قال الله تعالى في سورة مريم يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّاالآية ١٩.

كثيراً مايطرق النصارى باب أن القرآن " أخطأ " في جعل مريم بنت عمران أم عيسى هي نفسها مريم أخت هارون وموسى . فالكتاب المقدس لديهم يذكر أن أخت موسى اسمها (مريم ) كذلك.
وذهب المفسرون في نقض هذه الشبهة مذاهب شتى، فمنهم من أحسن، ومنهم من أبعد النجعة .
وإلى عصرنا هذا ، يوجد بعض الدعاة والمجتهدين من يعيد هذه الردود، أو يضيف عليها، أو يأتي بتأويل جديد حتى.
فمثلاً : قال أحدهم أن اليهود عندما قالوا ( يا أخت هارون ) إنما أرادوا ذلك تعييراً وازدراءاً . لأن اليهود وفي كتابهم المقدس يرون أن هارون هو من أمرهم بصناعة العجل ، فهي شبيهته بفعل السوء.

وبالطبع فالكثير منكم يعلم أن هذا الإشكال ليس بجديد . إذ طرح في زمن النبي .
ففي صحيح مسلم أن المغيرة بن شعبة قال (لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرءون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم)
فالأولى في نقض هذه الشبهة هو هذا الحديث وهو العمدة .
لكن هذا الحديث اختلف في مفهومه ، وسأضرب على ذلك بقولين من أقوال المفسرين وهما الطبري وابن كثير رحمهما الله.

١- قال الطبري بعد ذكر جميع الأقوال في هذه الآية : " والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله الذي ذكرناه ، وأنها نسبت إلى رجل من قومها " .

٢- قال ابن كثير في البداية والنهاية " ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هارون ، وكان مشهورا بالدين والصلاح والخير" .

*فالخلاصة أن الحديث يدل على أن هناك رجلاً في زمنها اسمه هارون- سواءً كان أخاً لها على الحقيقة أو هو من قومها- أشاروا إليها به، وهنا تنتفي هذه الشبهة .


بعد هذا السرد ، لدي بعض التعليقات والفوائد:
١- لا يستبعد وجود أخ حقيقي لمريم بهذا الاسم . وعمدة من يردون هذا القول هو قول أهل الكتاب وتأريخهم، إذ أنهم لا يذكرون أن لمريم أخاً . لكن القرآن جاء مصححاً ، ولا يلزم أن نأخذ بقول أهل الكتاب بكل شيء .فمثلاً هم يقولون أن الذي ربى موسى هو ابنة فرعون وليس زوجته، والقرآن يصرح أنها زوجة فرعون هي من رباه . وبالأخص أن هناك قرائن لهذا القول- أي وجود أخ على الحقيقة لمريم في زمانها - إذ لو دققنا لوجدنا أن مريم أم عيسى لا تتشابه باسمها فقط مع أخت هارون موسى، بل كذلك تتشابه باسم الأب . فالأب اسمه (عمران ) لكليهما . فالحديث عندما يذكر أنهم يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، يجعلنا نفهم أن عمران أبو مريم سمياً تيمناً بأبي هارون وموسى. وهو فعل بالمثل عندما جاءته هذه الابنة . فإذن لم لا يكون له ابن حقيقي اسمه هارون كذلك ؟ وهذا الفعل التسمى باسم الصالحين مشتهر بين المسلمين. فتجد من اسمه عبدالعزيز يسمي ابنه البكر عمر ، ومن كان اسمه يعقوب سمى ولده بيوسف .

٢- من قال أنهم أردوا تعييرها تشبيهاً لها بهارون نقول أن السياق لا يساعدهم أبداً . فهم يذكرون أنا أمها ليست بغي، وأن أباها لم يكن امرء سوء. فمن الصعب جداً -إذن- أن يكون المراد هنا التعيير .

٣- هذا الإشكال يكاد يكون معجزة ربانية وشاهداً على أهل الكتاب أكثر من كونه شبهة . كيف ؟
من المعروف أن الكثير من النصارى يدعي أن القرآن لم يقدم مفهوماً واضحاً لمعنى ( المسيح ) . وهم يريدون بذلك المعنى الاصطلاحي الذي لديهم ولدى اليهود لهذه الكلمة .
فالمفهوم الاصطلاحي لمعنى ( المسيح ) لديهم هو ذلك الشخص الممسوح بزيت خاص - كناية عن تنصبه ملكاً كما فُعل بداوود - والذي يجب أن يكون من نسله- أي داوود - يحكم بنى إسرائيل ويقودهم للنصر على أعدائهم ويجلب السلام للأرض .
لذلك نجد اليهود دائماً يردون على النصارى أنهم لن يقبلوا عيسى مسيحاً لأنه لم يحقق هذه الشروط .

كيف قدم القرآن معنى ( المسيح ) ؟
*لغوياً : الكلمة ليست غريبة على لغتنا بل هي من صميمها ولله الحمد المنة وهم الدخلاء عليها، فالمسيح مشتقة من الفعل ( مسح، م س ح )والمسح معروف، ووزن فعيل يأتي على اسم فاعل أحياناً أو اسم مفعول به أحياناً أخرى في لغة العرب.
كأمير : اسم فاعل.
قتيل: اسم مفعول به.
أما المسيح : قيل سمي مسيحاً لأن قدميه كانت ممسوحتين ، وقيل لأنه كان يمسح على الأعمى والأبرص فيُشفيهم باذن الله.

*اصطلاحياً : القرآن قدمه على أنه نبي يأمر بالصلاة والزكاة ويدعوهم لتوحيد الله تعالى ، وفي السنة أنه يعود آخر الزمان ليقتل الدجال.

كيف نوفق بين المعنيين عندنا وعندهم ؟
في البداية يجب أن نفهم أن المعنى الاصطلاحي (للمسيح) لدى اليهود هو معنى مستنتج ومستقرأ . هم استقرأوه من بعض آيات الكتاب لديهم . قد يكون بعضها صريح لكن يوجد أشياء أخرى يمكن استنتاجها لا توافق زعمهم فيما يجب أن يكون صفةً للمسيح.
في كتابهم المقدس نجد أن داوود سمي مسيحاً ، أي مُسح بزيت خاص ليتوج ملكا ، لكن هل كان أول من مُسح ؟
الجواب : لا .

أول من مُسح ليتوج في منصب هو هارون . ورد في سفر الخروج ٣٠/٣٠ أن الله أمر موسى أن يسمح هارون
بزيت عطري خاص ليكون سادناً للبيت هو وأبناءه .
فالمنصب هو هنا ( كاهن Cohen) كما يقول اليهود وهو بمعنى السادن للبيت . فالسدنة عند اليهود يجب أن يكونوا من ذرية هارون إلى يومنا هذا .
فمريم أم عيسى من ذرية هارون .بل هي منذورة لتكون في خدمة بيت المقدس . فعلى هذا يكون ولدها ممسوحاً كذلك ومهمته أعظم. إذ يجب أن ينظف بيت الله ( المسجد الأقصى ) من المرابين اليهود الذي اتخذوا بيت الله ساحة للهو وبيع الحمائم.
يذكر لنا إنجيل يوحنا الإصحاح الثاني ، أنه صنع سوطاً من الحبال وطردهم .

ماذا أيضاً ؟
هو أمر مهم ولا يفطن له الكثير من الناس . ألا وهو ( مخطوطات قمران ) . مخطوطات قمران لمن لا يعرفها هي أقدم نسخة للكتاب المقدس . وللأسف لم تدرس بالشكل الكاف والكتاب العرب يثرثرون خلف الغرب . والكثير منهم ألف عنها دون سابق علم ولا دراية ( وأخص بالذكر دولة معينة) . والكثير منهم قال ليس فيها شيء يستحق الوقوف عليه . فعند العرب إذا لم يوجد اسم النبي صراحة فلا تستحق الدراسة . وهذا أمر مشاهد كما فعلوا بإنجيل بارنابا للأسف.

نعود لمخطوطات قمران ....
في مخطوطات قمران وُجد أن اليهود في ذلك الوقت كانوا ينتظرون نوعين من ( المُسحاء ) إن صح التعبير . وهذا ذكره رائد هذا العلم في عصرنا البرفسور Bart Ehrman .

هذان النوعان أو المفهومان هما :
١- المسيح الداوودي الملك .
٢- المسيح الكاهني ( Priest ) أي الذي من نسل هارون .

وبالطبع لم يرتح الكثير من اليهود والنصارى لهذه الفكرة. لأنهم دائماً يشيرون للمعنى الأول ( المسيح الملك ) .
ونحن نعرف أن كتاب الأناجيل تكلفوا كثيراً ليثبتوا أن عيسى من نسل داوود . وانتهى بهم الأمر أن يكتبوا شجرتين لنسبه مختلفتين تماماً عن بعضهما البعض وذلك في كل من إنجيلي لوقا ومتى.

فكأن القرآن وبهذه الآية يذكر لنا ماهي (مسيحية ) عيسى . فنحن عندما نقدم عيسى علسه السلام بمفهوم القرآن لا يمكن لليهود أن يرفضوه .هذا والله أعلم .