بحث في قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم الآية
علم التفسير علم دقيق الأغوار ولطيف المآخذ عظيم القدر، ويحتاج إلى دربةٍ ونظرٍ ثاقبٍ للتوفيق بين مناحي المعالجات والمقاربات المتنوعة التي يُقتَرَب بها من النص الحكيم.
فالحديث عن التفسير بالمأثور بمفرده حديث جائر يلغي دور النص ولغته وسياقه التركيبي والترتيبي بين النصوص الأخرى، وكذلك يلغي البنية الدلالية للنص؛ وهي الدلالات المقصودة من بنية النص ذاته وتركيبه البلاغي. ولكن بإعمال هذه المقاربات مجتمعة يتشكل لدينا (نظرة كلية) مبنية على نظام القرآن من داخل النص ومن خارجه تساعدنا على فهم معناه وتأويله على ما ينبغي في إطار موازنات عميقة تجمع ولا تفرِّق من أجل الغاية الأسمى في فهم كلام الله.
وهنا يطالعنا مثالٌ لطيف في تأويل قوله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223البقرة)
وسبب نزول هذه الآية ما روى –في الحديث المتفق عليه -عن جابر بن عبد الله: أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، وعابت على العرب ذلك، فنزلت الآية تتضمن الرد على قولهم.
وقالت أم سلمة وغيرها: سببها أن قريشا كانوا يأتون النساء في الفرج على هيئات مختلفة، فلما قدموا المدينة وتزوجوا أنصاريات أرادوا ذلك، فلم ترده نساء المدينة إذ لم تكن عادة رجالهم إلا الإتيان على هيئة واحدة وهي الانبطاح، فبلغ ذلك النبي ، وانتشر كلام الناس في ذلك، فنزلت الآية مبيحة الهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث.(1 )
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: كَانَت الْأَنْصَار تَأتي نساءها مضاجعة وَكَانَت قُرَيْش تشرح شرحاً كثيرا فتزوّج رجل من قُرَيْش امْرَأَة من الْأَنْصَار فَأَرَادَ أَن يَأْتِيهَا فَقَالَت: لَا إِلَّا كَمَا يُفعل، فَأُخْبر بذلك رَسُول الله فَأنْزل فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم أَي قَائِما وَقَاعِدا ومضطجعاً بعد أَن يكون فِي صمام وَاحِد (2 )
وروى أحمد والترمذي-بسند صحيح -عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: "ما الذي أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة! (= يريد أنه أتاها في المحل المعتاد، لكن من جهة ظهرها) قال: فلم يرد عليه شيئا. قال: فأوحى الله إلى رسول الله هذه الآية: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة". ( 3)
هذا من حيث النقل في سبب وملابسات نزول الآية. أما من حيث البنية اللغوية للآية:
قال الفخر الرازي: حَرْثٌ لَكُمْ أَيْ مَزْرَعٌ وَمَنْبَتٌ لِلْوَلَدِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَفَرْجُ الْمَرْأَةِ كَالْأَرْضِ، وَالنُّطْفَةُ كَالْبَذْرِ، وَالْوَلَدُ كَالنَّبَاتِ الْخَارِجِ، وَالْحَرْثُ مَصْدَرٌ، وَلِهَذَا وَحَّدَ الْحَرْثَ فَكَانَ الْمَعْنَى نِسَاؤُكُمْ ذَوَاتُ حَرْثٍ لَكُمْ فِيهِنَّ تَحْرُثُونَ لِلْوَلَدِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَيْضًا قَدْ يُسَمَّى مَوْضِعُ الشَّيْءِ بِاسْمِ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ:
فإنما هي إقبالي وَإِدْبَارُ وَيُقَالُ: هَذَا أَمْرُ اللَّهِ، أَيْ مَأْمُورُهُ، وَهَذَا شَهْوَةُ فُلَانٍ، أَيْ مُشْتَهَاهُ، فَكَذَلِكَ حَرْثُ الرَّجُلِ مَحْرَثُهُ. (4 )
فَأْتُوا كناية عن الجماع، وكما قال ابن عباس: إن الله حيي كريم يكنِّي.
فلفظة «الحرث» تعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة، إذ هو المزدرع، كذا قال جمهور المفسرين وعلى رأسهم الطبري، وهو دلالة اللغة التي لا محيص عنها، إذ كان قرآنا عربيا، وهى الدلالة أيضا في تكرارا لفظة الحرث في حرثكم بدلا من إضمارها؛ فلم يقل: فأتوها، قال الراغب: ليُراعى المعنى المقصود بذلك، لئلا يُتَوَهَّم ما يتصوره قوم لم يتعمقوا النظر ( 5) بأن المقصود إباحة الدبر.
وقوله أَنَّى شِئْتُمْ معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وأئمة: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة وعلى جنب (ما دام في صمام واحد) كما أكدت الأخبار الصريحة عن رسول الله في سبب نزولها، وأَنَّى إنما تجيء سؤالا أو إخبارا عن أمر له جهات؛ ومعناها هنا: من أي وجهٍ شئتم. فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى، هذا هو الاستعمال العربي، وقد فسر الناس أَنَّى في هذه الآية بهذه الألفاظ.
وهنا تحقيق بليغ لابن جرير الطبري قال: يعني تعالى ذكره بذلك: فانكحوا مزدرَع أولادكم من حيث شئتم من وجوه المأتى. قال: وذلك أن "أنَّى" في كلام العرب كلمة تدلّ إذا ابتدئ بها في الكلام -على المسألة عن الوجوه والمذاهب. فكأن القائل إذا قال لرجل: "أنى لك هذا المال"؟ يريد: من أيّ الوجوه لك. ولذلك يجيب المجيبُ فيه بأن يقول: "من كذا وكذا"، كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن زكريا في مسألته مريم: أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (آل عمران: 37). وهي مقارِبة في المعنى "أين" و"كيف"، ولذلك تداخلت معانيها، فأشكلت "أنَّى" على سامعيها ومتأوِّليها، حتى تأوَّلها بعضهم بمعنى: "أين"، وبعضهم بمعنى "كيف"، وآخرون بمعنى: "متى" -وهي مخالفة جميع ذلك في معناها، وهن لها مخالفات.... وقد فرَّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها، فقال الكميت بن زيد:
تَذَكَّر مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبَهُ ... يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلْ.
وقال أيضًا: أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ -آبَكَ -الطَّرَبُ ... مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ.
فيجاء بـ "أنى" للمسألة عن الوجه، وبـ "أين" للمسألة عن المكان، فكأنه قال: من أيّ وجه، ومن أي موضع راجعك الطرب؟ ا.ه (6 )
وفسرها سيبويه ب «كيف» ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقةٌ ممن فسرها ب «أين» إلى أن الوطء في الدبر جائز، وهو خطأ واضحٌ من نواحي مقاربات النص. وأبعد قومٌ ففسروها ب "متى" أي في غير أوقات حرمة وطئها أي الحيضة ربطا بين هذه الآية وما سبقتها، وهو بعيد وفيه تكرار في المعنى والسياق بغير هذا التقدير متصل ومنطقي كما يأتي بإذن الله.
قال ابن جرير: والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره:" فأتوا حرثكم أنى شئتم"، كيف شئتم -أو تأوله بمعنى: حيث شئتم، أو بمعنى: متى شئتم، أو بمعنى: أين شئتم؛ أن قائلا لو قال لآخر: "أنى تأتي أهلك؟ "، لكان الجواب أن يقول: "من جهة قُبُلها، أو: من دُبُرها"، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذْ سئلت: أَنَّى لَكِ هَذَا أنها قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وإذ كان ذلك هو الجواب، فمعلومٌ أن معنى قول الله تعالى ذكره: فأتوا حرثكم أنى شئتم، إنما هو: فأتوا حرثكم من حيثُ شئتم من وجوه المأتى -وأنّ ما عدا ذلك من التأويلات فليس للآية بتأويل.
وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبيِّنٌ خطأ قول من زعم أن قوله: فأتوا حرثكم أنى شئتم، دليلٌ على إباحة إتيان النساء في الأدبار، لأن الدُّبر لا مُحْتَرَثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكره: حرث لكم، فأتوا الحرث من أيّ وجوهه شئتم. وأيُّ مُحْتَرَث في الدُبر فيقال: ائته من وجهه؟ وواضحٌ بما بيَّنا صحةُ معنى ما روي عن جابر وابن عباس: من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: "إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبرها في قُبُلها، جاء الولد أحول". ا.ه (7 )
ومن جميل فهم المفسرين: أن هَذِهِ الْجُمْلَةُ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى التي قبلها، أَعْنِي قَوْلَهُ تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: أَنَّى شِئْتُمْ أَيْ: مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ: مِنْ خَلْفٍ، وَقُدَّامٍ، وَبَارِكَةً، وَمُسْتَلْقِيَةً ومضطجعة، إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْحَرْثِ، وهو القبل، وفيه إشارة بليغة إلى تحريم الوطء في الدبر، وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ: إنّما الأرحام أرضو ... ن لَنَا مُحْتَرَثَاتٌ.
فَعَلَيْنَا الزَّرْعُ فِيهَا ... وَعَلَى اللَّهِ النَّبَاتُ.
وَقَدْ ذَهَبَ السَّلَفُ، وَالْخَلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَالْأَئِمَّةِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَأَنَّ إِتْيَانَ الزَّوْجَةِ فِي دُبُرِهَا حَرَامٌ....
روى الطَّبَرَانِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِي دُبُرِهَا فَأَوْهَمَ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَحَاشُّ النِّسَاءِ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ.
وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَقَالَ: حَلَالٌ أَوْ لَا بَأْسَ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ:
كَيْفَ قُلْتَ؟ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فنعم، أما مِنْ دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا فَلَا، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ».
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: بَينا أَنا وَمُجاهد جالسان عِنْد ابْن عَبَّاس إِذْ أَتَاهُ رجل فَقَالَ: أَلا تشفيني من آيَة الْمَحِيض قَالَ: بلَى فاقرأ ويسألونك عَن الْمَحِيض إِلَى قَوْله فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله فَقَالَ ابْن عَبَّاس: من حَيْثُ جَاءَ الدَّم من ثَمَّ أُمرت أَن تَأتي فَقَالَ: كَيفَ بِالْآيَةِ نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم فَقَالَ: أَي وَيحك وَفِي الدبر من حرث ؟! لَو كَانَ مَا تَقول حَقًا لَكَانَ الْمَحِيض مَنْسُوخا؛ إِذا شُغِل من هَهُنَا جِئْتَ من هَهُنَا!؟ وَلَكِن أَنى شِئْتُم من اللَّيْل وَالنَّهَار. انتهى (8 )
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ».
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو. أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى».
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا».
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ ابن حُمَيْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ: إِتْيَانُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ كُفْرٌ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ.
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ طَرْقٍ مِنْهَا عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ عمر مرفوعا، وعند النسائي مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ. وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا، وَعِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ طَلْقِ بْنِ يَزِيدَ أَوْ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه عند عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا، وَقَدْ ثَبَتَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَرْفُوعًا، وَمَوْقُوفًا...
قلتُ: ولا حجة فيما خالف ذلك من رواياتٍ وأغلبها لا يصح عند التحقيق عن أصحابها، وهم قلة في إباحة الوطء في الدبر. ( 9)
قال الشوكاني-:
وَقَدْ قَدَّمْنَا مِثْلَ هَذَا، وَلَيْسَ فِي أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ حُجَّةٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى أَقْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَمَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي فَهْمِهِ. وَقَدْ فَسَّرَهَا لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ وَأَكَابِرُ أَصْحَابِهِ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ هَذَا الْمُخْطِئُ فِي فَهْمِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَمَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ أَحَلَّتْ ذَلِكَ، وَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ، بَلِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، فَكَوْنُ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَازِلَةً فِي تَحْلِيلِهِ، فَإِنَّ الْآيَاتِ النَّازِلَةَ عَلَى أَسْبَابٍ تَأْتِي تَارَةً بِتَحْلِيلِ هَذَا، وَتَارَةً بِتَحْرِيمِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ...! ( 10)
قال الأستاذ محمد عبده: إن جنون المسلمين بالرواية، هو الذي حمل بعضهم على تفسير الآية بهذا المعنى الذي تتبرأ منه عبارتها العالية، ونزاهتها السامية، ولم يلتفتوا إلى ذوق التعبير ومراعاة الأدب في بيان هذه الأحكام كما رأوا في الآية الكريمة، فقد فاتهم فهم حكمها، كما فاتهم حكمتها ونزاهتها وأدبها.
ويعلق صاحب المنار: إن ما اختاره الأستاذ الإمام في تفسير (أنى شئتم) هو المأثور عن أئمة السلف والخلف، وهو ظاهر من لفظ الآية لا يشتبه فيه من له ذوق العربية، والروايات متعارضة متناقضة وأصحها حديث جابر عند الشيخين وأهل السنن وغيرهم، وهو أن سبب نزولها حظر اليهود إتيان الحرث بكيفية غير المعهودة عندهم، وزعمهم أن الولد يجيء أحول إذا كان العلوق بالوقاع من الطرف الآخر، وتكذبهم التجارب، وأما ما روي في إباحة الخروج عن سنة الفطرة فلا يصح منه شيء
، ولئن صح سندا فهو لن يصح متنا، ولا نخرج عن هدي القرآن ومحجته البيضاء لرواية أفراد قيل إنه لا يعرف عنهم ما يجرح روايتهم.
ويؤيد التفسير المختار قوله تعالى بعد ما تقدم: (وقدموا لأنفسكم واتقوا الله) إلخ.
فهذه أوامر تدل على أن هنا شيئا يرغب فيه وشيئا يرغب عنه ويحذر منه، أما ما يرغب فيه فهو ما يقدم للنفس وهو ما ينفعها في المستقبل، ولا أنفع للإنسان في مستقبله من الولد الصالح، فهو ينفعه في دنياه كما هو ظاهر، وفي دينه من حيث إن الوالد سبب وجوده وصلاحه، وقد ورد في الحديث: إن الولد الصالح من عمل المرء الذي ينفعه دعاؤه بعد موته، ولا يكون الولد صالحا إلا إذا أحسن والداه تربيته، فالأمر بالتقديم للنفس يتضمن الأمر باختيار المرأة الودود الولود التي تعين الرجل على تربية ولده بحسن خلقها وعملها، كما يختار الزراعة في الأرض الصالحة التي يرجى نماء النبات فيها وإيتاؤه الغلة الجيدة، ويتضمن الأمر بحسن تربية الولد وتهذيبه، وأما ما يحذر منه ويتقى الله فيه فهو إخراج النساء عن كونهن حرثا بإضاعة مادة النسل في المحيض أو بوضعها في غير موضع الحرث، وكذلك اختيار المرأة الفاسدة التربية، وإهمال تربية الولد; فإن الأمر بالتقوى ورد بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض والأمر بإتيانهن من حيث أمر الله تعالى وهو موضع الحرث والأمر بالتقديم لأنفسنا، فوجب تفسير التقوى بتجنب مخالفة هذا الهدي الإلهي. ا.ه(11 )
قال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان: قوله تعالى فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة "حيث" ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين.
إحداهما: هي قوله هنا فأتوا حرثكم لأن قوله فأتوا أمر بالإتيان بمعنى الجماع وقوله حرثكم يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى، لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري.
الثانية: قوله تعالى فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم لأن المراد بما كتب الله لكم الولد على قول الجمهور وهو اختيار ابن جرير. انتهى.
وأخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس (فأتوهن من حيث أمركم الله) يقول: في الفرج لا تعدوه إلى غيره فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى. انتهى (12 )
ويؤكد هذا المعنى الشريف للآيات، وهو استنباط عميق يراعي دور القرآن في بناء الشخصية المسلمة والمجتمع المؤمن على دعائم راسخةٍ نبيلةٍ؛ أقول يؤكد هذا المعنى سياق الآية متصلا بما قبلها كما اتصلت بما بعدها بما بينه صاحب المنار: فالآية قبلها يقول تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) وهو أمرٌ رباني رحيم للمؤمنين يراعي فيها طهارة المؤمن عن القذر ونجاته من ملابسة ما يمرضه، وتنزهه عن إهدار ماء الحياة في غير موضعه في زمنٍ تكون مناعة الجهاز التناسلي للمرأة هي أضعف ما يكون وتكون الميكروبات الفتاكة تملأ فرجها، وكذلك الألم يتلببه في كل موضع، فيمنعه الله تعالى عن ملابسة الفرج في زمن حيضها رحمةً منه للزوج والزوجة وحفظا لهما على السواء في لفتةٍ علمية رائعة في كلام الله تعالى وأمره الحكيم.
ثم يتعلق الأمر بذات الرحمة الربانية وفقه التشريع الإسلامي الحكيم فيمتد الحكم إلى فائدةٍ علمية أخرى لحفظ النسل وكذلك حفظ الصحة، فيتصل السياق القرآني أنه حين طهارة المرأة من الحيض يحل للزوج إتيانها ولكن في حيث أمر الله وهو الحرث المعد لاستقبال حفظ النوع البشري والذي وظيفته جهزته كي يتحمل الجماع بلا ضرر ولا ضرار، في حين يمنع الشرع الإتيان في الدبر الذي وظيفته في الإخراج وليس الجماع وذلك يجعل استعماله في غير ما خُلق له غاية المضرة: فقد أثبت الأطباء – وأنا بالمناسبة طبيب- أن ذلك يؤدي إلى نتائج وخيمة تبدأ بالالتهابات الشنيعة للدبر وللعضو الذكري حيث الميكروبات الفتاكة التي لا تلائم طبيعة الجماع وحيث الاحتكاك الشديد في غير وجود مسهلات العملية في مكان ليس معدا لذلك ثم ارتخاء صمامات الدبر، والإصابة بأنواع الدوالي فيه والبواسير، إلى أنواع السرطانات الجلدية من الاحتكاك الشديد في مكان لم يعد لذلك.
فهل هناك أحكم من هذا السياق القرآني واتصاله في رحمةٍ ربانية ممتدة عبر آيات الذكر الحكيم، ولذلك تختَم الآية السابقة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
قال صاحب المنار: إن الله يحب التوابين الذين إذا خالفوا سنة الفطرة بغلبة سلطان الشهوة فأتوا نساءهم في زمن المحيض أو في غير المأتى الذي أمر الله به، يرجعون إليه تائبين ولا يصرون على فعلهم السيئ ويحب المتطهرين من الأحداث والأقذار، ومن إتيان المنكر، بل هؤلاء أحب إليه من الذين يقعون في الدنس ثم يتوبون منه، ثم قال تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم بيَّن في الآية السابقة حكم المحيض، وأحل غشيان النساء بعده، وبيَّن في هذه الآية حكمة هذا الغشيان التي شرع الزواج لأجلها، وكان من مقتضى الفطرة وهي الاستنتاج والاستيلاد؛ لأن الحرث هو الأرض التي تستنبت، والاستيلاد كالاستنبات، وهذا التعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من قوله : فأتوهن من حيث أمركم الله أو بيانٌ له، فهو يقول: إنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر وأسباب المثوبة والقربة إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد، كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودا لذاته فتأتوا النساء في المحيض حيث لا استعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى، وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث. ا.ه( 13)
وأختم هذا المبحث بطريفةٍ: يذكرها الطباطبائي المفسر الشيعي أن ما استقر عليه مذهب الإثنا عشرية نقلا عن أئمتهم جواز إتيان المرأة في دبرها مع الكراهة الشديدة ولم يتعلقوا في تجويزهم بهذه الآية نساؤكم حرث لكم... وإنما استدلوا بقول لوط--في الآية إن هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين حيث عرض عليهم بناته وهو يعلم أنهم لا يريدون الفروج، ولم ينسخ الحكم بشئ من القرآن. ( 14)
أقول: هذا انتكاس في الفهم-أعاذنا الله منه-فإنه فيه من القدح في لوط--، وعدم فهم قضية النسخ التي تنسخ الأخبار والقصص، بجانب الاستدلال البعيد جدا.
وفي خلاصة هذا البحث وهذه المقاربة لنظام القرآن الذي يُراعي فيه جانب الرواية مضبوطا بجانب الدراية ومحفوظا بمقاصد الشرع وسياق الدين؛ تناولنا الآية من حيث سبب النزول والروايات المتعارضة فيها ورجحنا ما رجحه جمهور العلماء وأئمتهم بناءً على البنية اللغوية والدلالية، والتحليل السياقي للآيات، وربط مقاصد الشريعة بمقاصد القرآن بعامة من خلال هذه الآية.
ومن هنا نعلم أن تدبر وفهم القرآن على وجهه ليس مهمةً سهلة، وأن كلام المفسرين لا يؤخذ على علته، وأن الدرس المتجدد للقرآن لترجيح معانٍ على معانٍ هو مطلب ملح للمخلصين من الباحثين. والله وحده الهادي إلى سواء الصراط.

المصادر والحواشي:_
1- انظر (جامع الترمذي 5/215-216 ح 2979- ك التفسير، ومن سورة البقرة) . وأحمد في مسنده (6/318-319) , وأبو يعلى في المسند (12/407 ح 6972) ، والطبري في (تفسيره 2/369) ، ، والدارمي في (سننه 1/204-205 ح 1124) ، والبيهقي في سننه (7/195). قال الترمذي: هذا حديث حسن ... وصححه الألباني على شرط مسلم (آداب الزفاف ص 103) وللحديث شاهد من رواية ابن عباس - -، أخرجه أبو داود في سننه (2/618-620 ح 2164) وفيه تفسير الآية بقوله: أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك: موضع الولد. (وانظر مرويات الدارمي في التفسير ص 101-102 ح 159)
2- انظر لتمحيص الروايات تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 588) وما بعدها، وكذلك راجع الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (1/ 626).
3- المسند (1/297) وسنن الترمذي برقم (2980). قال الحافظ في الفتح 9/ 257 (كتاب التفسير: سورة البقرة-باب نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) : أخرجه أحمد والترمذي من وجه صحيح عن ابن عباس قال: فذكره". (وحسنه الترمذي، وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات (مجمع الزوائد 6/319)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وحسنه الألباني في (آداب الزفاف) (28 ـ 29) وفي في صحيح سنن الترمذي.
4- تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (6/ 421)
5-تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 459)
6- انظر ابن جرير الطبري في تفسيره (4/ 397) مختصرا، وكذا راجع تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 299)
7- تفسير الطبري واحاشية شاكر (4/ 397) قال الشيخ محمود محمد شاكر معلقا على تناول الطبري الراقي للمسألة: حجة أبي جعفر في هذا الفصل من أحسن البيان عن معاني القرآن وعن معاني ألفاظه وحروفه وهي دليل على أن معرفة العربية، وحذقها والتوغل في شعرها وبيانها وأساليبها أصل من الأصول، لا يحل لمن يتكلم في القرآن أن يتكلم فيه حتى يحسنه ويحذقه. ورحم الله محمد ابن إدريس الشافعي حيث قال-فيما رواه الخطيب البغدادي عنه في كتاب "الفقيه والمتفقه": "لا يحلُّ لأحدٍ أنْ يُفْتِي في دِينِ اللهِ إلّا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومشابهه، وتأويله وتنزيله ومكيِّه ومدنيِّه، وما أريدَ به ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله وبالناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ويكون بصيرًا باللغة بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار وتكون له قريحةٌ بعد هذا. فإذا كانَ هكذا فله أنْ يتكلّم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكنْ هكذا، فليس له أن يفتي". انتهى.
فليت من يتكلم في القرآن والدين من أهل زماننا يتورع من مخافة ربه، ومن هول عذابه يوم يقوم الناس لرب العالمين. انتهى
8-انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور (1/ 630)
9-وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن المسيب ونافع وابن عمرو وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، حَكَاهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ: وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابٍ لَهُ يُسَمَّى «كِتَابَ السِّرِّ» وَحُذَّاقُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمَشَايِخُهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ الْكِتَابَ، وَمَالِكٌ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ كِتَابُ سِرٍّ، وَوَقَعَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّ ابْنَ شَعْبَانَ أَسْنَدَ جَوَازَ ذَلِكَ إِلَى زُمْرَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَإِلَى مَالِكٍ مِنْ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِ: «جِمَاعِ النِّسْوَانِ وَأَحْكَامِ الْقُرْآنِ» وفي عزوه ذلك لكثير من الصحابة والتابعين نظر، إذ كان جمهورهم على تحريم إتيان الدبر.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: رَوَى أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي شَكَّ فِي أَنَّهُ حَلَالٌ، يَعْنِي: وَطْءَ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، ثُمَّ قَرَأَ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ثُمَّ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا. قلتُ-متأمله: وليس والله ببين وإنما فيه نظر كثير، وهو وهمٌ في فهم الآية وتأويلها كما مر.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ مَالِكٍ مِنْ طُرُقٍ: مَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ ذَلِكَ. وَفِي أَسَانِيدِهَا ضَعْفٌ.
وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْلِيلِهِ وَلَا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ حَلَالٌ. وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ. قلتُ-الباحث: وأكد البيهقي على استقرار مذهب الشافعي على التحريم وربما كان ذلك في مذهبه القديم وعدل عنه.
وقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: كَانَ الرَّبِيعُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كَذَبَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ مِنْ كُتُبِهِ.
راجع فتح القدير للشوكاني (1/ 260)، وتفسير تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 588) وما بعدها.
10-راجع فتح القدير للشوكاني (1/ 263) المصدر نفسه.
11-تفسير المنار (2/ 288)
12- الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور للدكتور بشير حكمت ياسين(1/ 336)
13- تفسير المنار (2/ 287) المرجع السابق
14- الميزان في تفسير القرآن 2/224 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت.