بسم الله الرحمن الرحيم
فوائد علمية وتربوية من
دورة شرح "الركيزة في أصول التفسير"
لفضيلة الدكتور محمد الخضيري حفظه الله
وقد كان الشرح ضمن الدورة العلمية في مسجد الملك سعود بجدة (20)
من (الأحد 12/ 10 إلى الخميس 16/ 10/ 1437هـ)


1.قال النبي --: "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه"وهذا يشمل من يتعلَّم ألفاظه ومعانيه ومن يعلَّم ألفاظه ومعانيه، فالذي يتعلَّم التفسير وأصوله داخلٌ في هذا الحديث بلا شك؛ لأنه من تعلُّم كلام الله، بل تعلُّم المعنى أولى من تعلم اللفظ، لأنه بالمعنى تفهم الدين، وباللفظ قد يفوت على الإنسان ذلك، ولكنه يفوته شيء مفضول بالنسبة لتعلُّم المعنى، وإن كان الاثنان رديفين لا يستغني أحدهما عن الآخر.


2.أصول التفسير هي باب من أبواب علوم القرآن، وقد كانت تدرس على هذا الأساس زمنًا طويلًا حتى جاء العصر الحاضر فرُئِي أن أصول التفسير ينبغي أن تكون مادة مستقلة؛ لكثرة ما دخل فيها من المسائل والقواعد والمهمات التي يُحتاج إليها؛ ففُصلت من علوم القرآن، كما فُصل التجويد من علوم القرآن، وكما فُصل علم القراءات من علوم القرآن، هذه كلها من علوم القرآن، لكنها أصبحت علومًا مستقلة.


3.في عام 1433هـ طلب مني الإخوة في دورة الشيخ عبد الله بن جبرين في الرياض أن أكتب لهم شيئًا في أصول التفسير، فاستعنت بالله عزّ وجلّ وكتبت هذه المقدمة، التي تعتبر متنًا في أصول التفسير؛ لأن الكتب المؤلفة في أصول التفسير كثيرٌ منها كتب مطولة وكبيرة، وفيها تفريعات وأمور يصعب أن تؤخَذ في دورة قصيرة، فاستعنت بالله عزّ وجلّ وكتبت هذه ملخصةً من كتب أولئك القوم؛ فلهم الفضل بعد الله أوّلًا وآخرًا.


4.العلماء -- يضعون مقدّمات مهمة تعرّف بالعلم قبل الدخول فيه، ومعرفة مسائله، هذه المقدمة تعطيك إلماحة عامة عن هذا العلم.


5.من أمثل المؤلفات في أصول التفسير مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي مقدمة نفيسة تأصيلية عظيمة القدر، وقد شرحها الشيخ الدكتور مساعد الطيار في مجلد، وشرحها كثيرون في أشرطة صوتية، ويحسن بالطالب أن يتعلّمها؛ لأنها تفيده في علم التفسير وفي غيره، وهذه المقدمة هي سبب كون تفسير ابن كثير بلغ هذه المنزلة العالية من بين كتب التفسير، لأن ابن كثير أول من طبّق القواعد التي أصّلها شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المقدمة، بل إنّه لخّص هذه المقدمة في مقدمته (مقدمة تفسير ابن كثير)، ولم ينسبها لشيخ الإسلام؛ من أجل تلك الحملة التي قامت ضدّ شيخ الإسلام في وقته، فهو لخّصها في بداية تفسيره ثم بنى تفسيره كله عليها، ولأجل ذلك حظي هذا التفسير بهذه المنزلة العالية، فلا نعلم تفسيرًا طُبع وحُقِّق وخُدم واختُصر مثل تفسير ابن كثير .


6.أفضل طبعة لتفسير ابن كثير هي طبعة أولاد الشيخ كما ذكر ذلك شيخنا عبد الكريم الخضير حفظه الله، ومن أفضل طبعات ابن كثير أيضًا: طبعة ابن الجوزي، وطبعة دار طيبة بتحقيق سامي سلامة، وطبعة دار عالم الكتب أيضًا جيدة، وأظنها مأخوذة من طبعة أولاد الشيخ.


7.أحيانًا يُعرف غريب القرآن بالمقابلة، كما في قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (الرعد: 8) معنى (تغيض) تنقص، بدلالة (تزداد)، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (الرعد: 9-10) (سارب) مقابل (مستخف).


8.تفسير "أضواء البيان" للشنقيطي، ليس في تفسير القرآن كلِّه، وإنما تميز في أمرين : الأول- أنه جاء إلى الآيات التي فُسّرت بالقرآن، وجمعها، وقد اجتهد في ذلك اجتهادًا بالغًا، الثاني- توقَّفَ عند آيات الأحكام، لذلك تجد سورة البقرة في مجلد لطيف، وتفسير سورة الحج في مجلد بدين جدًا، يصل ثمانمائة صفحة، والسبب أن آيات الحج تكلم فيها عن أحكام الحج، فاستوعب .


9.الشنقيطي -- استفاد فائدة كبرى من جهد ابن كثير في تفسير القرآن بالقرآن، وزاد عليه، فكلّ ما في ابن كثير من تفسير القرآن بالقرآن قد أخذه الشنقيطي ، ثم زاد ما فتح الله عليه به.


10.القرآن له عادات، يعني أشياء يعرفها العلماء من الاستعمال القرآني، مثال: إذا قيل: "المشركين" فإنه يُراد به مشركو العرب، هذه عادة من عادات القرآن، لكن لا يراد به اليهود والنصارى، مع أن اليهود والنصارى كانوا في عهد النبي مشركين، لكن لم يطلِق عليهم القرآن هذا الاسم، وإن كان وَصَفَهم بالشرك، فمثلًا في سورة البينة قال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (البينة: 1)، فالعطف يقتضي التغاير، معنى ذلك أن المشركين غير أهل الكتاب، مع أن أهل الكتاب قد وقعوا في الشرك، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (المائدة: 72)، ومن عادات القرآن: أنه إذا ذكر ضميرًا ولم يذكر عائدًا فالغالب أنه للقرآن، مثال: في سورة القدر: إنا أنزلناه في ليلة القدر، ما تقدمها شيء، ولم يقل القرآن، لكونه معروفًا، وفي آخر سورة مريم قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ أي القرآن بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (مريم: 96-97)
وعادات القرآن غالبًا أغلبية، لكن المقصود أن الواحد إذا تعرّف عليها سهل عليه حمل الآية على معنى معين، مثلًا، إذا قيل: (بنو إسرائيل) فالمقصود به هذه الأمة المعروفة، وإذا قيل: (موسى) فالمقصود به موسى بن عمران وليس شخصًا آخر، وكتب عن عادات القرآن الطاهر ابن عاشور في مقدمة التحرير والتنوير، وأظن أنّ أحدَ الباحثين المعاصرين أفردها ببحث، وتستحق أن تُجمع عادات القرآن وتُحرّر، بأن يُعرف ما كان فعلًا من عاداته، وما ليس كذلك.


11.ذكر الآية مع ذكر تفسيرها من مصادر موثوقة هذا يُعتبر من تبليغ الدين، والنبي -- قال: "بلّغوا عنّي ولو آية"، وتبليغ الآية يراد به: تبليغها لفظًا، وتبليغها معنى، وهو من الأعمال الجليلة التي ينبغي أن ينتدب لها طلاب العلم؛ لأنّ الناس حاجتهم إلى بيان معاني القرآن أشد من حاجتهم إلى أي شيء آخر، مع أن الناس استهانوا بهذا مع الأسف، ولما علم الشيطان أنّ الناس سيتوجهون للقرآن صرفهم عن معانيه إلى ألفاظه، فاشتغلوا بالحفظ والتجويد، وهذا لا شك أنه خير وعظيم ومهم، ولا أحد ينازع فيه، لكن الاقتصار عليه هذا من مكائد الشيطان، فنقول لكل من تخصّص في القرآن الكريم من المحفّظين والمجوّدين: يا إخواننا، أنتم في نصف الطريق، لا يقطعكم الشيطان عن بقيته، وهو أن تعرفوا المعنى؛ حتى يبدأ العمل والتذكّر والاتعاظ والاعتبار.


12.جهاد خاصة الناس جهاد الذين يجاهدون في بيان معاني القرآن والسنّة، قال تعالى : (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) وقال --: "يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين".


13.هذه المرويات في التفسير هي في الحقيقة غالبًا نسخ أو كتب نُقلت إلى هؤلاء الأئمة بإسناد واحد، فالطبري كلما ذكر جملة من هذه النسخة أعاد الإسناد الأول، ولأجل ذلك جاءت هذه الأسانيد كثيرة جدًا في تفسير الطبري، تجد الإسناد يتكرر خمسمائة أو سبعمائة مرة، هي في النهاية نسخة رويت عن عكرمة أو مجاهد بإسناد واحد، فالطبري كلما ذكر جزءًا من هذه الرواية أو من هذه النسخة أعاد الإسناد معه، فكثرت الأسانيد في تفسير الطبري، وأما الثعلبي ماذا فعل؟ قال في مقدمته ما مضمونه: "وقد نُقل إلينا تفسير مجاهد من طريق فلان عن فلان عن فلان" يعني كل ما سأذكره عن مجاهد في هذا التفسير فهو بهذا الإسناد، فاختصر بهذا.
المقصود أن هناك طريقتين:
الطريقة الأولى: أن يذكر الإسناد مع كل جزء من الرواية، كما فعل الطبري.
الطريقة الثانية: أن يذكر الإسناد في المقدمة ثم يكتفى بذلك، كما فعل الثعلبي.


14.الأصل في أحاديث فضائل السور والآيات كثرة الضعيف حتى تتأكد من صحته.


15.الغالب على أسباب النزول أن أسانيدها ليست ثابتة بل كثير منها يُذكر من غير إسناد، لكن نحن لا نشدِّد في أسباب النزول، لأنها إذا لم تثبت استفدنا منها في بيان معنى الآية، لكن إذا لم تثبت لا نجعلها حكمًا على معنى الآية.


16.الواحدي له ثلاث كتب في التفسير: الوجيز، وهو مختصر جيد جيدًا يحسن بالإنسان أن يقتنيه، والبسيط، وهو واسع جدًا، واعتنى فيه بالقراءات واللغة، والوسيط اعتنى فيه بالآثار، لكنه كان حاطب ليلكشيخه الثعلبي في المرويات وخصوصا الوسيط ، ينقل ما حصل له من دون تمييز، فتجد جزءًا من المرويات التي يذكرها موضوعة، وليست صحيحة وثابتة.

17.من تأمل تفسير الصحابة وجد أن عندهم من حسن الفهم ما ليس عند غيرهم ممن جاء بعدهم، وهذا لا يظهر إلا بالتأمّل في كلامهم، ومن أحسن من رأيته يتأمل في كلامهم ويحلّله ابن القيم ، إذا تحدّث في التفسير ونقل تفسير الصحابة أو التابعين أبدع في تحليل تفسيرهم، وبين أن فلانًا ما قال كذا إلا لكذا.


18.الصحيح في حديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أنه موقوف على أبي سعيد ، وليس مرفوعًا إلى النبي ، لكن وقفه على أبي سعيد له حكم الرفع، لأنه لا مجال للرأي فيه.


19.الاستنباط بابه مفتوح، ولذلك ما جاء مما يسمى بالإعجاز العلمي إذا كان من قبيل الاستنباط لا مانع منه مع استيفاء الشروط الأخرى، لكن إذا جاء على أنه تفسير للآية وبيان لمعناها، هنا نقول: توقّف، حتى ننظر هل هو مخالف لتفسير الصحابة والتابعين أو ليس كذلك؟


20.باب التدبّر لكتاب الله، والاستنباط منه، والاستدلال به مفتوح، لكن إياك أن تحمل معنى الآية على غير ما ذكره الصحابة والتابعون، مثال: ومن شرّ غاسقٍ إذا وقب (الفلق: 3) الغاسق قيل: هو الليل، وقيل: هو القمر، ولا خلاف بين القولين؛ لأن القمر آية الليل، هذا هو الوارد عن الصحابة، لو جاء واحد وقال: الغاسق هذا شيء موجود في الأفق، يكون في الأيام الفلانية بطريقة معينة، اسمه غاسق، وجدنا في كتب اللغة ما يدلّ على أن اسمه غاسق، نقول: ما يُقبل؛ لأن الصحابة فسروا هذا بهذه الطريقة، وهم أعلم بكتاب الله منا، لكن لو جاء أحد وقال: انظر كيف قال: (ومن شرّ غاسق) ولم يقل: ومن شر الليل إذا وقب، وإنما ذكر (الغاسق) لأن دلالته كذا ومعناه كذا، فلا إشكال، بهذا نعرف الفرق بين موضوع التفسير الذي هو بيان المعنى، وبين موضوع الاستنباط والتدبر والاستدلال وذكر ما توحي به الآيات، هذا أمره واسع.


21.قال في المذكرة: (والعلم بالمكثر منهم يفيد في الترجيح) إذا جاءنا قول في التفسير لابن عباس، وقول آخر لأبي هريرة ، النفس تميل للقول الذي فيه ابن عباس؛ لأنه من المكثرين في باب التفسير، وهذا أمر ليس توقيفيًا، بل هو أمر يدلّ عليه العقل، الآن في الفقه لو عُرف أن العالم الفلاني مهتم بباب العبادات تجد أنك تميل إلى الأخذ بقوله، وإذا عُرف أن العالم الفلاني مهتم بباب المعاملات تجد أنك تميل إلى الأخذ بقوله، بل تجد بعض العلماء متخصّصًا في باب واحد من أبواب العبادات، كأن يكون له بحث مشهور في الصلاة أو الزكاة أو الحج، وهو متبحر في هذا واختص به، تجد أنك تُقبل عليه وتتلقى ما عنده بالقبول أكثر من غيره ممن قد يكون أعلم منه، انظروا مثلًا إلى عطاء بن أبي رباح كان قوله في المناسك يُرجع إليه، حتى إن الصحابة كانوا يحيلون إليه، لأن عطاء اعتنى بالمناسك عناية عظيمة، جمع فيها المرويات، وكان من أهل مكة، وبقي سنين طويلة يفتي في الحج، فجعل لقوله مكانة عند أهل العلم، ولذلك إذا جاء كتاب الحج تجدهم دائمًا يذكرون رأي عطاء في المناسك، لأنه تميز في هذا الباب.


22.كان ابن عباس ملازمًا ملازمةً شديدة لعمر ، وكان عمر يعتني به عناية فائقة، وهذا يعتبر دليلًا للعناية بالنخب، فعمر لما تفرّس في ابن عباس أنه متميز ومتفرد اعتنى به، فكان يسأل عنه ويدخله مع أشياخ الصحابة وكبارهم، بل مع أشياخ بدر، وإذا سافر يكون معه، ويعتني به لعلمه بأن هذا سينقل العلم، وسيبقى ذخرًا للأمة.


23.من أسباب تسامح العلماء في أسانيد التفسير عن الصحابة والتابعين أنّ الأصل المعنى وهو معروف من اللغة والسياق ونحوهما، لو نظرت للآيات لوجدت أن غالب الآيات تُفهم من حيث المعنى اللغوي وسياق الآيات، فإذا جاء كلام الصحابي مؤكّدًا لهذا صار هذا مثل السند الذي نستند عليه فيما أدّى إليه فهمنا، مثال: إذا قرأت: إذا جاء نصر الله والفتح (النصر: 1) يفهمها كل إنسان يسمع، أنه متى جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبح يا محمد بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا، لكن مع ذلك أريد أن أطمئن: ما معنى الفتح؟ هل هو بمعنى النصر فقط؟ أو هو فتح خيبر؟ قال ابن عباس: فتح مكة، هنا ازددت نورًا بكلام ابن عباس، فلما كان الأصل موجودا صار مجيء كلام الصحابي والتابعي هو تتميم وزيادة في الإسناد والاعتضاد، ولذلك لا ينبغي لنا أن نشدِّد في صحة أسانيد التفسير عن الصحابة، لكن لو جاءنا مثلًا وقال: الفتح هو الحج، هذا لا نعرفه في اللغة، أن يأتي الفتح بمعنى الحج، هنا نتثبت من المروي، أين جاء، وننظر في الإسناد.
وبهذا نعرف خطأ أولئك الذين يريدون معاملة مرويات التفسير والسيرة النبوية معاملة الأحاديث النبوية، وهذا منهج ظهر في الأمة منذ أربعين أو خمسين سنة -ولم يكن معروفًا- على يد بعض العلماء المعاصرين بحسن نية منهم، من باب تجريد الدين من كل زيادة، ولكن صار هناك نوع من الغلو في هذا الأمر، مثال: لو قلت لكم: كان الشيخ ابن باز يقوم من الليل ساعة يصلي فيها لله، يقرأ فيها جزءًا، أنا ما أظن واحدًا منكم يقول: من حدّثك بهذا؟ لأن مثل هذا متوقع، لكن لو قلت: كان الشيخ ابن باز يقوم من بعد صلاة العشاء إلى أذان الفجر كل ليلة، ستقولون لي: من أخبرك بهذا؟ من أين لك هذا؟ لا نعرف هذا عن الشيخ ابن باز، وثانيًا هذا ظاهره ليس سديدًا، إلا أن يكون في ليالي العشر أو غير ذلك، فأنتم ما شددتم في الرواية الأولى، وفي الثانية قلتم: من حدثك بهذا؟ مما يدل على أنه فعلًا في الأسانيد ينبغي لنا أن نشدِّد فيها عندما يحدث هناك ريبة أو أمر منكر أو مخالفة للشرع أو للغة، فهنا يكون التشديد مطلوبا.


24.الجادّة في كل مجال يكتنفها طريقان: طريق غالية متشددة، وطريق جافية مميعة، لا تبالي بشيء ولا تعتني بضبط الأمر، هذا موجود في كل أمر، في العبادات، في العقائد، في المعاملات، في الأحوال الشخصية، في الأخلاق، في كل شيء، هناك طريقان موازيان للجادّة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن، كيف تعرف هذه الجادّة؟ بسؤال أهل العلم، بقراءة النصوص كلها، وجمعها، ومعرفة ما كان عليه السلف الصالح، مهم جدا لنا هذا، لكن إذا أخذنا ما عليه فلان من العلماء فقط، ممكن أحيانًا نجد أنفسنا قد ذهبنا ذات اليمين أو ذات اليسار وانحرفنا عن الجادّة بقدر ما.


25.وإن ذهب السلف الصالح وهم الأئمة الكبار، فإن الله لا يخلي كلّ عصر من قائم لله بالحجّة، إذا سمعت رأيًا لأحد العلماء في مسألة، ورأيت الناس يختلفون فيه قبولًا وردًا انظر ما عليه عامة أهل العلم من أهل السنّة، ولا تجعل رأي هذا العالم حكمًا على جميع هؤلاء، ونحن من تجربة العمر، ونحن في شبابنا كنا نميل إلى الذي يتشدّد ونرى أنه أقرب للحق وأحظى بالصواب من غيره، ولكن بعد ما ظهر هذا البياض في عوارضنا عرفنا أن الجادة أقرب إلى جمهور أهل العلم وإلى ما عليه العامة منهم، ممن شُهد لهم بالرسوخ في العلم، والسَّعة في الأفق، والوسطية في الأحوال كلها، ولذلك أصبحنا ما نتبع أي كلمة وإن كان العالم الذي قال ما قال عالمًا معروفًا بالتحرير والتحقيق والتدقيق، لكن هذا لا يعني أنه أصاب في كل ما يقول، انتهبوا لهذا يا إخواني، نصيحة أقولها من واقع تجربة مررت بها، هناك مسائل من العلم كثيرة، في العبادات والمعاملات، أحيانا نرى من أنفسنا أننا نجنح إلى الذي يشدّد، وأنا ننرى أنه أحظى بالحق من غيره، لا، ليس بالتشديد ولا بالتخفيف، ولكنها جادة ولله الحمد قد جعل الله عليها علائم كثيرة، من هذه العلائم أن ترى سلف الأمة وعلماءها المتقدمين والمتأخرين على خلافها، فتعلم أن هذه الجادة قد جانبت الصواب، مثل من يقول لك: الدراسة في المدارس حرام، لأن هذه المدارس أصلًا بدع، ولأنها من إحداث الغربيين، ما رأيك؟ لما تسمع هذا الكلام يصيبك شيء، طيب ماذا يقول علماؤنا جميعًا في مثل هذه الأمور، لا تجد أحدًا من العلماء المشار إليهم بالبنان يقول مثل هذا القول، فتعلم أن هذا القول لا حظ له من النظر.


26.سئل -حفظه الله- ما هو الأفضل للمبتدئ في دراسة التفسير: حفظ معاني كلمات القرآن أم دراسة كتب التفسير الميسرة؟
أنا أرى ما يراه شيخنا الشيخ ابن عثيمين ، أرى أن الطالب يبدأ مع نفسه بهذه الطريقة: تقرأ الآيات ثم تحاول أن تفهمها بنفسك، لكي تدرّب عقلك على تفهّم الآيات، ثم تقرأ معاني الكلمات، لأنه يمكن أن يكون الحائل بينك وبين فهم الآية هو معنى الكلمة، ثم أي تفسير من التفاسير الميسرة المعتمدة التي صدرت عن جهات موثوقة، مثل: التفسير الميسر أو المختصر في التفسير، ونحوها، بهذه الطريقة تصل بإذن الله إلى التفسير الصحيح من غير عناء، ثم تتدرج بعد ذلك في كتب التفسير، كتفسير السعدي ، ثم مختصرات تفسير ابن كثير، ثم ابن كثير وغيره من المفسرين.


27.قد يأتي إنسان بمعنى صحيح، ولكن أخذه من الآية غير صحيح، مثال: قول الله عزّ وجلّ: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة: 79) استدل به بعضهم على أنه يجب التطهر عند مسّ القرآن، فنقول: الكلام في الآية ليس على القرآن، الكلام في الآية عن اللوح المحفوظ، ثم إن الله قال: المطهرون، ولم يقل: المتطهرون، والمقصود بالمطهّرين الملائكة، فالاستدلال بهذه الآية على حرمة مسّ القرآن للمحدث غير صحيحة من هذه الزاوية، لكن يمكن تكون صحيحة من زاوية أخرى، وهي أن في الآية إشارة إلى أن اللوح المحفوظ الذي فيه القرآن الكريم جعل الله من يمسه في غاية الطهارة هذا يشير إلى أنه من يمس القرآن ينبغي أن يكون متطهرًا، لكن لا يدل هذا على الوجوب، إذًا من أين جئنا بالوجوب: من حديث عمرو بن حزم: "وألا يمسّ القرآن إلا طاهر"، (القرآن) المقصود به في الحديث هذا الكتاب الذي بين أيدينا، و(طاهر) معناها متطهر.


28.في تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد يُنظر إلى: صحة القول في نفسه، وصحة دلالة الآية عليه.


29.ليس كلّ ما صحّ في اللغة صحّ به التفسير، بل التفسير له قواعده وأصوله التي يجب أن يُراعى فيها، مثلًا: نراعي أسباب النزول، السياق، كلام الصحابة والتابعين، مقاصد الشريعة ومعناها، الحلال والحرام، إلى آخره، لهذا من أسباب الضلال في التفسير أن يفسر القرآن بمجرد الجواز اللغوي، مثال: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29) تجد بعض الكتّاب، يقول: والإسلام دين الحرية، جاء بحرية الأديان، فليس في الإسلام أي إلزام! كيف ما في الإسلام إلزام والله تعالى يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (آل عمران: 85)؟! ويستدل بهذه الآية: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (الكافرون: 6)، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ نقول: لو كنت تفهم كلام العرب حقًا، وتعرف كيف يُفسَّر القرآن حقا ما قلت هذا الكلام، هذه عنده العرب صيغة تهديد، مثل ما يقول الطفل للطفل: اضربني! يهدّده، الطفل من أبناء العرب يفهم، والخصم يفهم هذا الكلام، وهؤلاء مع الأسف لا كلام عرب ولا عجم، ولا دين ولا مروءة، ولا حتى احترام لمبادئ العلم، كل هذه سقطت منهم مع الأسف، وأسوأ منهم مع الأسف من ينشر لهم.


30.في قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (الأنفال: 11) ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن معنى ويثبت به الأقدام أي يثبتكم في الحرب، فهل هذا التفسير سائغ أو لا؟
ويثبّت به الأقدام محتملة لمعنيين: الأول: يثبتكم في الحرب، والثاني: ثبات الأقدام حقيقة على الأرض، فنقول: فالمعنى الثاني لزامًا، لماذا؟
·لأن المعنى الأول قد جاء فيما قبلها (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ الربط على القلوب هو الثبات، إذًا ويثبت به الأقدام لا بد أن يكون لها معنى جديد، إذ أن من قواعد التفسير أنّ التأسيس أولى من التأكيد.
·ولأنه جاء في الروايات أن نزول الماء كان سببًا في تثبيت أقدام أصحاب النبي ، نزل مطر من السماء، فنزل على المشركين كثيرًا فخاضوا في الوحل، ونزل على المسلمين فلبّد لهم الأرض.
إذًا تفسير معمر في أصل اللغة صحيح، لكن هذا المعنى غير مراد في هذا الموطن، لأجل الرواية، ولأجل الآية.


31.أبشروا، طلاب العلم من المجاهدين بنصّ القرآن، ما الدليل؟ قوله تعالى: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (التوبة: 122) فجعل المؤمنين طائفتين: طائفة تنفر للجهاد، وطائفة تنفر للتفقه، أو تبقى للتفقه، على اختلاف بين المفسرين في هذا، فلما جعلهما طائفتين متساويتين في الواجب، دلّ ذلك على أن منزلتهما واحدة، بل هم أعلى من المجاهدين؛ لأن حفظ الدين بالعلم أعظم من حفظ الدين بالجهاد، لأن الدين أصلا يبدأ بالعلم، والمجاهد ينشر العلم، ويبين للناس العلم، فهو فقط وسيلة لوصول العلم، ولذلك جهاد العلم أولى، ولذلك سمّاه الله تعالى في القرآن الجهاد الكبير، قال: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدهُمْ بِهِ أي بالقرآن جهادًا كبيرًا (الفرقان: 52) فأنتم أهل الجهاد الكبير.


32.أحيانًا يُروى قول شاذ عن أحد من السلف، ولكن العلماء يطّرحونه ولا يعتدون به؛ لنكارته وشذوذه وخروجه عن جادة التفسير، أو جادة الشريعة عامة، وتسمى هذه الأقوال شاذة، مثل: من قال: إن شحم الخنزير حلال، بدليل أن الله لما ذكر الخنزير ذكر لحمه ولم يذكر شحمه، هذا قول ضعيف، فلو جاء إنسان وقال: في المسألة قولان، قلنا: لا، ليس فيها قولان، ليس فيها إلا قول واحد، وهذا القول الذي قيل شاذ، خارج عن الجادة، ما اُعتد به ولا اُلتفت إليه، ولا تبعه أحد من العلماء، وهذه مسألة مهمة، وهي شواذ الأقوال هذه قيلت في أزمان، لكنها طُرحت ولم يُتبع عليها أصحابها، وقد يكونون من الخيار ومن الكبار، لكن ترد من العالم كلمة، ويقول بها، وبعد ذلك العلماء يطرحونها ويطوونها ولا يروونها ولا يتبعون هذا العالم عليها، لكن يُبقون العالم في مكانته اللائقة به، ولا يُنقصون من قدره، وهذه الكلمة يطوونها ولا يروونها، أو يذكرونها على سبيل التحذير منها، ولا يعدونها من العلم، وقل أن تجد عالما إلا وتجد له شذوذًا، مثال: كان ابن عمر يغسل جوف عينيه في الطهارة، وهذا لم يتبعه الناس عليه، لأن هذا فيه مشقة، مثال آخر: أحد الصحابة كان لا يرى بأكل البرَد بأسًا بالصائم، هذا القول شاذ، لا أحد يقول به، وكثير من هذا، تجد كل عالم عنده واحدة أو اثنتان، لكن العلماء يطرحونها، وتجد الإجماع يقوم من دونها، ولا تذكر في مخالفة الإجماع، واليوم يأتي من يحيي هذه الشذوذات، ويحاول أن يحرك بها المياه الراكدة في المجتمعات الإسلامية، ويلبس على الناس دينهم، ولا يدري أن العلماء قد حكموا عليها بالشذوذ منذ زمن بعيد، ولا يذكرونها إلا على سبيل التحذير منها.


33.قال في المذكرة: "من فوائد الإجماع إظهار حجم الأمور التي اتفقت فيها الأمة، بحيث لا يستطيع أحد تحريف كتاب ربّ العالمين وإفساد دين المسلمين، وبسببه تأتلف القلوب" هذه مسألة مهمة جدًا، تجعلنا نعيد الثقة بالإجماع ونعتني به، نحن بحمد الله بسبب الإجماع بقي ديننا محفوظًا، لم يختلف الناس في أصوله كما اختلف أهل الملل الأخرى في أصول دينهم، النصارى الآن مختلفون في ماذا؟ خلافاتهم في الأصول العظمى للدين، في أمر التوحيد والشرك وعيسى، وهل هو بشر أو إله أو ابن الإله، نحن بحمد الله ليس عندنا هذا الأمر موجودًا، فكلنا مجمعون على أن الله ربنا، وأنه واحد، مجمعون على أن نبينا محمد، وعلى أنه عبد الله ورسوله، وعلى أنه بشر، وعلى أن الرسل جميعهم من البشر، وليس فيهم أحد إله، مجمعون على أن الله افترض علينا الشهادتين، مجمعون على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، مجمعون في الجملة على وجوب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله والنصح، ومجمعون على تحريم الربا والزنا واللواط، نختلف في تفاصيل داخل كل واحدة من هذه، لكن الأصل نحن مجمعون عليه، تذهب للحرم، تجد المسلمين كلهم يصلون خلف إمام واحد، تجد واحدا يفعل كذا، والآخر كذا، والثالث يضع يده تحت السرة، والرابع يسدل، لكن كلهم يصلون، وكلهم يصلون الظهر أربع ركعات، يكبرون تكبيرة الإحرام ويسلمون مع الإمام، كلهم يسجدون، كلهم يركعون، ويرفعون من الركوع، ويجلسون بين السجدتين، يختلفون في ماذا يقولون في الركوع والسجود، وهل هذه واجب أو سنة أو ركن، لكن هل من المسلمين من يصوم صفر وآخرون يصومون رمضان؟ لا، لكن يختلفون هل نبدأ بالرؤية أو بالحساب، هل الحساب معتبر أو لا؟ مع إجماعهم على أن رمضان يجب صيامه دون سائر الأشهر، هذه رحمة من الله، لذلك أنا أقول لكم شيئًا أودّ أن تساهموا فيه جميعًا: يحرص العلمانيون والليبراليون على إظهار مسألة أن العلماء مختلفون في كل شيء، وأن الدين كله اختلافات، ويغفلوننا عن هذا الجانب، وأنه العكس، نحن عندنا جوانب اتفاق هائلة، وأن الخلاف الذي بينا هو خلاف مغتفر، الشريعة سمحت فيه، والله لن يحاسبنا عليه، والشخص منّا إما أن يكون له أجر أو أجران، إن أصاب الحق فله أجران وإن لم يصب الحق واجتهد في طلبه فله أجر واحد، كلّ هذه الأقوال على اختلافها وإن ظهر بينها تباين أنت فيها بين أجر وأجرين، ولست فيها بين أجر وعدم أجر، أو بين أجر وإثم.
الآن من المأمومين من يقرأ الفاتحة في الجهرية خلف الإمام ومنهم من لا يقرؤها، أحدهما له أجران بقراءتها، والثاني له أجر واحد بترك قراءتها، لكن ليس فيهما أحد آثم أو عديم الأجر، مما يبين أنه حتى خلافنا هو رحمة وخير.
الدين سهل وواضح، والمسلمون متفقون على عامة الأمور، يختلفون في التفاصيل، والاختلاف فيها عندك فيه مخارج واضحة، هي في أسوأ الأحوال تنزلك من أجرين إلى أجر، الحمد لله، أليست هذه رحمة؟!
لا بد من إظهار هذا، لا يوجد دين في الأرض يحمل من الاجتماع والظهور بمظهر واحد مثل دين الإسلام، والذين يحاولون الرقص على قضية الاختلاف، ليسوا على جادة، لأنهم ما فهموا حقيقة هذا الدين، ولا فهموا حتى حقيقة الاختلاف فيه، إذا جاء واحد يقول: أنا عجزت أن أفهم، نقول: قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النحل: 43) خذ أقرب شيخ لك تثق بعلمه ودينه، قل له: هذه المسألة ماذا أفعل فيها؟ يقول لك: تفعل كذا، فتفعل وأنت مطمئن أنك ما ضللت ولا زغت ولا حدت عن دين ربّ العالمين، أليست هذه رحمة يا إخواني؟! أليس هذا شيء يبعث على الطمأنينة والرضا؟!
"وبسببه تأتلف القلوب" نحن نصلي إلى قبلة واحدة، وهؤلاء الذين يكفروننا من الخوارج نقول: تعالوا، ماذا تختلفون معنا فيه؟ نحن وإياكم نشهد الشهادتين، نصلي إلى القبلة، نصوم، ونزكي ونحجّ، هذه أركان الإسلام، يعني على أي شيء أنتم تكفّروننا؟ تذهب وتأتي بمسألة أنت اخترعتها، وتمتحنّي فيها؟! هذه أصول الدين، أركان الإيمان ستة أنا أؤمن بها كلها، وأركان الإسلام خمسة وأنا أفعلها جميعًا، فليس عندك حجة في تكفيري، لذلك دائرة التكفير عند المسلمين ضيقة جدًا، لا نجد أحدًا يتوسّع فيها إلا وهو ضالّ.


34.معنى (تحرير محل النزاع) بيان الموطن المتنازعّ فيه، مثال: عندما أقول لك: هل (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من كتاب الله أو ليست بآية؟
الجواب: هي آية من كتاب الله بالإجماع من سورة النمل، وليست آية من كتاب الله بالإجماع في سورة براءة، وأما الباقي هو محل النزاع، باقي المواطن اُختلف فيها على أقوال ... هذا محل النزاع.
مثال آخر: هل في القرآن أعجمي؟
الجواب: إن كان المقصود جملة أعجمية فبالإجماع لا يوجد في القرآن جملة أعجمية
وإن كان المقصود الأعلام فبالإجماع هناك أعلام أعجمية
محل الخلاف الأسماء المذكورة في القرآن التي ليست أعلامًا، كالأرائك، وإستبرق، وسندس، وغيرها.


35.سئل -حفظه الله-: ما الحكمة من عدم تفسير الرسول لجميع القرآن؟
لأن الله تعالى قال عن القرآن: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (يوسف: 1) نزل على العرب، فغالبه يفهمه العربي من حين ما يسمعه، ولذلك إذا أشكل عليهم سألوا، وقال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (العنكبوت: 49)، وقال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (البقرة: 185) القرآن لا يمكن أن يكون مثل كتب الفلاسفة أو المناطقة أو غيرهم يحتاج إلى عصر أذهان، أبدًا، تسمع حججه فتتضح لك، نعم، قد يخفى عليك ما يصل إليه العلماء من فهوم، هذا لا يكلّفك الله به الآن، تذهب إلى العلماء وتسألهم عنه، لكن ما يريده الله منك يتضح لك، هل تتوقع أنك ستقرأ القرآن من أوله إلى آخره ولا تعرف أن الله أوجب عليك الصلاة؟! أو لا تعرف أن جزاء المؤمنين هو الجنة؟! أو أن جزاء الكافرين هو النار؟! أو أن رسل الله صلوات الله عليهم جاءوا بالتوحيد؟! هل ممكن تقرأ القرآن من أوله إلى آخره لا تفهم هذا؟! هات أيَّ أعرابي من أيِّ بادية في العالم يفهم الكلام العربي واقرأ عليه القرآن يعرف ما أراد الله منه، ما يريده الله من العباد بيّن ظاهر، لذلك لما قرأ النبي القرآن على العرب أذعنوا، بل قال الله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (القمر: 17) هل من متعظ؟ لن تجد أبلغ ولا أوضح ولا أيسر من مواعظ القرآن، أو من هدايات القرآن، ولذلك إذا أردت أن تختصر الموعظة على أحد اقرأ عليه آية، والله إنه مثل الذي يصبّ الماء البارد على النار، من وضوحها، تقول لفلان إذا رأيته يضيع وقته: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات: 56) ثم تسكت، لا تقول بعدها أي كلمة، والله، تهزّه الآية هزّا، ولما يقول لك: هذا إنسان يشاهد أشياء ليست طيبة، لا تكثر عليه من الكلام، اقرأ عليه: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (العلق: 14) واسكت، لا تعقب بشيء، بعد هذا الكلام البليغ، ما يحتاج القرآن إلى إيضاح، ولما تمرّ بإنسان يعصي الله قل: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ (المجادلة: 6) وتوقّف، هذه بحدّ ذاتها والله تزلزل قلبه، وقد جربت هذا فوجدته نافعًا، وجدت أنه يختصر الكلام، ثم موقفه في النفوس عظيم جدًا، كلما اختصرت في الموعظة ووضعتها في جملتين، وجعلتها من كلام الربّ لاتحتاج لشيء آخر.
وما احتاج النبي إلى تفسيره فسّره، لما قال الله: وأقيموا الصلاة (البقرة: 43) قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، ولما قال الله: وأتموا الحج والعمرة لله (الحج: 196) قال: "خذوا عني مناسككم".


36.كتب أسباب اختلاف العلماء كثيرة، وأنا أنصح طالب العلم أن يتفقّه فيها؛ لأنه إذا قرأ فيها عذر علماء المسلمين فيما يقولونه من أقوال، واتسعت مداركه، واتسع عنده العذر لأئمة الإسلام، فالقراءة فيها مهمة، ومن أفضل ما كُتب في هذا الباب كتاب "رفع الملام عن الأئمة الإعلام" لشيخ الإسلام ابن تيمية ، كتاب نفيس جدًا في بابه، وقد لا يستطيع الطالب أن يقرأ هذا الكتاب وحده، فعليه أن يستشرحه حتى يقف على أسرار ما فيه من المسائل والعلوم، ومن التصانيف في هذا الباب: "أسباب اختلاف الفقهاء" للدكتور عبد الله التركي، و"أسباب اختلاف المفسرين" للدكتور سعود الفنيسان، والكتب في هذا الباب كثيرة.


37.من مناهج أهل السنّة أنهم عندهم سعة في الأفق عجيبة جدًا، تجدهم يقدحون في مسألة من مسائل الرجل أو في جانب من جوانب حياته لكن يُبقون الباقي مقدرًا محترمًا، ما دام أنه في الأصل من علماء الأمة، فإنه لا يُهدر بسبب خطأ أو جنوح في جانب من جوانب حياته، العلمية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو غير ذلك، مثال: حفص، المقرئ الذي نقرأ نحن بروايته، حفص ضعيف في الحديث، لكنه في القرآن إمام من أئمة الإسلام؛ لأنه اعتنى بالقرآن وما اعتنى بالحديث وضبطه، فصار ضعيفًا في الحديث، وإمامًا في القراءة، ولو كنا نعمل بقاعدة واحدة إما ثقةً مطلقًا أو ضعيفًا مطلقًا ما يبقى معنا أحد، لا نقبل من أحد شيئًا، حتى ولو من أنفسنا، لا، فهذا الميزان جميل في الإسلام، لذلك تجد أنهم يعيبون على عالم قولًا أو مسألة أو مسلكًا معينًا ويبقى محترمًا في دين الله، محفوظًا حقه، لا يجوز لأحد أن يغتابه أو يتخذه غرضًا أو يمتحن الناس به، والخطأ الذي وقع فيه يقال: هذا خطأ، لا يقرّ له بالخطأ أيضًا، وبهذا تسلم صدورنا لأئمتنا جميعًا، هذا هو العدل، لا يترك التنبيه على الخطأ لأجل جلالة أحد، ولا يُهدر حق أحد لأجل خطأ، معادلة جميلة جدًا.


38.حديث عبد الله بن مسعود قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ :يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" هذا الحديث نستدلّ به على طريقين من طرق التفسير:
الأول: تفسير القرآن بالقرآن، والثاني: تفسير القرآن بالسنّة (الصريح)، لذلك لو صنّف أحدٌ في "الأربعين في أصول التفسير" يجب أن يذكر هذا الحديث؛ لأنه أصل.


39.من أين تُجمع الأقوال في التفسير عند حكاية الخلاف؟
بالرجوع إلى المصادر الأصلية في جمع الأقوال، كتفسير الطبري ، و"النكت والعيون" للماوردي، فإنه يجمع الأقوال ويلخّصها، وإن كان يؤخذ عليه أنه يضيف أقوالًا ليست من أقوال السلف، ويُنظر أيضًا في "زاد المسير" لابن الجوزي، وهو استفاد من طريقة الماوردي وزاد عليه، وقد يأخذ عن الماوردي بعض الأقوال التي زادها وهي ليست من أقوال السلف، ومما يُنظر إليه في هذا أيضا تفسير "الدرّ المنثور" للسيوطي فإنه قد جمع المروي في التفسير، وخصوصًا من الكتب المعتمدة في هذا الباب، كتفسير ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه وابن المنذر وعبد بن حميد والصنعاني النسائي وغيرهم من الأئمة، وأفضل طبعاته طبعة الدكتور عبد الله التركي.


40.في مسائل العلم، حتى في مسائل الفقه إذا أردت أن تنظر في مسألة، فقبل أن تحكم وتبدأ بالترجيح استوعب أولا، واجمع الأقوال، لأنه قد يكون القول الصواب هو فيما تركت وغفلت عنه.


41.من قواعد التفسير: أن التعبير بالوصف دالّ على أن ذلك الوصف علّة، مثال: قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (الانفطار: 13-14) عبّر بالوصف، ما قال: إن هؤلاء لفي نعيم، وإن أولئك لفي جحيم، قال: إنّ الأبرار بالنعيم عبر عنهم بالوصف، هذا الوصف هو العلة في كونهم استحقوا النعيم، يعني: إنّ الأبرار لفي نعيم لبرّهم، وإن الفجّار لفي جحيم لفجورهم، لو قال مثلًا: إن قريشًا لفي جحيم، لماذا في جحيم؟ لا ندري، هذا اسم وليس وصفًا، ولو قيل مثلًا: إن خالدًا في الجنّة، لا يوجد تعليل هنا، فلا يُنتفع منه في غيره، لكن لو قيل: إنّ المبكّر للصف الأول في الجنّة، لأي شيء؟ لتبكيره إلى الصف الأول، فهذه القاعدة تستفيد منها في توسيع المعنى، ولذلك القرآن كثيرًا ما يعلّق الأحكام بالأوصاف، ولا يعلّقها بالذوات، قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ (التوبة: 100) علّق بالوصف، يعني لسبقهم، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ لم يقل: ومن جاءوا بعدهم، ولكن قال: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ إذًا أنت لك نفس الجزاء الذي للصحابة بشرط، إذا اتبعتهم بإحسان، ولاحظوا، ميّز الصحابة بقوله: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ولم يقل بإحسان، لأنهم محسنون، تجاوزوا القنطرة، لكن من جاء بعدهم، منهم من أحسن ومنهم من أساء، ومن أفضل من يفيدنا في هذا الباب السعدي في كتابه "القواعد الحسان في تفسير القرآن" هذا كتاب نفيس جدًا، احرصوا عليه، فهو من أنفس ما كُتب في ذكر القواعد التي تعين على الفهم وتوسّع المعنى، ولعلّ الله يقيض لنا في دورة قادمة أن نشرح هذا الكتاب، بإذن الله عزّ وجلّ.

هذا ما تيسّر لي نقله من فوائد الدورة، وما كان من خطأ فمنّي
تم تصحيحه في 7/1/1438