تأويل صلاح الدين بن إبراهيم لاسم الله الرحمن:-1-

اطلعت على مقطع يوتوب للمدعو صلاح الدين بن إبراهيم -إبو عرفة- حول اسم الله "الرحمن" فاستغربت كثيرا من تأويلاته لهذه الاسم، إذ جاء بتأويل لم يقل به أحد من العلماء قبله ولا بعده، فيما أعلم والله أعلم وأحكم.

ولم أكن لأمرّ على تأويله الباطل لاسم من أسماء الله تعالى دون رد لباطله وبيان لضلاله وهذيانه، خاصة وأن الأمر يتعلق بأصل من أعظم الأصول –توحيد الأسماء والصفات-.
فاستعنت بالله لبيان الحق في ذلك، فهذا واجب على كل قادر وهو من النصيحة ظاهر، كما قال سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم:" إن الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم."-رواه مسلم -.

وصاحب هذا التأويل الذي ما عليه بينة ولا دليل، أتى ببدعة من القيل، حيث أعمل رأيه وعقله في فهم التنزيل، فكان من أهل البدع في هذا الباب بتأويله الغريب العجاب، وكيف لا يكون من أهل البدع وقد أحدث في تفسير اسم الرحمن ما لم ينزل الله به من سلطان ولم يقل به أحد من السلف الأعلام، وقد صح عن النبي أنه قال:" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"-متفق عليه-، وكلمة أمر جاءت مفردة مضافة فتعم كل أمر كان عليه رسول الله وأصحابه الكرام سواء في باب العقيدة أو الشريعة والأحكام.

ومما قوى همتي في الرد مع قلة بضاعتي ما ثبت عن السلف في بيان فضل الرد على أهل البدع والتلف، كقولهم:"أفضل الجهاد جهاد أهل البدع" وكان الإمام أحمد تعالى يرى تفضيل من يتكلم في أهل البدع على الصائم نهارا القائم ليلا.

1- افتتح الشيخ المفوه كلامه بقوله:"ذهب الناس مذهبا غير ظاهر القرآن، ولا نقول: غير مراد الله لأننا لا نعلم مراد الله"اهـــ.

ومقصوده بما ذهب إليه الناس في معنى اسم الرحمن: المشهور من كلام العلماء والمحفوظ من كلام المفسرين من أن الرحمن: اسم دال على الرحمة الواسعة التي شملت جميع الخلائق.
فهذا في رأيه مخالف لظاهر القرآن، وليس لمراد الله لأننا –في زعمه-لا نعلم مراد الله.
وبدأ ببدأ أقف وقفة مع قوله:"لا نعلم مراد الله":

لقد افترى هذا الرجل افتراء كبيرا وضل ضلالا بعيدا بزعمه أننا لا نعلم مراد الله.
كيف لا نعلم مراد الله، والله تعالى أنزل القرآن الكريم وجعله رسائل للناس أجمعين يهتدون بها إلى صراطه القويم إن أحسنوا فهمها والعمل بها..

قال الله تعالى ممتنا على عباده: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين"( يونس: ٥٧)، فالقرآن الكريم أعظم موعظة للبشرية، إذا اتعظوا بها حصّلوا السعادة في الدنيا والآخرة، ولا جرم أن ذلك متوقف قبل كل شيء على فهم هذه الموعظة وتدبرها وعقلها، لأن الجاهل بمعاني الشيء لا يمكنه العمل به والانتفاع بما فيه أبدا، فالقرآن الكريم رسائل من الله إلى عباده يعظهم بها ويذكرهم، فحق لهم بل وجب عليهم أن يعوا هذه الرسائل ويفهموها ويبدلوا قصارى جهدهم في تحقيق ذلك حتى ينتفعوا بهذا القرآن الكريم الذي لا فلاح ولا سعادة ولا رقي ولا حضارة ولا انتصار إلا بالعمل به.
يقول شيخ الإسلام تعالى:" ومن المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه فالقرآن أولى بذلك، وأيضا فالعادة تمنع أن يقرآ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم ؟"([1]).

كيف لا نعلم مراد الله والله تعالى يقول:" هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)"-آل عمران-، "هَذَا هُدًى"-الجاثية-، "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)"النحل-، "تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)"-الفرقان-،"وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)"-الشورى-،"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)"-يونس-...
فوصف الله تعالى كتابه الحكيم بأنه روح ونور وهدى ورحمة وشفاء وموعظة وبيان وتبيان وفرقان...فكيف يكون القرآن الكريم بهذه الصفات ونحن لا نعلم مراد الله منه؟" كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)"-الكهف-.

أليس كلامه ذاك بأننا لا نعلم مراد الله وصف له سبحانه بالتضليل ولرسوله بالتجهيل، إذ كيف ينزل الله تعالى القرآن الكريم لهداية البشر وقد حجب عليهم مراده من كلامه –تعالى الله عن هذا علوا كبيرا-، وكيف يقول رسول الله في حجة الوداع:" ألا هل بلغت : اللهم اشهد ثلاثا"-البخاري-، وهو قد مات دون أن يبين لنا مراد الله من كلامه، فإما أن يكون عالما بمراد الله في حياته فلم يبينه للأمة وهذا عين الغش والخيانة –حشاه - أو أن يكون جاهلا بمراد الله، فبلغ الألفاظ دون معان والآيات دون بيان، وكلا الأمرين في غاية المحال.
فهذه كلها لوازم باطلة ، وما لزم منه باطل كان في نفسه باطل.

ألم يعلم المسكين أن من أعظم مقاصد التنزيل تدبر كلام العلي الجليل كما قال سبحانه:" كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)"-ص-، يقول العلامة السعدي تعالى:" لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود.
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب."([2]).
فالله تعالى بين في هذه الآية الكريمة:" أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك؛ أن يتدبر الناس آياته، ويتعظوا بما فيها، والتدبر هو التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، فإذا لم يكن ذلك، فاتت الحكمة من إنزال القرآن، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها. ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه."([3])،" وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن"([4]).

كيف يزعم ذاك النكرة أننا لا نعلم مراد الله والله تعالى رغب في تدبر كلامه أيما ترغيب ونعى عمن انصرف عن التفكر والتأمل في كتابه سبحانه، وقد دلت آيات كثيرة سواء بمنطوقها أو بمفهومها على وجوب تدبر القرآن الكريم:

قال الله تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا"(النساء: ٨٢).
وقال تعالى: "أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ" (المؤمنون: ٦٨).
وقال : "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (ص: ٢٩).
وقال تبارك ذكره: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"(محمد: ٢٤).

يتبع إن شاء الله تعالى.


([1]) ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، ط2، ص37.

([2] ) تيسير الرحمن:712.

([3]) ابن عثيمين، شرح أصول في التفسير وشرح مقدمة في التفسير، ط1،ص75.

([4]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 15/192.