النفس والشيطان
أخطر ظواهر العصر: محاولات تبرئة الشيطان والتقليل من خطره
بقلم الريح عبد القادر محمد عثمان

ملايين الناس يفهمون الآية الكريمة "إن كيد الشيطان كان ضعيفاً" فهماً مغلوطا وقاصراً، فيعتقدون، بناء على سوء فهمهم ذلك، أن النفس أشد خطورة من الشيطان، وأن كيد النساء أقوى من كيد الشيطان، مستدلين بقوله تعالى في سورة يوسف "إن كيدهن عظيم"؛ وهكذا، ببساطة، يستهينون بأخطر شيء في الكون، إلا وهو كيد الشيطان.

إن ضعف كيد الشيطان المذكور في الآية الكريمة ليس أمام قوتك وجبروتك إنت أيها الإنسان الضعيف الجاهل المغرور، فإنت لا حول لك ولا قوة، بل هو ضعف أمام كيد الله المتين. أما كيد النساء، فإنه عظيم حقاً، ولكنّ عظمته إنما هي أمامكم أنتم أيها الرجال، المملوءة قلوبكم بالرغبة والشبق، والخالية رؤوسكم من فهم عقلية النساء وطرائق تفكيرهن. إذن، فإن سياق الضعف في الآية الأولى مغاير تماما لسياق القوة في الآية الثانية؛ وبالتالي فلا مجال للمضاهاة بينهما. في الآية الأولى نجد ضعفاً أمام قوة الخالق سبحانه تعالى وعزته ومتانة كيده؛ أما في الآية الثانية فنجد قوةً أمام مخلوقات ضعيفة أصلاً، وقد زادتها ضعفاً شهواتُها ورغباتها.
وثمة جانب آخر في السياق يغفله الناس، وهو أن آية كيد النساء إنما جاءت على لسان عزيز مصر وحكايةً عن رأيه هو، وليس تقريرا ربانياً. فعزيز مصر رأي كيدا تضرر منه شخصياً فرآه عظيماً بناءً على تجربته الشخصية، ويحق لنا أن نؤيده أو نخالفه. أما آية ضعف كيد الشيطان فهي تقرير رباني يوضح لنا أن كيد الشيطان، رغم قوته علينا نحن المخلوقين، ضعيف أمام كيد الله المتين.
ويقترف المستهينون بخطر الشيطان خطأً آخر حين يقارنون بين الشيطان والنفس، فيقولون إن النفس أخطر من الشيطان، مستشهدين بـ "إن النفس لأمارة بالسوء"، وبحديث "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك". لا شك أن النفس تأمرنا بالسوء، ولكنه أمرٌ يأتي استجابة لأمر الشيطان لها. بمعنى آخر، إنّّ من يقف من وراء النفس الإمارة بالسوء هو الشيطان: يأمرُها فتأْتمرُ فتأمرُ هي صاحبها.
ولئن كانت النفس أمارة بالسوء، فإنها، مع ذلك، لوامة، تلوم صاحبها على ما ارتكبه من ذنوب وما قصر فيه من الطاعات. فهل الشيطان يلوم أحداً على ارتكاب المعاصي وعلى التفريط في تحصيل الحسنات؟ كلا، إن الشيطان شر مطلق، مقارنة بالنفس التي تجتمع فيها نوازع الخير والشر في آن معاً.
وفوق كون النفس لوامةً، قد تكون النفس مطمئنة، يرضى عنها ربها ويرضيها. فهل للشيطان اطمئنان؟ وهل يرضى عنه ربه ويرضيه؟ الإجابة لا بالطبع. فهل من بعد هذا من مسوغٍ حتى للمقارنة بين الشر المطلق الذي يمثله الشيطان والتنازع بين الخير والشر الذي تمثله النفس؟
ما أكثر الآيات التي تخبرنا بأن الشيطان عدو مبين لنا، وقد أمرنا ربنا بأن نتخذه عدوا: "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا" لأنه "يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير"، فهل النفس تريد لصاحبها أن يدخل عذاب السعير؟ كلا، فحتى النفوس الضالة تطمع أن تدخل جنة النعيم، ولكن الشيطان يغويها فيزحزحها إلى النار.
نعم، إن النفس تشكل خطراً كبيراً على صاحبها، لسبب واحد، هو أنها تستجيب لإغواء الشيطان لها بكامل إرادتها، ولذلك فهي تتحمل المسؤولية كاملةً والتبعات كافة. وبهذا المعنى فهي أيضاً عدو لصاحبها. ولأنها من ذوي القربى، بل الأقرب (بل هي صاحبها نفسه)، كانت عداوتها أشد مضاضة على صاحبها من عداوة الشيطان. ولا بد لنا من أن نوضح أن الفرق جوهري بين عدواة النفس للإنسان وعداوة الشيطان للإنسان.
عداوة الشيطان مطلقة وحقيقية؛ أما عدواة النفس لصاحبها فظرفيةٌ ومجازية. لا تعني عداوة النفس لك أن تتخذها عدوا حقيقيا فتحاربه لتقتله ولتلقيه في أتون السعير؛ وأنت لا تدعو على نفسك، بسبب عداوتها لك، فتقول: ربي ألعن نفسي لعناً كبيراً وأدخلها النار مخلدةً فيها. ما عداوة النفس لصاحبها إلا عداوة مجازية، بغرض توخي الحذر منها، والسهر على تأديبها، وعدم تلبية كل رغباتها، وإكراهها أحياناً على ما لا تحب. إنها عداوة مجازية، تأديبية، فيها الكثير من الرفق، وتقوم على الأمل في إصلاحها وانتشالها من حضيضها، وزحزتها عن النار. أما عداوة الشيطان فهي عداوة حقيقية: نحن نريد له الهلاك واللعنة والخلود في نار جهنم، ولا نأمل منه انصلاحا، ولا نرجو له هداية أبداً. أما النفس فنحن نترفق بها، ونأمل منها أن ترعوي، وأن تنتهي عن الهوى، وأن تصير لوامة ثم مرضية، إنْ سددنا عنها طرق الفساد والإفساد، وحملناها حملا على السير على طريق الهداية والرشاد.
وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم حديث "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك". فهو حديث ذو مدلول مجازي، وغايته ترهيبية وترغيبية في آن معاً: ترهيب من ترك النفس على هواها، وترغيب في كبح جماحها، ولا يعني أبداً أن نقتل أنفسنا أو أندعو الله أن يعذبها.
وعداوة النفس، في مجازيتها وظرفيتها، تشبه عدواة أزواجنا وأولادنا وأصحابنا لنا. فعندما يدفعك هؤلاء إلى الضلال أو الظلم، فإنهم يصبحون بمثابة العدو الذي يريد لك الشر. ولكن، بالطبع، لست أنت مدعوا لإشهار السيف وإعماله على رقابهم، ولست مدعوا إلى الدعوة عليهم باللعنة والعذاب، بل يجب أن تدعو لهم بالهداية والمغفرة، وكل عداوتك لهم إنما هي في الحذر منهم. وكل هذا مما لا نفعله مع عدونا الحقيقي المطلق: الشيطان الرجيم.
الشيطان الرجيم هو عدوك المبين: لأنه يريد أن يوردك السعير؛ أما نفسك، فمهما دعتك إلى الشر، فإنها تطمع في دخول الجنة؛
الشيطان هو عدوك المبين، لأنه يشجعك دائماً على المعاصي؛ أما النفس فقد تلومك أحياناً، وتجعلك تكف عن ارتكاب المعاصي؛
الشيطان هو عدوك المبين لأن الله لن يرضى عنه أبدا؛ أما النفس فقد يرضى الله عنها ويرضيها؛
الشيطان هو عدوك المبين لأنك لا تستطيع أن تُنهيه عن اتباع هواه، ولو نهيته لن ينتهي ولن يتوب ولن يثوب إلى رشده؛ أما نفسك فيمكن أن تنتهي إن نهيتها فتثوب إلى رشدها وتؤوب إلى ربها؛
الشيطان، عدوك المبين، لن يدخل الجنة أبداً، أما نفسك فقد تدخل الجنة برحمة ربها.
النفس في اختبار؛ أما الشيطان فإنه في انتظار العذاب المهين. وشتان ما بين مَن لا يزال في اختبار، وبين من حكم عليه ربه وبات ينتظر عذابه.
قوة كيد الشيطان علينا
قلنا إن ضعف كيد الشيطان إنما هو بالمقارنة بمتانة كيد الله القوي المتين. وإن الحمق المودي بصاحبه إلى الهلاك المبين أن يظن أحدنا أن كيد الشيطان له ضعيف. إنه الغرور القاتل. كيف نستضعف كيد الشيطان والشيطان قد أقسم على التآمر علينا لإدخالنا النار؟ هل أقسمت نفوسنا على إدخالنا النار؟
كيف نستخف بكيد الشيطان والشيطان موجود قبلنا في الكون وعاصر أولنا وآخرنا، ويعرف الكبيرة والصغيرة عنا؟
كيف نستهين بكيد الشيطان وهو يرانا ولا نراه، ويدخل بيوتنا، ويطلع على خبايانا وأسرارنا، ويجري منا جري الدم في العروق؟
كيف نقلل من شأن كيد الشيطان والله يحذرنا ويقول لنا أن النجاة من الشيطان ليست بالاعتداد بقوتنا، بل بالفرار إلى الله سبحانه تعالى والاستجارة عنده والاستعاذة به. إن "الفرار إلى الله" المقصود في الآية الكريمة ما هو إلى فرار من الشيطان والاحتماء بالله منه، فالله هو الوحيد القادر على حمايتنا من الشيطان.
كيف نهوِّن على أنفسنا أمر الشيطان وما حذر القرآن من شيء تحذيرَه من الشيطان؟! إن كنتَ تعتقد أن أشد ما حذر منه القرآن الكريم هو الشرك، فاعلمْ أن الشرك كله، لا بعضه، من الشيطان؛ كل الأصنام التي تعبد يقف الشيطان وراءها؛ والشرك الأخطر من عبادة الأصنام هو الكِبْر، وأول من تكبر فأشرك وسنّ الكبر هو الشيطان الرجيم. نعم أشد تحذير القرآن لنا وأهمه هو تحذيره لنا من الشيطان وكيده، ولذلك فنحن نستعيذ بالله من الشيطان قبل تلاوة القرآن؛ ولا نستطيع أن نؤمن بالله إنْ لم نكفر بالشيطان: "ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى".
كيف نخفف من خطر الشيطان وهو الذي أخرج أبوينا من الجنة، وما مِن دليل على أنهما كانا سيخرجان منها لولا قوة إغواء الشيطان لهما؟ كيف لا نفزع إلى الله فارين من كيد الشيطان وقد انهار عزم أبينا آدم أمام ذلك الكيد، مع أن أبانا آدم من الرسل المقربين أولى العزم؟

لا يستطيع أعتى أعدائنا من البشر أن يفعل بنا معشار ما يفعله الشيطان. فهل يستطيع عدونا من البشر أن يحتجب عن رؤيتنا، ثم، وهو في احتجابه، أن يوحي لنا، ويملي علينا، ويزين لنا، ويخوفنا، ويحزننا، ويمنِّينا، وأن يجلب علينا بخيله ورجله، وأن يشاركنا في الأموال والأولاد، وأن يعدنا فنصدقه، وأن يتجسس علينا 24 ساعة في اليوم، العمر كله، وأن ينسينا أشياء ويذكرنا أخرى، كل ذلك تبعاً لرغبته في إغوائنا وتخطيطه لإضلالنا؟
هل نملك من تلقاء أنفسنا قوة تنجينا من وسوسته وحضوره ونفخه وهمزه ورجزه وإيحائه وتسويله وإملائه؟
معنى الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم
لا بد لنا من وقفة أمام معنى الاستعاذة. إن الاستعاذة بالله فعلٌ تعبّدي، وليس مجرد كلمات طلسمية تقال لطرد الشيطان فينطرد بصورة آلية. عندما تقول "أعوذ بالله" فأنت تعلن عبوديتك لك، فيجب، إذن، أن يكون قلبك سليماً من كل شرك وكل كبر، وأن تتوب جوارحك من جميع المعاصي، وإلا فإن استعاذتك بالله كاذبة.
استعاذتك بالله من الشيطان الرجيم تستلزمك تقربك إلى الله . والطريقة الوحيدة للتقرب إلى الله هي السجود الحركي، كما في الصلاة، والسجود المعنوي، وهو التواضع في القلب. يرمز السجود الحركي للعبادة، ويرمز السجود المعنوي، الذي هو التواضع، إلى العبودية. ولا تقرب إلى الله إلا بهذين: العبودية والعبادة، ومعلوم أن العبودية قبل العبادة وفوقها؛ والعبودية شرط العبادة اللازم.
عندما يتقرب العبد إلى ربه يضعف كيد الشيطان. كيد الله هو الكيد المتين؛ وكيد الشيطان هو الكيد الضعيف. يأتي إلينا الشيطان من أمامنا، ومن خلفنا، وعن يميننا وعن شمالنا، ولكنه لا يستطيع أن يأتي إلينا من الأسفل، أي من مكان السجود والتواضع، لأن الشيطان تكبر ورفض السجود لله لخلقه آدم؛ ولا يستطيع الشيطان أن يأتي إلينا من أعلى، إذ إن هناك يد الله ترفع كل ساجد متواضع، وتقمع كل متكبر متطاول ومستنكف.
ثلاثة أوجه لضعف كيد الشيطان
لضعف كيد الشيطان ثلاثة أوجه:
أولاً بالمقارنة مع كيد الله المتين، ولا مقارنة؛ وثانياً لأن الشيطان سد علينا أربع جهات، هي الأمام والخلف واليمين والشمال؛ وترك لنا جهة خامسة مفتوحة لا يستطيع هو أن يصل إليها، وهي مكان السجود والتواضع، وجهةً سادسة لا يستطيع أن يرقى إليها، وهي مكان الرفعة، حيث يد الله ترفع الساجدين المتواضعين. أما الوجه الثالث لكيد الشيطان فهو أن الشيطان لا يسوقنا سَوقاً بالقوة إلى المعصية، بل يأمرنا فنطيع. وهنا، كما قلنا، تكمن عداوة النفس لنا: يأمرها الشيطان فتأتمر. بيد أن أمر الشيطان للنفس ليس بالأمر بالهين، فالشيطان يخطط له ويضع له الوسائل والحيل التي تجعل أكثرنا يطيعه طاعة الخراف الغافلة. إنه أمر شديد الوطأة حتى على نفوس الأنبياء والصالحين، وما خروج أبوينا من الجنة إلا دليل على شدة وطأة ذلك الأمر.
وأخيرا، وليس آخر، فإن كل ما ذكرناه "كوم"، وما نختم به "كوم" آخر.
إن التقليل من خطر الشيطان والتشديد على خطر النفس ما هو إلا أحبولة من أحابيل الشيطان تترتب عنها نتيجة يخطط الشيطان لحصولها: إلا وهي انصراف البشر عن الاستعاذة بالله منه. ووالله كل من لم يستعذ بالله ويفر إليه خوفاً من الشيطان يصبح كالحمل الغرير في وجار الذئب. من اعتقد أن "الشيطان ضعيف"، وأن نفسه أقوى من الشيطان، يكون قد سقط في فخ العُجب بالنفس، فيصبح فريسة سهلة للشيطان. أجل، مجرد ظنك أن كيد نفسك أقوى من كيد الشيطان ينطوي، بشكل ما، على عجبك بنفسك البشرية، والعجب بالنفس هو الذي أهلك الشيطان. والشيطان يريدنا أن نهلك جميعاً بما هلك هو به.
ففروا بنا إلى الله مستعذين به من الشيطان الرجيم، فتالله لا يُضعف كيدَ الشيطان إلا كيدُ الله المتين.