من سُنن الله الشرعية والكونية أن الله تعالى يبتلي بعض عباده بأعمالهم ، ليجعلهم عبرة للمُتبصِّرين والمتفكِّرين في أحوال الدنيا وأهلها.


ومن تأمل سور القرآن يلحظ أن الله تعالى أمر بالسير في الأرض لإستلهام الآيات والدروس والعبر ، كما قال سبحانه : ” قل سيروا في الأرض فانظروا .. ” (النمل : 70 ) وفي قوله : ” وإنكم لتمرُّون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ” ( الصافات : 137-138 ) .

وفي السنة النبوية أوصى الرسول بالثبات على الأمر والعزيمة على الرشد ، وحذَّر من زيغ القلب في الشبهات والشهوات ، ولا يتسع المقام لإيراد الأدلة على ذلك .


وقد صح في الأثر : ” شيَّعَنا أبا مسعود إلى القادسية فقلنا له : إن أصحابنا قد ذهبوا فاعهد إلينا شيئاً نأخذ به عنك ، فقال : اصبروا حتى يستريح برٌّ ، أو يُستراح من فاجر ، وعليكم بالجماعة ، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة” . رواه ابن حجر بسند صحيح .


وقد يكون بعض المُنظِّرين والإعلامييِّن على ضلال، لكنه يستتر ولا يجهر بضلاله وفسقه ، ولا يُزيِّن باطله للناس ، وهؤلاء يرُجى لهم الخير .


لكن المؤسف أن يتفاخر الواحد بفكره ومذهبه حتى يكون سبباً في إنحرافه وضلاله عن الجادة الواضحة المستقيمة ، وقد يكون سبباً في ضلال فِئام من الناس ، ووسيلة لتزييِّن الهوى والهلاك في نفوسهم ، مهما كانت العواقب والمآلات.

ومن المفكِّرين المعاصرين الذين تخبَّطوا في فهم سنن الله الشرعية والكونية ، الشيوعي المعروف في بلاد الحرمين ب ” صالح المنصور” ( 1377 – 1438هـ) النجدي المولود في الغاط ، المُتوفى في الرياض . وقد كان – وما زال – له مُحبون ومُصفِّقون لفكره ومنهجه .

وقد رقمت هذه السطور واستقصيت أخباره وأطروحاته من الثقات عندي ، في الأندية الثقافية وأساتذة الجامعات وبعض النُّقاد من طلبة العلم ، ومن بعض الصحف الرسمية في بلاد الحرمين . وليس في المقال تصدِّي للحكم على عقيدته أو إيمانه ، إنما الحكم على أطروحاته وفكره .

هذا الرجل نشأ حائراً في بلاد الحرمين ، لم يهتدِ إلى فهم الصراع بين المذاهب الإسلامية وبين الفكر الشيوعي الإشتراكي الملحد ، وكان مُتقلِّب المزاج ، شديد العزلة ، ضيق العطن .


وفي فترة نمو الصحوة الإسلامية في الثمانينات الميلادية ، لم يجد ما يملأ قلبه وعقله إلا التشاغل بالزخم الماركسي الذي كان له صولة وجولة عند بعض الكُتَّاب والمفكرين العرب ، الذين رأوا أن أنجع أساليب الإنتصار على الصحوة الإسلامية هو ليُّ أعناق النصوص الشرعية وتفسيرها بما يُوافق أهواءهم ومذاهبهم .


سافر ” صالح المنصور” إلى الإتحاد السوفيتي سابقاً، والتقى ببعض المفكِّرين العرب المقيمين هناك ، ووجد في المكتبة الماركسية ما يسدُّ فراغاً كبيراً في تفكيره وعقله، الذي كان يمقت التشدُّد الديني في بلاد نجد ، ولا سبيل إلى الحوار معها إلا بالتعمق في الحوارات الشيوعية القائمة على الفلسفة الإجتماعية والشرعية المجردة للدِّين من جوهره ولبابه ، لإشباع فضوله وإشغال نفسه .

رجع المنصور من رحلته إلى موسكو مُتشبِّعاً بالشيوعية والإشتراكية ، مُتعلِّقا بمصنفات ” لينيين ” و” ستالين ” ، مُتذمِّراً من أحوال المجتمع النجدي خاصة ، ومن أحوال المسلمين عامة .


في حواراته ومناقشاته – في الأندية الأدبية – كانت تظهر عليه النزعة الفلسفية لتفسير نصوص الوحي ، يبدو حائراً مُتخبِّطاً في فهم خصائص الروح والجسد ، كما خلقها الله تعالى ، وكان عنيفاً في الردِّ على علماء الشريعة ، كارهاً للمصنفات الموروثة عن السلف الصالح ، ومن درج في فَلكهم .


كان يُنادي بنشر العدل والمساواة ، وله هتافات حارَّة في الردِّ على الرأسمالية ، التي أقصت الناس وفرقتهم وزادت من همومهم وأوجاعهم .
تميَّز صالح المنصور بحبه للشِّعار الأحمر للشيوعية ويظهر هذا في حُبِّه للقلم الأحمر والكرفتة الحمراء والقبعة الحمراء . نسأل الله أن يعامله بعدله وأن لا يفتِّنا بعده .

ولعل أسباب إنحراف فكر صالح المنصور خمسة : عزلته عن الناس ، وحبه للفكر الإقصائي الثوري ، وحيرته في العلوم العقدية ، وتأثره بكتب الشيوعية ، وعدم فهمه لِسنن الله الشرعية والقدرية .

ما تقدَّم هو أهم أُطروحات صالح المنصور الفكرية والعلمية.


ويمكن الرد على مذهبه الفكري في النقاط الآتية :

1- المسافة بين الحق والباطل أربعة أصابع كما قال بعض السلف ، وهي المسافة بين العين والأُذن . ويُفهم من هذا أن الإنسان مُحاسب على هاتين الجارحتين لأنهما طريق الإعتقاد واليقين .
وكل العلوم إما سماعية أو بصرية ، فلا يجوز للإنسان أن يعتقد إلا ما يُقرِّبه لربه سواء عرف كُنه ذلك أو جهله أو التبس عليه . وكل من اجتهد في معرفة الحق والحذر من الباطل فقد برئت ذمته . قال الله تعالى: ” أفمن يمشي مُكبَّا على وجهه أهدى أمَّن يمشي سوياً على صراط مستقيم ” ( الملك : 22 ) .

2- الرضا بالتحاكم الى المذاهب الكفرية الإلحادية كالشيوعية والعلمانية يُعدُّ تحاكماً الى الطاغوت وكراهة قلبية لشرع الله عياذاً بالله تعالى . قال الله تعالى : ” ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط اللَّه وكرهوا رضوانه فأحبطَ أعمالهم ” ( محمد :28) .
وهذا الصنف من الناس لا يزيدهم القرآن الا رجساً الى رجسهم كما قال سبحانه : ” وإذا ما أُنزلت سورةٌ فمنهم من يقول أيُّكم زادتُه هذه إيماناً . فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون . وأما الذين في قلوبهم مرضٌ فزادتهم رجساً الى رجسهم وماتوا وهم كافرون ” ( التوبة :125 ) .
3- فهم سنن الله تعالى القدرية والشرعية يُعين على الحكم على الوقائع والأحداث والنوازل . ومفتاح الفهم يكون بربط الأدلة الشرعية بالوقائع كما فهمها السلف لا كما فهمها الخلف وأهل الإلحاد ، وعلى ضوء قواعد الشرع لا على قواعد العقل ، للحكم على المستجدات والنوازل المتكررة . وهذه المرتبة لا تحصل إلا بطلب الفتح من الله ثم بالصبر على المعرفة ، لأن النتائج قد تتأخَّر عن الأسباب كما قال الله تعالى : ” أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا “( فاطر:44 ) .

4-من دعى إلى التحاكم إلى الشيوعية أو الإشتراكية ، مُعتقداً بقلبه صحتها وصوابها ، فهو أكفر من اليهود والنصارى . وقد عاصر الإمام ابن باز( ت : 1420 هـ) تعالى هذه الدعوى المجرمة وأفتى بهذا الحكم في أهلها ومُحبِّيها ومقرِّريها ، واستدل بقول الله تعالى : “فلا وربِّك لا يُؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ ويُسلِّموا تسليماً ” ( النساء : 65 ) .
5- الإمتعاض من حال المسلمين وأحوالهم لا يُسوِّغ العبث بمنهجهم وعقيدتهم وإجماعهم ، لأن هذا طريق الهلاك والبوار . قال أبو عثمان النيسابوري (ت: 298 هـ ) تعالى : ” من أمرَّ السُّنَّة على نفسه قولاً وفعلاً، نطق بالحكمة ، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولاً وفعلاً ، نطق بالبدعة لأنَّ الله تعالى يقول:”وإن تطيعوه تهتدوا “( النور: 54 ) .
6- التنظير والتنظيم الإجتماعي الذي قال به ” فلاديمير لينين ” و” ستالين ” و ” كارل ماركس ” قائم على الثورة على أحوال المجتمعات وعدم إنتظار سُنن الله في الظالمين والتمرُّد على مقاصد الشريعة بعلم أو بجهل . ومن قواعدهم : لا إله ، والحياة مادة ! . وقد قال لينين : ” إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء ، إنما الشيء الهام هو أن يصبح الربع الباقي شيوعيًّا ” . ! . وهذا مصادم للفطر السليمة ولسنن الله في خلقه ، وفيه إحتجاج بالقدر على ترك العمل ، وفيه مكابرة وتمرُّد على الله وخلقه وشرعه .
7- لا يجتمع حُب الشيوعية والاشتراكية في قلب مسلم مع حُب الإيمان والإسلام ، إلا إذا اجتمع الماء والنار والضب ! . فالإيمان والإسلام لهما أركان وواجبات وحقوق ، وما يضادهما له ما يصادمهما جملة وتفصيلاً . وعبادات القلب لا تتسع للتودُّد للشيوعية لا من ناحية العقيدة ، ولا من ناحية التربية والإدارة .
8- من زعم أو راهن أن الشيوعية صامدة ثابتة في وجه المُتغيِّرات والنوازل فقد كذب . فقد تفكَّك الإتحاد السوفيتي وتبخَّرت النظريات الشيوعية وتبدَّدت إلى مزبلة التاريخ . وبات أهلها الأدنون يسخرون منها . وهذا ما يُسمى عند الأصولييِّن بترقُّب فقه المآلات .
وفقه المآلات محكوم بفقه البصيرة التى لا تُلتمس إلا بشاهدين : الكتاب والسنة ، وما عداها فمضروب به الحائط لا قيمة له.
وقد قرَّر ذلك الفيلسوف الأمريكي الماركسي” أريخ مزوم ” في كتابه ” المجتمع السليم” ، ومن غير الماركسيين ” كارل بوبر” صاحب كتاب ” المجتمع المفتوح ” ، وغيرهما ، وكذلك ” جورباتشوف” في كتابه ” البيروسريكا أو إعادة البناء ” ، قرَّر وفضح عيوب تطبيق الشيوعية في الاتحاد السوفيتي .
9- التشبُّه بلباس الشيوعيين والملاحدة مُنكرٌ يقدح في إيمان صاحبه . لأن التشبُّه في الظاهر يُوجب في العادة التشبه في الباطن . والقلب السليم لا يَستقيم لصاحبه في هذا إلا لعلةٍ مُستحكمة . وإذا صاحب التشبُّه مدح وثناء للمُتشبَّه بهم فهذا قدح في التوحيد . نسأل الله العافية .
10- متى يكون المسلم معذوراً في إنحرافه عن الحق ؟ يكون معذوراً : إذا عاش في بيئةٍ بعيدةٍ عن المسلمين ، أو لم يوجد عنده من يُنير بصيرته ، أو كان مرفوع الأهليةِ لعلة في بدنه تمنعه من فهم الحق والسير في فَلكه . وما عدا هذه الثلاثة يكون صاحبها فاجراً يستحق الوعيد الُأخروي كما دلَّت عليه النصوص .


هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي
http://ahmad-mosfer.com/1542