الإجماعات التي حكاها القرطبي في ((الجامع لأحكام القرآن))
قسم العبادات ماصحّ منها ومالم يصح دراسة فقهية مقارنة

للباحث د. عبد الله بن محسن الحضرمي

أما بعد: فإنَّ الاشتغال بالقرآن الكريم وما يتصل به من العلوم، لمن أفضل الأعمال و أعلاها منزلة، ومن العلوم المتصلة بالقرآن الكريم علم التفسير:الذي لا يزال العلماء قديما وحديثا يشتغلون به،وكذا الفقه فهو من أشرف العلوم، وأعلاها قدراً، وأكثرها فائدة، إذ به تفهم الأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، وتوصل الحقوق إلى أصحابها،ومن أهم الكتب التي اشتهرت في التفسير كتاب (( الجامع لأحكام القرآن)) للإمام القرطبي لمكانة هذا الكتاب العظيمة بين كتب التفسير، وتميزه بالنقولات عن الأئمة في مختلف العلوم النافعة كعلم القرآن وعلومه ،والعقيدة،والفقه وقواعده، وأصول الفقه، وسرد أدلتهم في أكثر المسائل، وقد تنوعت الإجماعات المحكية في تفسيره باعتبارات مختلفة فانقسمت باعتبار الفنّ المحكي فيه إلى عدّة أقسام وهي: الإجماعات الفقهية المستخرجة من آيات الأحكام القرآنية،والعقدية، واللغوية ، والقواعدالأصولية الفقهية، والحديثية ، والفقهية ، وموضوع بحثي هو المسائل الفقهية الإجماعية فقط، فهو يعدّ من موارد هذا الشأن، من حيث كثرتها،ومستندها المستقرأ من القرآن العظيم والسنّة النبوية وماتضمّناهما، وثقات ناقليها،وسلامة مصادرها، وموافقتهاوعدم شذوذها في الغالب،وقد تتابع العلماء على نقلها وحكايتها عنه من تفسيره، وماذلك إلا لأهميتها، والثقة بها من عالم حصيف في تحريرها وتفصيلها بألفاظها المناسبة لكل إجماع على حِدَة موافقاً في ذلك علماء مذهبه ومذهب غيره، حيث تتبّعها ممن قبله ،ومن عاصره،فجمع بين العلمين:علم التفسير العام ،وعلم الفقه بدرجة خاصة ،ومن هنا برزت جهوده في الإجماع الفقهي إذ إنه أثراه وأتقنه. ولذا اخترت أن يكون بحثي لنيل درجة الماجستير هو: الإجماعات التي حكاها القرطبي في ((الجامع لأحكام القرآن)) قسم العبادات ماصحّ منها ومالم يصح دراسة فقهية مقارنة.

أهمية الموضوع:
يكتسب هذا البحث مكانته من أهمية موضوعه؛ حيث إن تحقيق الإجماعات المذكورة في تفسير القرطبي وجمعها من الأمور المهمة في الفقه الإسلامي من خلال:

  1. أنّ الإمام القرطبي من المشهورين المتأخرين في المذهب المالكي والموثوق به في معرفته بهذا العلم وإتقانه له.
  2. اختياري له من دون غيره لكونه اعتنى بكتابه أكثر من غيره من التفاسير، بآيات الأحكام وأحكام القرآن المشتملة على الإجماعات الفقهية.
  3. ارتباط هذا الموضوع بعلمي التفسير - وخاصة تفاسير آيات الأحكام - والفقه اللذين هما من أشرف العلوم ،إذ الغالب في مظان الإجماعات الفقهية هو الكتب المصنفة في علم الفقه،بيد أنّ المتتبع في كتب التفسير المطولة،يجد فيها بغيته المنشودة،والتي تعدّ من موارد الإجماعات الفقهية،ومن هنا اعتنيت بهذين العلمين معاً،وجمعتُ بينهما،للدلالة عليهما،وبيان أهميتهما.
  4. مكانة الإجماع لما يحويه من مرتبة عالية في الاحتجاج لكونهأحد الأدلة الشرعية المتفق عليها في الجملة متى ماثبت وقوعه، وصحت دلالته،فهو دليل قاطع لرفع النزاع.

أسباب اختيار الموضوع:
أسباب اختياري هذا الموضوع عديدة هي:

  1. جِدَة الموضوع حيث لم أجد -حسب اطلاعي- من أفرد هذا الموضوع برسالة علمية متخصصة، أو غير متخصصة ،تسهم في دراسة منهجية أكاديمية تخدم الإجماعات في فقه العبادات من تفسير القرطبي.
  2. كثرة الإجماعات الفقهية في تفسير القرطبي،مما دفعني إلى جمعها و حصرها وتتبّعها ودراستها وتحقيقها في مكان واحد؛ ليسهل الرجوع إليها، وخصوصاً طلاب العلم والباحثين.
  3. المشاركة في نشر الأحكام الفقهيةالإجماعية من خلال نقولات أئمة الفقه والتفسير وغيرهما لهذه المسائل ،لأنه كلما كَثُر من حكى الإجماع في مسألة ما،أورث ذلك مزيد وثوق بصحة هذا الإجماع، وضبط فتاوى المجتهدين بدليل الإجماع المنضبط.
  4. إظهار وبيان الإجماعات الفقهية المبثوثة في كتب المذهب المالكي ودراستها وتحقيقها،من خلال نقولات الإمام القرطبي في تفسيره،حيث اعتمد في حكايته للإجماعات عليها،وخاصة على كتب ابن عبد البر،ومن نقل عنه ابن عبد البر من علماء مذهبه ومذهب غيره.

الدراسات السابقة:
لقد أُلِّفت في موضوع الإجماع مؤلفات كثيرة،وخاصة الإجماعات الفقهية التي حظيت في الآونة الأخيرة بمزيد بحث من خلال الدراسات الأكاديمية العلمية،ومن خلال تحقيق بعض المخطوطات المختصة بالإجماعات،ومن خلال بعض الموسوعات الإجماعية الفقهية،لكني عند استعراضها لم أجد من نصّ على موضوع بحثي السابق ،علماً أنه يوجد التشابه المتين بين بعض هذه الدراسات الأكاديمية الجامعية المعتنية بهذا التخصص، والتي من أهمها:
1-إجماعات ابن عبد البر في العبادات لمؤلفه عبدالله بن مبارك البوصي .
2-الإجماع عند الإمام الشافعي بين التقعيد الأصولي والتطبيق الفقهي لمؤلفه هيثم بن حسن أسطى.
3-المسائل الفقهية التي حكى فيها الإمام النووي الإجماع دراسة أصولية تطبيقية لمؤلفه علي ابن أحمد العميري الراشدي.
4-إجماعات القاضي عياض في الفقه الإسلامي جمعاً وتوثيقاً ودراسة لمؤلفه صالح بن عثمان ابن محمد العمري.
وقد ضممتها إلى بحثي،وأضفت إليه مالم يكن موجوداً فيها،وقد استفدت منها كثيراً، ولاسيما الكتاب الأول منها باعتباره هو الأصل الذي اعتمده القرطبي في نقله للإجماعات الفقهية في تفسيره، وقد زدتُ عليها غيرها، وتعقبتُ بعضها الآخر.

يتبع