رأيٌ في توجيه قراءة أبي جعفر: " بما حفظَ اللهَ"
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، وبعد؛
فقد قرأ الإمام أبو جعفر قول الله تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظَ اللهُ) [النساء: 34]، قرأه بنصب لفظ الله: (بما حفظ اللهَ) والجمهور على قراءته بالرفع.
وقد استشكل البعضُ قراءة أبي جعفر، والإشكال فيها راجعٌ إلى خفاءِ الفاعل، وما يؤول إليه معنى الكلامِ على تقديره.
وفي هذه المقالة الموجزة أقدّم – بإذن الله وتوفيقه – رأيًا اجتهاديًّا في توجيه قراءة الإمام أبي جعفر لم أقف عليه في كلام الأئمة الذين تناولوا هذه القراءة بالتفسير والتوجيه.
(1) توجيه قراءة الجمهور:
وجَّه المفسّرون قراءة الجمهور بالرفع بما لا إشكال فيه، وحاصل كلامهم أنَّ (ما) في قوله تعالى: (بما حفظ الله)، إمَّا أن تكون مصدرية، أو موصولة:
فعلى تقدير (ما) المصدرية: يصلح الكلام لمعنيين:
الأول: أنَّ الصالحات حافظاتٌ للغيبِ بحفظِ الله إيّاهنَّ، أيْ بتوفيق الله لهنَّ أن يكنَّ حافظاتٍ، فإنَّ الله عزّ وجل لو لم يوفقهنَّ إلى ذلك لم يكنَّ كذلك، فهو من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، والحفظ – على ذلك – هو الحفظ الكونيُّ.
الثاني: أن يكون المقصود بحفظ الله، بما استحفظهنَّ الله إياه، أي: ما أمرهم الله بحفظه، فهو من الحفظ الشرعي التكليفيّ. ويكون المعنى أنَّهنَّ حافظات للغيبِ بسبب أنّهنَّ حفظنَ ما استحفظهنَّ الله، وراعيْنه، فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها.
وعلى تقدير (ما) الموصولة: يكون المعنى: بالذي حفظه الله لهنَّ، والعائد ضمير المفعول، أي يجب أن يكنَّ كذلك؛ قيامًا بحقِّ ما أوجبه الله لهنَّ على الرجال من المهر والنفقة وحسن العشرة، فهذا ما حفظه لهنَّ، وهو من جملة الأسباب الشرعية والكونية التي قدّرها الله سبحانه لحفظهنَّ.
(2) توجيه قراءة أبي جعفر:
للعلماء في توجيه قراءة أبي جعفر مذاهب؛ منها:
(أ) أن تكون (ما) موصولة بمعنى (الذي)؛ أيْ بالأمر الذي يحفظ حقَّ الله، وحقُّ الزوج تبعٌ له، فيكون العائد هو ضمير الفاعل، قال الزمخشري: «وقرئ (بِما حَفِظَ اللَّهُ) بالنصب على أنّ ما موصولة، أي حافظات للغيب بالأمر الذي يحفظ حق اللَّه وأمانة اللَّه، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم»[1]. وهذا وجهٌ حسن. وفيه تعظيمٌ وتفخيمٌ لهذا الخُلُقِ الحميد الذي وُفّقنَ به إلى حفظ حقِّ الله وحقِّ الزوج، وملاكه العفاف والحياء والتحصُّن والتقوى والنُّصح.
(ب) على تقدير ضمير فاعل محذوف؛ أي: بما حفظْن الله، وهو وجهٌ ضعيف؛ فإنَّ حذف الضمير من مثل هذا قبيح؛ لا يجوز إلا في الشعر؛ كما قال الأعشى:
فإما تريني ولي لـمَّةٌ فإنّ الحوادث أودى بها
يريد أودين بها[2].
قال أبو حيان: «والأحسن في هذا أن لا يقال إنه حذف الضمير، بل يقال: إنه عاد الضمير عليهن مفردًا، كأنه لوحظ الجنس، وكأن الصالحات في معنى من صلح، وهذا كله توجيه شذوذ أدى إليه قول من قال في هذه القراءة: أن ما مصدرية. ولا حاجة إلى هذا القول، بل ينزه القرآن عنه»[3].
والذي أذهب إليه في هذه المقالة قولٌ ثالث:
الوجه الثالث: الذي لم أقف على أحدٍ نوّه به، أن يكون ضمير الفاعل في (حَفِظَ) عائدًا إلى الزوج، أي حافظات للغيب بما حفظ الزوجُ حقَّ الله عزَّ وجلَّ. فإن قيل: لم يسبق ذكر للزوج؛ قلتُ: في التعبير بـ(الغيب) ما يشبه الذِّكرَ للزوج، فإنَّ معنى (حافظات للغيب) أي حافظات للزوج فيما غاب عنها فيه، وهو قول عامة السلف والمفسرين. وإذا كان عَوْد الضمير على غير مذكورٍ سائغًا، وكثيرًا في القرآن واللغة، وشواهده أكثر من أن تُحصى، فإنَّ عَوْده على ما يُشبه المذكور أسوغُ وأجوزُ.
فإذا استقام هذا - وهو قيِّمٌ بإذن الله – آلَ الأمر إلى معنيين:
الأول: أنَّ الزوجة الصالحة تقابل حفظَ زوجها حقَّ الله فيها بأن تحفظ حقَّ الله فيه. فالباء في (بِما حفظ) للمجازاة. فهو حفظٌ تكليفيٌّ شرعيٌّ.
الثاني: أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُيسّر لها سُبُل الصلاح بصلاح زوجها. فهو من الحفظ الكونيّ.
أي: بما راعى زوجها حقَّ الله وحدوده واتّقاه يسَّر الله عليها أن تكون حافظةً كذلك، كما في قوله تعالى: و"كان أبوهما صالحًا" فحفظ الله مالهما بصلاح أبيهما. والإحسان جزاء الإحسان. وهو وجهٌ نفيسٌ.
وبعدُ؛ فهذه التوجيهات للقراءتينِ مما يستبينُ به للمنصِفِ إعجاز القرآن الكريم في قراءاته.
والحمد لله ربِّ العالمين.


[1] تفسير الزمخشري (1/ 506).

[2] ينظر: المحرر الوجيز (2/ 47).

[3] البحر المحيط (3/ 625).