من بلاغة القران الكريم(موضوع رقم 24) في اية ((وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)البقرة
6-في الاية المقصودة وردت الأسماءُ أربعَ مراتٍ ،ما يدلُ على أنَّ التكرار قد جاء للتوكيد على أنها أسماء محددة وليست أشياء مطلقة ، وهكذا فلو أراد الله تعالى الأشياءَ لذكرها ولو مرة واحدة!
وكذلك في قوله ((ثم عرضهم على الملائكة)) فالضمير (هم) في عرضهم هو للعاقل فلو كانت أسماء للأشياء لكان الضمير (عرضها)، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى في استعماله (هؤلاء) اسم إشارة للعاقل قال تعالى((: إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين )) الدخان35 ،وقال تعالى:((وما ينظر هؤلاءِ إلا صيحةً واحدة ما لها من فواق))ص(15)، وقال تعالى((إن هؤلاء متبرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون)).الأعراف (139).
7-جاءت لفظة الأسماء في القران الكريم في اكثر من موقع دلت فيه على أسماء ما يُعبد من دون الله ،قال تعالى على لسان سيدنا يوسف ((مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ))يوسف (40) وقال تعالى:(( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23) النجم، وقال تعالى على لسان نبي الله تعالى هود :(( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71)الأعراف.
وقال تعالى :(( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ67 (الأنبياء) فهنا يُلاحظ ويظهر الربط بين (هؤلاء) وقصد بهم ما يعبدون من دون الله من أصنام كانت في الأصل أسماءً لبشر صاروا يعبدونهم ،وقد نزلهم منزلة العاقل استخفافا بعقول قومه من ناحية ومن ناحية أخرى أعادها إلى أصلها الادمي تلك التي عبدوها.
8-وليس صحيحاً ما ذهب بعض المفسرين أن الأسماء التي عُلِّمَها ادم هي أسماء الملائكة، فهل عرض الله تعالى على الملائكة أسماءهم فلم يعرفوها؟ وهل الملَك الذي يسبح بحمد ربه ويقدس ويسجد له ويفعل ما يؤمرُ به لا يعرف اسمه ! ويدحض هذا الرأي قوله تعالى ((فقال أنبوني بأسماء هؤلاء)) فهؤلاء ليست لهم بل إشارة لغيرهم .
8-ثمَّ هل كانت الملائكةُ قبل خلق ادم لا تعلم شيئاً عن الأرض وما فيها وهي التي قالت((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)) فقولهم(فيها) يعني أنهم يعرفونها ،فهل يعرفونها ولا يعلمون شيئاً عما فيها ؟ وقولهم (يسفك الدماء) يعني أنهم يعلمون الدم لأن الدم شيء ،أليس كذلك !وهل يعلمون الفساد وسفك الدماء ولا يعلمون الجبال والبحار والحجارة والخيل والأشجار والرياح .....الخ؟
وهل الملائكة التي أوكل الله تعالى لهم بإذنه مهامَّ كثيرة حينَ أوحى في كل سماء أمرها وجعل من الملائكة لكل سماء سدنة، وحراساً، وهناك الحفظَة، والكتبة، وهناك الموكلون بالرياح والأمطار، وللجنة ،وللنار ، ...الخ فهل كانت الأرض خارج هذه المهام؟
ويبدو أن لسان حال الملائكة -مما تكتمه - كأنه يقول :وهل سيكون في ملكك ربنَّا منُ يكفر بك ويشرك معك ويعصيك، وأنت مالكُ الملك وربُ العالمين وخالقُ كل شيء ولك الأمرُ كله من قبل ُومن بعد؟
9-وبما أنه نبأ عظيم ذاك الذي اختصم فيه الملأُ الاعلى (إني جاعل في الأرض خليفة .....))فإنَّ الحياةَ البشرية على الأرض هي على ما قالت الملائكة مما علمته من الله تعالى وهو((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)) والحاصل الغالب عليها هو كذلك فلم يتوقف سفك الدماء ولا الفساد على مر العصور والأزمان بل يكاد يكون يوميا ولنأخذ من القرن الماضي من الحربين العالميتين إلى يومنا هذا فقد سفكت دماء عشرات الملايين من البشر ،فأهل الكفر والشرك والضلال مفسدون في الأرض إلى قيام الساعة ، وهناك يأجوج ومأجوج وهم أفسد اهل الأرض ولا طاقة لأحد بهم بعدما يظنون أنهم قضوا على أهل الأرض يوجهون حرابهم ونبلهم إلى السماء ليلحقوهم بأهل الأرض فتنقلب عليهم سهاما قاتلة فتقتلهم جميعا
أما المؤمنون فكما أخبر فهم يوم القيامة كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ،فعن عبدالله بن مسعود قال: كنا مع النبي في قبَّة، فقال: ((أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟))، قلنا: نعم، قال: ((أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة)) قلنا: نعم، قال: ((أترضَون أن تكونوا شَطر أهل الجنة))، قلنا: نعم، قال: ((والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر )) .فسبحان الحكيم العليم حيث قالت الملائكة ((سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم )) فأدركت أن وراء ذلك النبأ العظيم حكمة أرادها الله أدركها من أدركها وغفل عنها من غفل .
نسأله سبحانه أن نكون من المؤمنين الفائزين ومن عباده الصالحين وألا يجعلنا فتنة للذين كفروا ،ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم إن أصبت فبفضل منك ورحمة وإن اخطأت فمن نفسي
الشاعر "داود العرامين"