في ذلك من التأثير في الإجابة ذلك أن الكلام الذي فيه شدة وخشونة بادئ ذي بدء من أعظم أسباب النفرة، وعدم الاستجابة، والتصلب في الكفر لا سيما إذا كان المدعو من الكبراء الذين تغلب عليهم صفة الكبر والتجبّر .([2])
قال ابن كثير – -: «هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: فقولا له قولا لينا : يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟
وقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة... – وقيل غير ذلك - والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع»([3]).
إن نظرة فاحصة منصفة لما أمر به نبي الله وكليمه موسى عندما أرسل هو وأخوه هارون إلى أعتى أهل الأرض وأفجرهم وأكفرهم الذي عاث في الأرض فسادا، وقتل ذكور بني إسرائيل واستحيا نساءهم، وزعم أنه الإله، لتدلنا على قيمة هذا الأمر، وأهميته في التخاطب والبلاغ، فقد أمرهما الله أن يترفقا في مخاطبة هذا الجائر العاتي لعله أن يستجيب ويهتدي: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى. ولم يكن رد فرعون، ولا موقفه غائبا عن علم الله المحيط قبل أن يصل إليه موسى ويكلمه بالأسلوب الذي أمره الله به، ولكنه المنهج الحق الذي يؤسس للتبليغ والدعوة، بالنسبة لموسى ولغيره.
إن الذي خلق الخلق، وركب فيهم فطرهم وغرائزهم هو الذي شرع لهم هذا المنهج،
وهذا دليل على أنه المنهج الأحكم والأصلح للتعامل مع البشر عموما، والمخالف على وجه الخصوص، كما أن العقل السليم يدل على صحته وصلاحيته أيضا، ذلك أن النفوس البشرية بحاجة إلى من يسوسها بحكمة وروية حتى يستطيع التأثير فيها، وقيادتها إلى الهدى، ومن أحق بذلك من الدين الذي رضيه العليم الحكيم؟!([4])
ومن خطاب الرفيق واللين قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾([5]).
بالأخلاق الحسنة من لطف ولين كلام جاءت هذه الآية تدعو إلى الحق, وتحسنه بالأدلة العقلية والنقلية، وترد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة, وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل أن يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق.
فخاطب القرآن الكريم أهل الكتاب خطابا راقيا يدعوهم فيه إلى الحق، ذلك الخطاب القائم على مبدأ الحوار والإقناع بالحجة دون إكراه.
هذا وقد حثَّ القرآن الكريم على اعتماد الرفق خياراً مبدئياً في نهج الدعوة إلى الإسلام، واعتبره ركناً وأساساً مهماً يقوم عليه صرح الهدى الرسالي للفكر والعقيدة الصحيحة التي دعى إليها جميع الأنبياء والمرسلين، فخاطب نبيه ﷺ في غير موضع بالرفق واللين ، من ذلك قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ على اللهِ ﴾([6]).
أي أنّ لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين ، لأنك تأتيهم مع سماحة أخلاقك وكرم سجيتك بالحجج والبراهين.
فلولا هذا الرفق الذي اعتمده الرسول مع من أُرسل إليهم لما تمكن من استقطاب الناس حول رسالته، إذ إن الفضاضة والغلظة المناقضة للرفق واللين إذا ما اعتُمدت خياراً منهجياً في التبليغ والدعوة إلى الحق فإنَّ مردودها سيكون عكسياً، لا يثمر استقطاب الناس حول ذلك الحق وإن كان أبلجاً. بل على العكس من ذلك، سيعمل على التنفير وانفضاض الناس من ساحة ذلك القطب الهادي والمنار الواضح. فالناس في حاجة إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ودٍّ يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم .. في حاجة إلى قلبٍ كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ولا يعنّيهم بهمّه ، ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والودّ والرضا.([7])
نعم لقد أراد الله بفضله ورحمته أن يمنن على العالم برجل يمسح آلامه ويخفف أحزانه، ويستميت في هدايته ويناصر الضعيف، ويهذب القوي حتى يرده سويا سليم الفطرة لا يشقى ولا يطغى فأرسل محمدًا ﷺ وسكب في قلبه من العلم والحلم، وفي خلقه من الِإحسان والبر، وفي طبعه من اللين والرفق، وفي يده من الكرم والندى، ما جعله أزكى عباد الله قلبًا وأوسعهم عطفًا وأرحبهم صدرًا وألينهم عريكة.
ومن عظيم حلمه ﷺ عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم فيهلكهم الله ويدمرهم، ولكنه -ﷺ حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم أو إسلام ذريتهم، ولهذا قال ابن مسعود -- كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»([8]).
ومما يدل على أن الحلم ركن من أركان الحكمة ملازمة صفة الحلم للأنبياء قبل النبي ﷺ في دعوتهم إلى الله تعالى.
فهذا إبراهيم أبو الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، قد بلغ من الحلم مبلغا عظيما حتى وصفه الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾([9]).
من الآيات التي تحث على الرفق واللين، قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾([10]) . وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع . ([11])
أي ألِن لهم جانبك وأرفق بهم ، والعرب تقول : فلان خافض الجناح إذا كان وقوراً حليماً .. والمعنى : تواضع للمؤمنين لكي يتبعك الناس في دينك.
والتعبير عن تلك المعاني بخفض الجناح تعبير تصويري يمثّل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقّة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير.
وفي هذه الآية الكريمة تعبير آخر عن الرفق واللين واللطف واليسر، التي يحرص القرآن المجيد على أن يتخلق بها حملته ومبلّغوا تعاليمه، وقد خوطب بها الرسول الأكرم ﷺ وهو الذي يشهد له القرآن بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾.([12])
من ذلك يتضح أن القرآن الكريم قد خاطب غير المؤمنين بالرفق واللين، ودعاهم بالحكمة والرحمة، واعتبر التخلّق باللين ومجانبة الفظاظة والغلظة من أهم عوامل استقطاب الناس في درب الحق، وهذا من أهم الأساليب في دعوة غير المؤمنين إلى توحيد الله تعالى ومعرفة الحق .
ثانياً: خطاب التسامح والعفو :-
إن من أكرم مظاهر السماحة في الإسلام مع غير المؤمنين أن كتاب الله العزيز يأمر المسلمين بالصبر على أذاهم، والعفو عن بذاءاتهم، بل إن العفو يتجاوز حدود المعاملة مع أهل الكتاب إلى غيرهم من المشركين وجميع الطوائف المخالفة الإسلام. ومن توجيهات القرآن الكريم في هذه المجالات ما يأتي:
قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾([13]).
قال الطاهر بن عاشور: والعفو ترك عقوبة المذنب. والصفح- بفتح الصاد- مصدر صفح صفحا إذا أعرض لأن الإنسان إذا أعرض عن شيء ولاه من صفحة وجهه، وصفح وجهه أي جانبه وعرضه وهو مجاز في عدم مواجهته بذكر ذلك الذنب أي عدم لومه وتثريبه عليه وهو أبلغ من العفو كما نقل عن الراغب ولذلك عطف الأمر به على الأمر
بالعفو لأن الأمر بالعفو لا يستلزمه ولم يستغن باصفحوا لقصد التدريج في أمرهم بما قد يخالف ما تميل إليه أنفسهم من الانتقام تلطفا من الله مع المسلمين في حملهم على مكارم الأخلاق.([14])
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾([15]).
قال الطبري : وهذا أمر من الله عز ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ بالعفو عن هؤلاء القوم الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود. يقول الله جل وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه.([16])
وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم؛ ولهذا قال تعالى: إن الله يحب المحسنين يعني به: الصفح عمن أساء إليك.
فلا جرم أن العفو والتسامح وما يدور في فلكه من الصفح والنصح وحسن المعاملة من الأخلاق الاجتماعية التي دعى إليها الإسلام ورغب فيها القرآن.
والقرآن الكريم يدعو إلى العفو والصفح عند المقدرة، وأنَّ من يتسامح في حقه ويعفو، ويصفح عن المسيء إليه يكون نبيل الخلق، عظيمَ الشأن، متساميًا عن الدنايا؛ قال الله - -: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ ([17]) .
فالقرآن يجيز أخذ الحق بالمثل؛ فتعاقب المسيء بمثل ما آذاك به، ولكن المثل الأسمى الذي رغب فيه القرآن أن تُحسن إلى من أساء إليك، وتعفو عمن ظلمك.
قال جل شأنه: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾([18]) .
فالإسلام يجيز المعاملة بالمثل، ولكنه يشجع على العفو والمغفرة عند المقدرة، وهذا هو النبل وكرم الخلق، والعظمة الإنسانية، والتسامح في المعاملة، وليس ذلك من الضعف مطلقًا.
ومن أوضح ما جاء في القرآن الكريم من دعوة المسلمين إلى التسامح؛ أنه لم يمنع المسلمين من البر والإحسان لغير المسلمين ما داموا في سلم مع المسلمين؛ قال الحق -: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾([19]) .
وبهذه الآية يقيم الإسلام العلاقة بين المسلمين وغيرهم ممن لم يقاتلوا في الدين أو يخرجوا من ديارهم على البر والعدل، والإحسان والتسامح.
وبهذا يخاطب القرآن غير المؤمنين خطاباً غير مباشر عن طريق توجيه أتباعه بالتسامح معهم، بل يرتفع الإسلام بالمسلم إلى ذُرْوَة الإنسانية وأكرم آفاقها حين يأمره بأن يعمل على توفير الأمن للمشرك الخائف، وحمايته وإيصاله إلى بلده ومأمنه. وفي ذلك يقول : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾([20]).
إن هذا يعني أن القرآن حريص على كل قلب بشري أن يهتدي وأن يتوب وأن المشركين الذين يطلبون الجوار والأمان في دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان ذلك أنه في هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين لعل قلوبهم أن تتفتح وتتلقى وتستجيب .. وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب اللّه لهم على أهل دار الإسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم !
ولقد كانت قمة عالية تلك الإجارة والأمان لهم في دار الإسلام .. ولكن قمم الإسلام الصاعدة ما تزال تتراءى قمة وراء قمة .. وهذه منها .. هذه الحراسة للمشرك، عدو الإسلام والمسلمين ممن آذى المسلمين وفتنهم وعاداهم هذه السنين .. هذه الحراسة له حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار الإسلام! ([21])
لكن ينبغى أن نعلم أن هذا التسامح الذي يدعو إليه القرآن لا يدفع إليه ضعف، وإنما يدفع إليه سمو الخلق وحرص على استباق الخيرات، وترفع عن الدنايا.
وهذا صحيح في أن الدعوى إلى التسامح دعوة إلى الفضل لا شيء من الضعف فيها، وإنما هو السمو النفساني الذي لا تشوبه شائبة.
هذا التسامح الذي يدعو القرآن إليه عن فضل، إنما أساسه الإخاء الذي جعله الإسلام دعامة حضارية، والذي أراد به أن يكون إخاء بين الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها. والإخاء الإسلامي يتضافر فيه العدل والرحمة من غير ضعف ولا استكانة. وهو إخاء تساو في الحق والخير والفضل غير متأثر بالعاجل من المنافع، بل يؤثر الآخذون به على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والآخذون به يخشون الله ولا يخشون غيره.([22])
إنه منهج الهداية والرحمة والتسامح، الذي ينطلق من نظرة الإسلام إلى أن العقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لا بد فيها من الاقتناع والرضا، وأن الاختلاف في الدين لا يحول دون البر والصلة.
ثالثاً: المخاطبة بالصبر على الأذى :-
كما أن القرآن الكريم قد خاطب غير المؤمنين بالرفق واللين ودعى إلى التسامح والعفو عنهم على ما تقدم بيانه، وقد زخر القرآن الكريم ببيان أهمية الصبر بصورة مباشرة من خلال الثناء على الصبر، أو بصورةٍ غيرِ مباشرة من خلال ما قصَّه على النبيِّ ﷺ وعلى الناس من قصص الأنبياء والصالحين، وقد أمرنا - - بالتحلي به، ورغَّبنا فيه من خلال أمرِه لنبيِّه ﷺ به، إذ قال: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً ﴾([23]).
قال الطبري: يعني: صبرا لا جزع فيه. يقول له: اصبر على أذى هؤلاء المشركين لك، ولا يثنيك ما تلقى منهم من المكروه عن تبليغ ما أمرك ربك أن تبلغهم من الرسالة.([24])
وقيل : الصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله. وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو. والمعنى متقارب.([25])
لقد كانت أوامر الرب سبحانه لنبيه محمد ﷺ بالصبر كثيرة في القرآن وما ذاك إلا لأنها دعوة شاملة تواجه أمم الأرض كلها فخصومها كثيرون وحاجة إمام الدعوة إلى الصبر أعظم لقد واجه النبي ﷺ صنوف الأذى البدني والنفسي والمالي والاجتماعي والدعائي وغيره، وقاوم ذلك كله بالصبر الذي أمره به الله في عشرين موضعاً في القرآن كلها إبان العهد المكي لأنه عهد البلاء والفتنة والضعف وتسلط الكافر، وكان مما قاله الله له: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾([26]). فأمره بالصبر على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما يلقى من مشركي قومه، وأن يصبر كما صبر نوح .
قال ابن عطية: قوله: فاصبر إن العاقبة للمتقين، أي فاجتهد في التبليغ وجد في الرسالة واصبر على الشدائد واعلم أن العاقبة لك كما كانت لنوح في هذه القصة.([27])
ومن الآيات التي أمرت النبي ﷺ بالصبر على أذى المشركين قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾([28]).
يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ اصبر على ما أصابك من أذى في الله، وما صبرك إن صبرت إلا بمعونة الله، وتوفيقه إياك لذلك، ولا تحزن على هؤلاء المشركين الذين يكذّبونك وينكرون ما جئتهم به، وأعرضوا عما أتيتهم به من النصيحة، فلا يضق صدرك بما يقولون من الجهل، ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنه سحر أو شعر أو كهانة، مما يمكرون، أي: مما يحتالون بالخدع في الصّد عن سبيل الله من أراد الإيمان بك، والتصديق بما أنزل الله إليك. قال ابن كثير: وقوله: واصبر وما صبرك إلا بالله تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك إنما ينال بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته. ([29])
وأيضاً قول الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾([30]).
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾([31]) ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾([32]).
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾([33]). وقوله: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾([34]). وقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾([35]).
كان هذا هو خطاب القرآن لنبيه ﷺ أن أمره بالصبر على أذى المشركين مما ينجم عن
كفرهم وردهم القبيح لصاحب الدعوة، واتهامهم إياه بالتهم الشنيعة، كل ذلك يأمره ربه بالصبر على أذاهم وجحودهم، ورفضهم دعوة الإيمان قائلاً له : ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ﴾([36]). فالحياة وإن بدت طويلة إلا أنها قصيرة، ساعة من نهار، وإن من الأَوْلى قضاءَها بالصبر والاحتساب، وبرجاء أن يؤمنَ أولئك الكافرون؛ ولهذا فإن النبي ﷺ في رحلته إلى الطائف عندما أخبره مَلَك الجبال: أن الله تعالى أمره أن يأتمرَ بأمر رسوله ﷺ وأن يُطبِق الأخشبينِ على الكافرين إن شاء، قال ﷺ «بل أرجو أن يُخرجَ اللهُ مِن أصلابهم مَن يعبد اللهَ لا يشرك به شيئًا»([37]).
وعندما حاصر الطائفَ بعد معركة حُنَين، ثم رفع الحصار عنها ورحل؛ طلب منه أصحابُهُ أن يدعوَ على أهلها، ولكنه بدلاً من ذلك دعا لهم بالهداية، وهذا ما كان؛ إذ سرعان ما جاءته قبائلها تبايعه على الإسلام.
إن هذه الآيات وغيرها كانت بلسمًا للمسلمين الأوائل، وعُدَّة لصبرهم على العذاب الشديد الذي صبَّه الكافرون عليهم، ولأنهم بشر فلربما توعَّدوا آنئذٍ أو في الوقائع اللاحقة أن ينتقموا بأشد مما فعَله الكافرون بهم، ولكن الله أرشدهم إلى ألا يتجاوزوا حدودَ ما أُصيبوا به إذا ما ثأروا لأنفسهم؛ فقال في كتابه الكريم: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾([38]).
فإن كان الثأر هو الخيارَ، فلا بد أن يكون مكافئًا لمقدار الإصابة، لا أن يزيد عليها، وقد ذُكر أولاً؛ لأنه الحق والفطرة العامة التي يكون عليها الإنسان، غير أن الله سبحانه رقَّى عباده المؤمنين إلى درجة أعلى بقوله: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾، ففي هذا تغذيةٌ لرُوح العفو والصفح في نفس الإنسان المسلم من جهة، وتنويهٌ بما للصفح من نتائجَ باهرة في الدعوة والبناء الاجتماعي من جهة أخرى؛ ولهذا فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾([39]).
ومع اشتداد الإيذاء الذي صبّتْه قريش بكلّ صنوفه عليه ﷺ وعلى أصحابه، كانت آيات الصبر تتابع، إمّا في صورة أمْر، أو في عرض قصص الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم، تسلية للرسول ﷺ وتثبيتاً لقلبه، واطمئناناً لنفسه؛ فلا تُضعف مواقفُ قومه ولا يوهن عنتُهم وحقدُهم مِن عزيمته، أو تتوالى الآيات في بيان حُسن ثواب الصابرين.
إن خطاب القرآن الكريم للنبي ﷺ والمؤمنين أن حثهم بالصبر على أذى المشركين، والالتزام بمكارم الأخلاق، كان له أثره على نفوس غير المؤمنين مما دفع الكثير منهم لاعتناق الإسلام .
رابعاً: خطاب الصفح عن الآخرين:-
إن من بين الأخلاق الكريمة التي جاء بها القرآن الكريم خلق الصفح.
والصفح هو ترك المؤاخذة، وتصفية القلب ظاهراً وباطناً، ولقد دعا الله إلى الصفح ووصفه بالجميل، فقال : ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾([40]).
والصفح الجميل: هو العفو الذي ليس معه عقاب ولا عتاب .
قال الشيخ ناصر السعدي: هو الصفح الذي لا أذية فيه بل يقابل إساءة المسيء بالإحسان، وذنبه بالغفران، لتنال من ربك جزيل الأجر والثواب، فإن كل ما هو آت فهو قريب، وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت هنا.
وهو: أن المأمور به هو الصفح الجميل أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة.([41])
وقد جاء الأمر بالصفح في عدة مواضع من القرآن الكريم مقروناً بالعفو في بعضها، وقد أمر الله نبيه محمداً ﷺ بالصفح عن مناوئيه.
قال تعالى:﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾([42]).
قال الطبري: هذا أمر من الله عز ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ بالعفو عن هؤلاء القوم الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود. يقول الله جل وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه.([43])
فقد أمر الله نبيه ﷺ بالعفو والصفح والإحسان تهييج لغريزة العرفان بالجميل عندهم، فيستل ذلك الصفح والإحسان الحقد من قلوبهم، فيفتحون آذانهم وقلوبهم لكلمة الحق .
وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾([44]).
أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيتهم القولية والفعلية، واعف عنهم، ولا يبدر منك لهم إلا السلام الذي يقابل به أولو الألباب والبصائر الجاهلين، كما قال تعالى عن عباده الصالحين: وإذا خاطبهم الجاهلون أي: خطابا بمقتضى جهلهم قالوا سلاما فامتثل ﷺ، لأمر ربه، وتلقى ما يصدر إليه من قومه وغيرهم من الأذى، بالعفو والصفح، ولم يقابلهم عليه إلا بالإحسان إليهم والخطاب الجميل.
فصلوات الله وسلامه على من خصه الله بالخلق العظيم، الذي فضل به أهل الأرض والسماء، وارتفع به أعلى من كواكب الجوزاء.([45])
وقد تمثل النبي ﷺ بهذا الخلق الكريم أيما تمثل؛ بل كان ﷺ موصوفاً بالصفح والتجاوز؛ كما روى الإمام أحمد وغيره وأصله في الصحيح أن عائشة لمّا سُئِلَت عن خلُق رسولِ الله ﷺ فقالت: «لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَلَا سَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ، لَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ»([46]).
وكان من صفحه الكريم ما فعله يوم فتح مكة كما روى البيهقي في سننه: أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ – أي كفار مكة -: «مَا تَرَوْنَ أَنِّى صَانِعٌ بِكُمْ؟». قَالُوا: خَيْرًا. أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»([47]).
ومن ذلك أيضاً ما رواه البخاري ومسلم، وغيرهما عن جابر ، قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لرسول الله ﷺ فجاء رَجُلٌ مِنَ المُشْركينَ وَسَيفُ رَسُول الله ﷺ معَلَّقٌ بالشَّجَرَةِ فَاخْتَرطَهُ، فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ: «لاَ» فَقَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «الله» وَلَمْ يُعاقِبْهُ وَجَلَسَ.
وفي رواية، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللهُ». قَالَ: فَسَقَطَ السيفُ مِنْ يَدهِ، فَأخَذَ رسولُ الله ﷺ السَّيْفَ، فَقَالَ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مني؟». فَقَالَ: كُنْ خَيرَ آخِذٍ. فَقَالَ: «تَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله وَأَنِّي رَسُول الله؟» قَالَ: لاَ، وَلَكنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لا أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَومٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبيلَهُ، فَأَتَى أصْحَابَهُ، فَقَالَ: جئتُكُمْ مِنْ عنْد خَيْرِ النَّاسِ.([48])
إنّ العفو والتجاوز لا يقتضِي الذّلَّةَ والضعف، بل إنه قمَّة الشجاعة والامتنانِ وغلَبَة الهوى، لاسيَّما إذا كان العفوُ عند المقدِرَة.
فهذا خلق الصفح الذي أمر به القرآن الكريم؛ وتلك نماذج من صفح النبي ﷺ التي كانت سبباً في دخول كثير من الناس في دين الله تعالى وقبولهم للحق.


([1]) سورة طه: الآية ( 43 - 44 ).

([2]) التدرج في دعوة النبي ﷺ ص110، تأليف/إبراهيم بن عبد الله المطلق، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف بالسعودية، الطبعة: الأولى، 1417هـ .

([3]) تفسير ابن كثير ( 5/294 – 295 ).

([4]) انظر: بحوث ندوة أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو ص122، تأليف/ مجموعة من العلماء، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف - بالسعودية، الطبعة: الثانية، 1425هـ.

([5]) سورة آل عمران: الآية ( 64 ).

([6]) سورة آل عمران: الآية ( 159 ).

([7]) انظر: الرفق في المنظور الإسلامي ص14، تأليف/أبو زلفى الخزاعي، الناشر: مركز الرسالة للطباعة والنشر.

([8]) أخرجه البخاري في صحيحه ( 4/175 ) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: الغار ، برقم ( 3477 )، ومسلم في صحيحه ( 3/1417 ) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد، برقم ( 1792 ).

([9]) سورة التوبة: الآية ( 114 ).

([10]) سورة الحجر: الآية ( 88 ).

([11]) مفاتيح الغيب ( 19/162 )، تأليف /أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة - 1420 هـ .

([12]) انظر: الرفق في المنظور الإسلامي ص16.

([13]) سورة البقرة: الآية ( 109 ).

([14]) التحرير والتنوير ( 1/671 ) .

([15]) سورة المائدة: الآية ( 13 ).

([16]) تفسير الطبري ( 10/134 ).

([17]) سورة فصلت: الآية ( 34 - 35 ).

([18]) سورة الشورى: الآية ( 40 ).

([19]) سورة الممتحنة: الآية ( 8 - 9 ).

([20]) سورة التوبة: الآية ( 6 ).

([21]) انظر: الإنسان بين الدينونة لله والدينونة لغيره ص150، لعلي بن نايف الشحود، الطبعة: الأولى، 1431 هـ - 2010 م.

([22]) انظر: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن ص205، تأليف/إبراهيم خليل أحمد، الناشر: دار المنار، 1409 هـ - 1989 م.

([23]) سورة المعارج : الآية ( 5 ).

([24]) تفسير الطبري ( 23/603 ).

([25]) تفسير القرطبي ( 18/284 ).

([26]) سورة هود : الآية ( 49 ).

([27]) المحرر الوجيز ( 3/179 )، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى - 1422 هـ .

([28]) سورة النحل: الآية ( 127 ).

([29]) تفسير ابن كثير ( 4/615 ).

([30]) سورة الأنعام: الآية ( 33 - 34 ).

([31]) سورة الأحقاف: الآية ( 35 ).

([32]) سورة طه: الآية ( 130 ).

([33]) سورة الروم: الآية ( 60 ).

([34]) سورة القلم: الآية ( 48 ).

([35]) سورة المزمل: الآية ( 10 ).

([36]) سورة الأحقاف: الآية ( 35 ).

([37]) صحيح البخاري ( 4/115) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم : آمين، برقم ( 3231 )، وصحيح مسلم ( 3/1420 ) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقى النبي ﷺ من أذى المشركين، برقم ( 1795 ) .

([38]) سورة النحل: الآية ( 126 - 127 ).

([39]) سورة فصلت: الآية ( 34 - 35 ).

([40]) سورة الحجر: الآية ( 85 ).

([41]) تفسير السعدي ص434 .

([42]) سورة المائدة: الآية ( 13 ).

([43]) تفسير الطبري ( 10/134).

([44]) سورة الزخرف: الآية ( 89 ).

([45]) تفسير السعدي ص770 .

([46]) أخرجه أحمد في مسنده ( 42/256 ) مسند عائشة رضى الله عنها، برقم ( 25417 ) وصححه الأرنؤوط.

([47]) أخرجه البيهقي في السنن الكبري ( 9/199) برقم ( 18276 ) للإمام/أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، تحقيق/ محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت ، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م.

([48]) صحيح البخاري ( 4/39) كتاب: الجهاد والسير، باب: من علق سيفه بالشجرة، برقم ( 2910 )، وصحيح مسلم ( 1/576 ) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف، برقم ( 843 ) .