المفاهيم المتداولة في الثقافة الإسلامية قبل مجيء الإسلام كانت لها مدلولات لغوية معينة ، لكن عندما نزل القرآن الكريم أعطى لهذه المفاهيم بناءات جديدة وسياقات جديدة ودلالات أخرى جديدة ضمَّنها قيما ، وضمَّنها معارف ، وضمَّنها معطيات أخرى ، هي التي كانت تستهدف بها رسالةُ الختم السماوية مع القرآن الكريم البشريةَ من أجل إكمال مراحل التطور الديني .
أهم خصائص ومميزات هذه الإضافات التي جاء بها الدين وحول بها دلالات المفاهيم من التداول اللساني العربي قبل الإسلام وما بعده أنها أصبحت :
- دلالات كلية ومطلقة
- دلالات مستوعِبة وشاملة
- دلالات لها خاصية الاستمرار في الزمان والمكان
- دلالات تؤسس لخطاب كوني وإنساني ممتد ، تتعاضد فيه آيات النص والأنفس والآفاق إلى غير ذلك .
بمعنى أن أي مفهوم من المفاهيم القرآنية إلا ونجد فيه خاصية الوحي نفسه . خاصية الوحي المطلق الممتد في الزمان والمكان والمستوعب للبشرية ، باعتبار أن هذا الخطاب للإنسانية والبشرية . أي أن مفاهيم القرآن الكريم لها خصائص الوحي ولها مميزات الوحي ، باعتبار أنها المؤسسة للوحي نفسه ، وأنها مدخل التعرف على هذا الوحي ، وهذا ينطبق على أي مفهوم أخذناه .
المشكل هو أن في التداول التاريخي تم الانصراف عن هذه المفاهيم وعن هذه الدلالات ، وتم الالتجاء إلى التقييدات والتعريفات والتحديدات والضوابط المدرسية والفرقية والمذهبية التي أعطت أو بنت تعريفات ودلالات نسقية أخرى لهذه المفاهيم انطلاقا من تصورات مدرسية معينة وانطلاقا من تصورات مذهبية معينة إلى آخره .
تطورُ هذا المفهوم تاريخيا لم يعد هو نفسه كما كان من حيث البناء الشرعي له ، ومن حيث الدلالات الشرعية له . ولهذا غلبت الاصطلاحات المدرسية وغلبت الاصطلاحات المذهبية على الدلالات الشرعية داخل المفهوم .
وللأسف عندما نقول غلبت هذه الاصطلاحات ، بمعنى أننا تحولنا من الكلي المستوعِب المطلق إلى الجزئي النسبي المقيد بقيود الأطر الفكرية والمرجعية للمدرسة أو المذهب .

من مداخلة للدكتور سعيد شبار