قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:31-32]

ولا تكونوا من المشركين الذين بدلوا دينهم، وغيروا فيه، وآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، فأصبحوا فرقا وشيعا، وظن كل فريق منهم أنه على شيء من الدين الصحيح والهدى، ففرح بذلك. (1)
ينهى تعالى المؤمنين أهل الدين القيم الذي هو الإِسلام أن يكونوا من المشركين في شيء من ضروب الشرك عقيدة أو قولا أو عملا. فكل ملة غير الإِسلام أهلها مشركون كافرون سواء كانوا مجوساً أو يهوداً أو نصارى أو بوذة أو هندوكاً أو بلاشفة شيوعيين إذ جميعهم فرقوا دينهم الذي يجب أن يكونوا عليه وهو دين الفطرة وهو الإِسلام، وكانوا شيعاً أي فرقاً وأحزاباً كل فرقة تنتصر لما هي عليه وتنحزب له. فأصبح كل حزب منهم بما لديهم من دين فرحين به ظناً منهم أنه الدين الحق وهو الباطل قطعاً، لأنه ليس دين الفطرة التي فطر الله عليها الإِنسان وهو الإِسلام القائم على توحيد الله تعالى وعبادته بما شرع لعباده أن يعبدوه به ليَكْمُلُوا على ذلك ويسعدوا. (2)
ولا تكونوا من المشركين ممن يشرك به غيره في العبادة من الذين فرقوا دينهم بدل من المشركين؛ بإعادة الجار، أي: لا تكونوا من الذين جعلوا دينهم أدياناً مختلفة باختلاف ما يعبدونه؛ لاختلاف أهوائهم. وقرأ الأَخَوَان: (فارقوا) أي: تركوا دين الإسلام الذي أُمروا به، وكانوا شِيَعاً أي: فرقاً، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها، أي: تشيعه، وتقوي سواده كل حزب منهم بما لديهم فرحون؛ مسرورون، ظناً بأنه الحق، ثُم يبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. والعياذ بالله. (3)
فالمراد بالدين دين الإسلام. ومعنى مفارقتهم إياه ابتعادهم منه، فاستعيرت المفارقة للنبذ إذ كان الإسلام هو الدين الذي فطر الله عليه الناس فلما لم يتبعوه جعل إعراضهم عنه كالمفارقة لشيء كان مجتمعا معه، وليس المراد الارتداد عن الإسلام.
والشيع: جمع شيعة وهي الجماعة التي تشايع، أي توافق رأيا، والحزب: الجماعة الذين رأيهم ونزعتهم واحدة. و بمَا لَدَيْهِمْ هو ما اتفقوا عليه. والفرح: الرضا والابتهاج. وهذه حالة ذميمة من أحوال أهل الشرك يراد تحذير المسلمين من الوقوع في مثلها، فإذا اختلفوا في أمور الدين الاختلاف الذي يقتضيه اختلاف الاجتهاد أو اختلفوا في الآراء والسياسات لاختلاف العوائد فليحذروا أن يجرهم ذلك الاختلاف إلى أن يكونوا شيعا متعادين متفرقين يلعن بعضهم بعضا ويذيق بعضهم بأس بعض. (4)
وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي: بل من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه. قال ابن جرير: حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر -- بمعاذ بن جبل –- فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن من المنجيات: «الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فَطرَ الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة». فقال عمر: صدقت. (5)
ولا تكونوا من المشركين أي: لا تكونوا ممن يدخل في عدادهم بمواددةٍ أو معاشرةٍ أو عملٍ تشابهونهم فيه، فإنه من تشبه بقوم فهو منهم، وهو عامّ في كل مشرك سواء كان بعبادة صنمٍ أونارٍ أو غير ذلك.(6)
وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين قال المفسرون: يعني ولا تشركوا بعد الإيمان أي ولا تقصدوا بذلك غير الله، وههنا وجه آخر وهو أن الله بقوله: مُّنِيبِينَ أثبت التوحيد الذي هو مخرج عن الإشراك الظاهر وبقوله: وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين أراد إخراج العبد عن الشرك الخفي أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ولا تطلبوا به إلا رضاء الله فإن الدنيا والآخرة تحصيل وإن لم تطلبوها إذا حصل رضا الله وعلى هذا فقوله: مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً يعني لم يجتمعوا على الإسلام، وذهب كل أحد إلى مذهب، ويحتمل أن يقال وكانوا شيعاً يعني بعضهم عبد الله للدنيا وبعضهم للجنة وبعضهم للخلاص من النار، وكل واحد بما في نظره فرح، وأما المخلص فلا يفرح بما يكون لديه، وإنما يكون فرحه بأن يحصل عند الله ويقف بين يديه وذلك لأن كل ما لدينا نافد لقوله تعالى: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ [النحل: 96] فلا مطلوب لكم فيما لديكم حتى تفرحوا به وإنما المطلوب ما لدى الله وبه الفرح كما قال تعالى: بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ [آل عمران: 169-170] جعلهم فرحين بكونهم عند ربهم ويكون ما أوتوا من فضله الذي لا نفاد له، ولذلك قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [يونس:58] لا بما عندهم فإن كل ما عند العبد فهو نافد، أما في الدنيا فظاهر، وأما في الآخرة فلأن ما وصل إلى العبد من الالتذاذ بالمأكول والمشروب فهو يزول، ولكن الله يجدد له مثله إلى الأبد من فضله الذي لا نفاد له فالذي لا نفاد له هو فضله. (7)
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب وانجذاب دواعيه لمراضي اللّه تعالى. ويلزم من ذلك حمل البدن بمقتضى ما في القلب فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة فلذلك قال: وَاتَّقُوهُ فهذا يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات.
وخص من المأمورات الصلاة لكونها تدعو إلى الإنابة والتقوى لقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فهذا إعانتها على التقوى. ثم قال: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فهذا حثها على الإنابة. وخص من المنهيات أصلها والذي لا يقبل معه عمل وهو الشرك فقال: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لكون الشرك مضادا للإنابة التي روحها الإخلاص من كل وجه.
ثم ذكر حالة المشركين مهجنا لها ومقبحا فقال: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ مع أن الدين واحد وهو إخلاص العبادة للّه وحده وهؤلاء المشركون فرقوه، منهم من يعبد الأوثان والأصنام. ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين ومنهم يهود ومنهم نصارى.
ولهذا قال: وَكَانُوا شِيَعًا أي: كل فرقة من فرق الشرك تألفت وتعصبت على نصر ما معها من الباطل ومنابذة غيرهم ومحاربتهم.
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ من العلوم المخالفة لعلوم الرسل فَرِحُونَ به يحكمون لأنفسهم بأنه الحق وأن غيرهم على باطل، وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق بل الدين واحد والرسول واحد والإله واحد.
وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها اللّه وربطها أتم ربط، فما بال ذلك كله يُلْغَى ويُبْنَى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضا، ويتميز بها بعضهم عن بعض؟
فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها للمسلمين؟
وهل السعي في جمع كلمتهم وإزالة ما بينهم من الشقاق المبني على ذلك الأصل الباطن، إلا من أفضل الجهاد في سبيل اللّه وأفضل الأعمال المقربة إلى اللّه؟ (8)

الهوامش

  1. أيسر التفاسير لأسعد حومد: 1/3323
  2. أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري: 3/232
  3. البحر المديد، تفسير ابن عجيبة:5/7
  4. التحرير والتنوير:21/53
  5. تفسر ابن كثير: 6/316
  6. تفسير السراج المنير:1/3212
  7. التفسير الكبير للرازي: 12/236
  8. تفسير السعدي:1/640



د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com