علم النص وما تولد منه من نحو النص يلتقيان وما تريده استراتيجيات القرائية ومسائلها من التماسك الموضوعي
(1)
في مقالي "القرائية حركة دائبة في فضاء النص والمفردات والفضاء خارجهما في الذهن وغيره لإنتاج التعلم النشط" بينت أن القرائية طرق تدريس جزئية تعمد إلى الحركة المستمرة داخل النص كله وجمله وكلماته بغية الفهم وما بعده من مهارات عقلية.
وهنا أجلي نقطة تماسك النص اللازمة لفهمه ولضمان جدوى هذه الحركة الدائبة المستمرة، ومن يتأمل ذلك يجد القرائية بوسائلها المتعددة ترمي إلى ذلك بل إن الفهم لا يحدث إلا بعد إحداث التماسك الدلالي للموضوع في الذهن. وإلى هذا يرمي علم النص الذي يبحث في وسائل الحبك والسبك التي تنشئ التماسك الذي يجعل الموضوع نصا كليا.
كيف؟
إن علم النص وما تولد منه من نحو النص يبحثان في ترابط الموضوع ووسائل هذا الترابط، وكذلك القرائية باستراتيجياتها في الأصوات والمفردات والجمل والموضوع والطلاقة، وساعرض الفصل الأخير من كتاب الدكتور أحمد عفيفي "نحو النص .. اتجاه جديد في الدرس النحوي" المعنون بـ"الترابط النص أشكاله ووسائله" الممتد من ص103 حتى نهاية الكتاب ص129.
وساعرض للمسألة في علم النص ونحوه كما قررها الدكتور، ثم أعرض تطبيقها في القرائية كما قررتها الأدلة الإرشادية والواقع التطبيقي.
يقول الدكتور ص103: (يأتي الترابط دائما في شكل من أحد الشكلين التاليين:
1- الترابط الرصفي.
2- الترابط المفهومي.
أما الترابط الرصفي فيتصل بظاهر النص ويرتبط بالدلالة النحوية ... وأما الترابط المفهومي فيتصل بالنحو الدلالي الذي يهتم بكيفية ارتباط مفاهيم مثل فاعل وحدث وحالة وصفة من أجل إيجاد معنى كلي للنص).
ثم يذكر أشكال الترابط الرصفي من ص 105 حتى ص129، وهي:إعادة اللفظ، والتضام، والتعريف، والإحالة، والاستبدال، والحذف، والربط المعنوي.
وفي تفاصيل هذه الأشكال نجد مسائل قرائية كثيرة من مختلف مستوياتها صوتا وكلمة وجملة وموضوعا.
كيف؟
في أشكال الإعادة أورد الكتاب هذه الأنواع:
التكرار الكلي للكلمة أو للجملة.
والتكرار الجزئي ص109 الذي يعني تكرار عنصر سبق استخدامه مثل "عميق الظلام - جرح عميق، وتمزق قلب الليل - قلب الطبيعة".
ونلحظ هنا لاستراتيجية "المعاني المتعددة" ولاستراتيجية "شبكة المفردات"؛ فوجود كلمات تندرج تحت حقل دلالي واحد يؤدي إلى تمسك النص.
والتكرار بالمرادف الذي قسمه الكتاب ص109 قسمين، هما:
- المرادف دلالة وجرسا، وهو تكرار لكلمتين تحملان معنى واحدا وتشتركان في بعض الأصوات والميزان الصرفي، مثل "أثيل- مجيد، ويستره- يحجبه، وجميل- مليح".
وهذه هي المسألة الصوتية "الكلمتان المتفقتان في الوزن والقافية، أو في الوزن فقط".
- المرادف دلالة فقط، مثل: الحزن- الهموم، مذموم- محتقر، والسقم- العلة، والسيف- المهند.
وهذا يردنا إلى شبكة المفردات لو كثرت المفردات حول المعنى الواحد.
ثم نقل كلام الدكتور سعد مصلوح ص 110 عن شبه التكرار الذي يعني تكرار بعض الوحدات الصوتية، مثل: قد يتبدل رسمك واسمك – الصمت وَشْمُك والصمت وَسْمُك.
وهذه هي المسألة الصوتية الخاصة بالكلمات المتفقة وزنا وقافية أو وزنا فقط.
ثم تحدث عن تكرار نسق الجمل ص111 وسماه "التكرار الدراماتيكي"، مثل: " ... فهو يرفع إصبعه كلما أراد القيام أو القعود وكلما أراد السكوت أو الكلام، وكلما طلع أو نزل وكلما عطس أو سعل، ووكلما تحرّف أو تخطى وكلما تثاءب أو تمطى".
وهذا نوع يجب إضافته إلى القرائية تحت عنوان "حسن التقسيم".
ثم انتقل إلى الوسيلة الثانية التي هي التضام بدءا من ص112، حيث أورد العلاقات الحاكمة للتضام فذكر: التضاد الحاد، مثل: ميت - حي، ذكر - أنثى.
وهذا هو الذراع الأفقي لاستراتيجية "خريطة الكلمة".
والتنافر الذي قد يكون في أجناس الحيوان، مثل: فرس- جمل، وقد يكون في الرتب، مثل: رائد- عقيد- لواء، وقد يكون في الزمن شهورا أو فصولا أو أعواما.
وهذه هي فكرة الحقول الدلالية الحاكمة لاستراتيجية "شبكة المفردات" ولاستراتيجية "تصنيف الكلمات".
ثم ذكر الوسيلة الثالثة التي هي التعريف والعهد الذهني والذكري.
وهذه يجب إدراجها تحت وسائل استراتيجية "المراقبة الذاتية" واستراتيجية "التوقع من خلال النص أو الموضوع"؛ فربط المعرفة بالنكرة السابقة من وسائهلما.
ثم ذكر الوسيلة الرابعة التي هي الإحالة ص116 التي هي العلاقة القائمة بين الأسماء والمسميات كما قال جون لوينز، وتنقسم قسمين:
- إحالة داخل النص تشمل: إحالة على السابق وتسمى قبلية، وهي تعود على مفسر سبق التلفظ به. وإحالة على اللاحق، وتسمى بعدية. وتكون إحالة ذات مدى قريب لو جاء المحال إليه والمحال متتاليناو قريبين، وتكون إحالة ذات مدى بعيد لو تباعد ما بينهما.
وما قلته عن الوسيلة السابقة أقوله عن هذه الوسيلة: وهذه يجب إدراجها تحت وسائل استراتيجية "المراقبة الذاتية" واستراتيجية "التوقع من خلال النص أو الموضوع"؛ فربط المعرفة بالنكرة السابقة من وسائهلما.
- إحالة خارج النص، وهي الإحالة المقامية.
وهذه ميدانها استراتيجية "تصنيف الكلمات" التي تستوجب البحث عن كلمة وإيجاد سياقات لها، وكذا استراتيجية "التعريفات الصديقة".
ثم ذكر الوسيلة الخامسة التي هي الاستبدال التي تعني استبدال عنصر لغوي بآخر، مثل قوله تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [آل عمران: 13]؛ فقد استبدل ب"فئة" كلمة "أخرى".
وهذه يجب إدراجها تحت وسائل استراتيجية "المراقبة الذاتية" واستراتيجية "التوقع من خلال النص أو الموضوع"؛ فربط المعرفة بالنكرة السابقة من وسائهلما.
ثم ذكر الوسيلة السادسة التي هي الحذف حيث تكون الجمل المحذوفة أو الكلمات المحذوفة أساسا للربط بين أجزاء النص من خلال المحتوى الدلالي. وهذه هي استراتيجية "التوقع من خلال النص أو الموضوع" و"المراقبة الذاتية" التي يقيس فيها القارئ فهمه بإيجاد روابط بين الدلالات بتقدير أسئلة ومعلومات من فهمه.
ثم ذكر الوسيلة السابعة التي هي الربط بالأدوات مثل (التعليل بـ"لأن"، والاستدراك بـ"لكن"، ومطلق الجمع بالواو، والتخيير بـ"أو"، و...).
(2)
هكذا رأينا الالتقاء المتكرر بين معطيات علم النص وما تولد منه من نحو النص وبين طرق القرائية في تدريس الأصوات والكلمات والجمل والفقر والموضوع كله، ويجب أن نثري القرائية بما يوجد في علم النص وتابعه ولا يوجد فيها.