علاقة الأساس العقلي بالأخلاقي في القرآن
إن للأساس العقلي أثراً وعلاقة كبيرة بالأساس الأخلاقي، فالعقل البشري له تأثيراً فاعلاً ومهمًّا في حياة الإنسان الأخلاقية، وفي اختيار السلوك الأخلاقي في الحياة الاجتماعية الإسلامية، في كيفية التعامل مع الناس وتنظيم العَلاقات معهم؛ لذلك كان من وظائف العقل التمييز بين الحسن والقبيح، والنافع والضار، فيقترب من الحسن والنافع، ويبتعد عن القبيح والضار، يقول ابن تيمية: « أخص صفات العقل عند الإنسان أن يعلم الإنسان
ما ينفعه ويفعله ويعلم ما يضره ويتركه »([1]).
ويؤكِّد ابن تيمية على أن أثر العقل في إدراك الحسن والقبيح نابعٌ من القوة الفطرية لدى الإنسان، يقول: «الناس إذا قالوا: العدل حسن، والظلم قبيح، فهم يَعْنُون بهذا أن العدل محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذةٌ وفرحٌ، نافع لصاحبِه ولغير صاحبه يحصل به اللذة والفرح وما تتنعَّم به النفوس» ([2]).
وهذه القوة الفطرية نابعةٌ من تكوين النفس الإنسانية الأولى؛ حيث خلقها الله وعَرَّفها الخير والشر ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾([3]). وهداها أيضًا إلى طريقي الفضيلة والرذيلة، ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾([4]).
وهكذا فإن الناس بفطرتهم يميلون إلى الصفات الخيِّرة؛ مثل العدل والخير والجمال، كما ينفِرون بفطرتهم من الاتجاهات الخلقية الشاذة والمنحرفة؛ إذ يشعرون بغرابتها عن فطرتهم، وهذا الميل أو النفور يعزِّزه إدراك العقل الصريح التام لدوافع الميل، ودواعيه من خير أو سرور أو لذة أو غير ذلك.
ومن هذا يتَّضِح أن أثر الفطرة يكمله إدراك العقل، وأنه ليس بينهما تنافر بأي حال من الأحوال.([5])
ولذا فإن الإنسان إذا كان تام العقل، علم أن العلم والعدل والصدق ينفعه، وتصلح به نفسه، وتلتذ، وأن الكذب والظلم يضره، ويفسد نفسه ويؤلمها.([6])
والعلاقة بين الأساس العقلي والأساس الأخلاقي يصورها القرآن الكريم حين يتحدث عن موقف أصحاب النار حين يقولون: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾([7])، وحين يتحدث عن موقف المنافقين حين تتوزعهم الأهواء وتباعد
بينهم الغايات، بقوله: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾([8]).
* الأساس الخلقي ومصدره: - يرد في هذا المقام سؤالان:
• هل بقيت الفطرة نقية خالصة حتى يكون تأثيرها فاعلاً في المجال الخلقي؟
• وهل خَلُص العقل من المؤثرات الخارجية غير الخلقية حتى يقرِّر ما هو خير؟
والواقع يثبت أنهما انحرفا عن طريقهما، ومن هنا كانت الحاجة إلى التوجيه الإلهي من خلال الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ولذا نستطيع أن نقول: إن مصدر الأساس الخلقي هو قوة الإيمان المعتمدة على العقل الخالص، والفطرة المستقيمة، مع الاحتكام إلى نور الشرع.([9])
يقول ابن تيمية: «فإن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها، ومبنى السمع على تصديق الأنبياء - صلوات الله عليهم».([10])
وكل من الفطرة السليمة والشريعة يكمل بعضها بعضًا للوصول إلى العمل الأخلاقي الصالح.
يقول ابن تيمية: «وذلك الأمر والنهي والوعد والوعيد في الشرع هو تكميل للفطرة، وكل منهما عون على الآخر، فالشريعة تكميل للفطرة الطبيعية، والفطرة الطبيعية مبدأ وعون على الإيمان بالشرع والعمل به، والسعيد مَن دان بالدِّين الذي يصلحه، فيكون من أهل العمل الصالح في الآخرة، والشقي مَن لم يتبع الدِّين ويعمل العمل الذي جاءت به الشريعة»([11]).
وهكذا نتوصل إلى أن مصدر الأساس الأخلاقي يقوم على أسس ثلاثة:
1 - الفطرة .
2 - العقل .
3 - الشرع الذي يعطي الحكم النهائي على العمل الأخلاقي.
* الأساس العقلي دافع للسلوك الأخلاقي:
مر معنا أن من معاني العقل أنه علم يحصل بالغريزة، وأيضًا: العمل بهذا العلم، فإذا لم يعمل بهذا العلم فلا يُعَد عاقلاً، وهكذا فإن العقل هو الذي يدفع إلى العمل الصالح، وعدم العمل بما يقتضيه العقل يعد من الجهل الذي يُودِي بصاحبه إلى الشقاء، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾([12])، ويقول القرآن عن المنافقين: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾([13])؛ فالعقل إذًا هذه القوة الباطنة في الإنسان، فهو الذي يوجه الإنسان إلى الخير والعمل الصالح، ويبعده عن الشر والرذيلة، وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم حينما صوَّر حال الكافرين: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾([14]) .
وهذه الآية تبيِّن قاعدة مهمة لدوافع السلوك الأخلاقي لدى الإنسان، هذه القاعدة المستندة على العقل المستنير بهدى الشرع، وهكذا فإنَّ العقل قوَّة دافعة نحو السلوك الخلقي، ولا يسمى عاقلاً إلا مَن عرَف الخير فطلبه، والشر فتركه.
وهكذا نجد أن القوة العقلية المفطورة في الإنسان، يمكن أن تغلب القوى الأخرى المفطورة فيه أيضًا؛ مثل قوة الشهوة وقوة الغضب، وبهذه الغلبة يسمو الإنسان حتى يصبح خيرًا من الملائكة.
يقول ابن تيمية : « قوى الإنسان ثلاث: قوة العقل، وقوة الغضب، وقوة الشهوة...، فأعلاها القوة العقلية التي يختص بها الإنسان دون سائر الدوابِّ، وتشركه فيها الملائكة، كما قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا وغيره: خُلق للملائكة عقول بلا شهوة، وخُلق للبهائم شهوة بلا عقل، وخُلق للإنسان عقل وشهوة، فمَن غلَب عقلُه شهوتَه، فهو خير من الملائكة، ومن غلَبت شهوتُه عقلَه، فالبهائم خيرٌ منه»([15]).
ويبيِّن ابن تيمية - - أن لهذه القوى رذائل وفضائل، رذائل ينحطُّ بها الإنسان حتى يصل إلى درجة البهيمة، وفضائل يسمو بها حتى يصلَ إلى درجةٍ أفضل من الملائكة.
ومن رذائل هذه القوى:
• الكفر الذي هو اعتداءٌ وفساد في القوَّة العقلية الإنسانية.
• وقتل النفس الذي هو اعتداء وفساد في القوة الغضبية.
• والزنا الذي هو اعتداء وفساد في القوة الشهوية. ([16])
أما فضائل هذه القوى، فهي:
• فضيلة العقل والعلم والإيمان، التي هي كمال القوة المنطقية.
• وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية، وكمال الشجاعة هو الحِلم.
• وفضيلة العفَّة التي هي كمال القوة الشهوية.
• وفضيلة العدالة التي هي صفة منتظمة للثلاث المذكورة آنفًا([17]).
ولكن هل كل ما نراه خيرًا هو خير، وما نراه شرًّا هو شر بحسب عقولنا؟ ألا يحتاج الإنسان إلى ضابط للعقل يهديه إلى الحسن والقبح، والخير والشر؟
هنا يأتي دور الوحي، الذي يوجه العقل إلى الطريق المستقيم، والله بوَحْيه يهدِي العقل لكل ما هو خير وما هو شر؛ لأنه هو خالقه، وهو العليم به ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾([18]).
وعلمُ الإنسان محدود، وإدراكه محدود، وحواسُّه محدودة، أما الغيب، فلا يعلمه إلا الله، وما قد يتصوَّره أنه خير قد يحوي في باطنه الشر، وما يتصوَّر أنه شر، قد يكون الخير فيه، قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾([19]).
وهناك شواهد عديدة من الآيات القرآنية، حول علاقة العقل والمعرفة بالفضائل الأخلاقيّة، وكذلك علاقة الجهل بالرذائل الأخلاقيّة، ونشير هنا بشكل مختصرٌ إلى عشرة
نماذج منها:
1 - الجهل مصدرٌ للفساد والإنحراف :
قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾([20]).
فقرن هنا الجهل، بالإنحراف الجنسي والفساد الأخلاقي.
2 - الجهل سبب للإنفلات والتّحلل الجنسي :
ورد في من سورة يوسف على لسان يوسف ، في أنّ الجهل قرينٌ للتحلل الجنسي، فقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمّا يَدْعُونَني إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾([21]).
3 - الجهل أحد عوامل الحسد :
ورد أيضًا من سورة يوسف ، أنّه عندما جلس يوسف على عرش مصر، وتحدّث مع إخوانه الذين جاءوا من كنعان إلى مصر، لاستلام الحنطة منه، فقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.([22])
أي أنّ جهلكم هو السبب في وقوعكم في أسر الحسد، الذي دفعكم إلى تعذيبه، والسّعي لقتله، والقائه في البئر.
4 - الجهل مصدر التّعصب والعناد واللؤم :
في سورة الفتح، نرى أنّ تعصّب مشركي العرب في الجاهلية، كان بسبب جهلهم وضلالهم: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾([23]).
5 - علاقة الجهل بالذرائع :
تاريخ الأنبياء مليءٌ بمظاهر التبرير، وخلق الذّرائع من قبل الأقوام السّالفة، في مواجهة أنبيائهم، وقد أشار القرآن الكريم مراراً إلى هذه الظاهرة، ومرًّة أُخرى يشير إلى علاقة الجهل بها، فنقرأ في سورة البقرة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.([24])
فالتأكيد هنا على أنّ عدم العلم والجهل، هو الذي يتولى خلق الأرضيّة للتذرع، وتبيّن الآية الكريمة، العلاقة الوثيقة بين هذا الإنحراف الأخلاقي مع الجهل، وكما أثبتته التجارب أيضاً.
6 - علاقة سوء الظنّ مع الجهل :
ورد في سورة آل عمران، الكلام عن مُقاتلي اُحد: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾([25]).
ولا شك في أنّ سوء الظّن، هو من المفاسد الأخلاقيّة، ومصدر لكثير من الرذائل الفردية والاجتماعية في حركة الواقع والحياة، وهذه الآية تبيّن علاقة الظّن بالجهل بصورة واضحة.
7 - الجهل مصدر لسوء الأدب :
ورد في سورة الحجرات، إشارةً للّذين لا يحترمون مقام النبوة، وقال إنّهم قوم لا يعقلون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.([26])
فقد كانوا يزاحمون الرّسول الأكرم ﷺ، في أوقات الرّاحة، وفي بيوت أزواجه، ويُنادونه بأعلى أصواتهم قائلين: يا مُحَمِّد! يا مُحَمِّد! اُخرُجُ إلَينا.
فكان الرّسول ﷺ ينزعج كثيراً من سوء أدبهم وقلّة حيائهم، ولكن حياؤه يمنعه من البوح لهم، وبقي كذلك يتعامل معهم من موقع الحياء، حتى نزلت الآية، ونبّهتهم لضرورة التأدّب أمام الرسول ﷺ، وشرحت لهم كيف يتعاملون معه ﷺ، من موقع الأدب والاحترام.
وفي تعبير: «أكثرهم لا يعقلون»، إشارة لطيفة للسّبب الكامن وراء سوء تعاملهم،
وقلّة أدبهم وجسارتهم، وهو في الغالب عبارةٌ عن هُبوط المستوى العلمي، والوعي الثقافي لدى الأفراد.
8 - أصحاب النّار لا يفقهون :
لا شك أنّ أصحاب النّار هم أصحاب الرذائل، والملوّثين بألوان القبائح، وقد نوّه إليهم القرآن الكريم، وعرّفهم بالجُهّال، وعدم التّفقه، ويتّضح منه العلاقة بين الجهل وارتكاب القبائح، فنقرأ في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالاِْنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالاَْنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾.([27])
فقد بيّنت هذه الآية وآيات كثيرةٌ أخرى، العلاقة الوطيدة بين الجهل، وبين أعمال السوء وارتكاب الرذائل.
9 - الصبر من معطيات العلم :
وفي الآية (65) من سورة الأنفال، تنبّه المسلمين على أنّ الصّبر الذي يقوم على أساس الإيمان والمعرفة، بإمكانه أن يمنح المسلمين قوّة للوقوف بوجه الكفّار، الذين يفوقون المسلمين عدداً وعدّةً، تقول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.([28])
نعم فإنّ جهل الكافرين، هو السبب في عدم استطاعتهم في الصّمود بوجه المؤمنين، وفي مقابل ذلك فإنّ وعي المؤمنين هو السّبب في صمودهم، بحيث يُعادل كلّ واحد منهم عشرة أنفار من جيش الكفّار.
10 - النّفاق والفرقة ينشآن من الجهل :
أشار القرآن الكريم في سورة الحشر إلى يهود بني النضير، الذين عجزوا عن مُقاومة المسلمين، لأنّهم كانوا مُختلفين ومُتفرقين، رغم أنّ ظاهرهم يحكي الوحدة والاتفاق، فقال: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ﴾([29]).
وبناءً على ذلك فإنّ النّفاق والفرقة والتشتت، وغيرها من الرذائل الأخلاقيّة، الناشئة من جهلهم وعدم إطّلاعهم على حقائق الأمور.
تبيّن ممّا سبق علاقة الأساس العقلي بالسلوك والأساس الأخلاقي من جهة، وعلاقة الرذيلة بالجهل من جهة أُخرى، وقد ثبت لنا بالتجربة ومن خلال المشاهدة، أنّ أشخاصاً كانوا منحرفين بسبب جهلهم، وكانوا يرتكبون القبيح ويمارسون الرّذيلة في السّابق، ولكنّهم استقاموا بعد أن وقفوا على خطئهم، وتنبّهوا إلى جهلهم، وأقلعوا عن فعل القبائح والرذائل، وقلّلوها إلى أدنى حدٍّ.
والدّليل المنطقي لهذا الأمر واضح جدّاً، وذلك لأنّ حركة الإنسان نحو التّحلي بالصّفات والكمالات الإلهيّة، يحتاج إلى دافع وقصد، وأفضل الدّوافع هو العلم بفوائد الأعمال الصّالحة ومضار القبائح، وكذلك الإطّلاع والتعرّف على المبدأ والمعاد، وسلوكيات الأنبياء والأولياء ومذاهبهم الأخلاقية، فكلّ ذلك بإمكانه أن يكون عاملاً مساعداً، يسوق الإنسان للصّلاح والفلاح، والابتعاد عن الفساد والباطل في حركة الحياة والواقع.
وبالطّبع المراد من العلم هنا، ليس هو الفنون والعلوم الماديّة، لأنّه يوجد الكثير من العلماء في دائرة العلوم الدنيويّة، ولكنّهم فاسدين ومفسدين ويتحركون في خط الباطل والانحراف، ولكن المقصود هو العلم والاطّلاع على القيم الإنسانية، والتعاليم والمعارف الإلهيّة العالية، التي تصعد بالإنسان في مدارج الكمال المعنوي والأخلاقي، في مسيرته المعنوية.


([1]) الرد على المنطقيين ص429، للإمام/ أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، الناشر: دار المعرفة، بيروت.

([2]) المصدر السابق ص430 .

([3]) سورة الشمس: الآية ( 7 - 8 ).

([4]) سورة البلد: الآية ( 8- 10 ).

([5]) انظر: النظرية الخلقية عند ابن تيمية ص68، للدكتور/محمد عبد الله عفيفي، الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 1408 هـ- 1988م.

([6]) الرد على المنطقيين ص430 .

([7]) سورة الملك: الآية (10 ).

([8]) سورة الحشر: الآية ( 14 ).

([9]) النظرية الخلقية عند ابن تيمية ص81 .

([10]) مجموع الفتاوى ( 9/226 ) لابن تيمية، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.

([11]) جامع المسائل لابن تيمية ( 5/199 )، جمع وتحقيق /محمد عزير شمس، الناشر : دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، الطبعة : الأولى ، 1422 هـ .

([12]) سورة الملك: الآية (10 ).

([13]) سورة الحشر: الآية ( 14 ).

([14]) سورة الطور: الآية ( 32 ).

([15]) مجموع الفتاوى ( 15/428 - 429 ) لابن تيمية.

([16]) المصدر السابق ( 15/430 ).

([17]) المصدر السابق.

([18]) سورة الملك: الآية ( 14 ).

([19]) سورة البقرة: الآية ( 216 ).

([20]) سورة النمل: الآية ( 55 ).

([21]) سورة يوسف: الآية ( 33 ).

([22]) سورة يوسف: الآية ( 89 ).

([23]) سورة الفتح: الآية ( 26 ).

([24]) سورة البقرة: الآية ( 118 ).

([25]) سورة آل عمران: الآية ( 154 ).

([26]) سورة الحجرات: الآية ( 4 ).

([27]) سورة الأعراف: الآية ( 179 ).

([28]) سورة الأنفال: الآية ( 65 ).

([29]) سورة الحشر: الآية ( 14 ).