بسم الله الرحمن الرحيم
الحداثيون والقرآن الكريم
محمد أركون وقراءته لسورة الكهف.. أنموذجاً
طارق مصطفى حميدة

ملاحظة: قدمت هذه الورفة لمؤتمر في جامعة القدس قبل سنوات، وقد نشر البحث مقتطفات منها في هذا الملتقى، واليوم أنشرها كاملة


التمهيد: الحداثيون والقرآن
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي لا تزيد الحوادث وتطور العلوم إلا تصديقاً بنبوته، ويقيناً بربانية القرآن الذي عليه أُنزل، وبعد،
فيعتقد الكثير من الحداثيين العرب أن تغيير الواقع العربي والسبيل إلى النهضة والتنمية، لا بد أن يمرا بالتجربة الأوروبية، حذو القذة بالقذة، ولا بد من سلوك الطريق التي سلكها الأوروبيون في تحقيق نهضتهم وحضارتهم، حيث إنهم يرون وجوب تعميم التجربة الأوروبية على كل البشر وتحديداً مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وما يطرحه الحداثيون لا يختلف كثيراً عما طرحته بعض الأسماء منذ مطلع القرن الماضي، فالمؤدى واحد وإن اختلفت المصطلحات والمسوغات، فعلي عبد الرازق نفى وجود نظام سياسي في الإسلام، ومحمد أحمد خلف الله زعم أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويرًا فنيًّا؛ وذهب طه حسين إلى أبعد من ذلك بكثير بشأن القرآن الكريم وبشأن نبوة محمد ، والحداثيون المعاصرون أيضاً فيهم من يشكك في ربانية القرآن ونبوة محمد أو ينفي وجود أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية في القرآن، من أدونيس إلى محمد أركون، ومحمد شحرور، مروراً بنصر أبو زيد، وعبد الرحمن العشماوي وحسن حنفي، وعلي حرب، وعبد الله العروي، إلى عشرات من أضرابهم، وإن اختلفت درجة الحدة وتعددت طروحاتهم ومواقفهم من الإسلام أصوله وفروعه.
وأركون أحد هؤلاء الذين صنعهم الغرب على عينه، وأفسح له المجال في السوربون وغيرها، واستضيف ليحاضر في القارات الخمس، واستكتبته جهات استشراقية عدة ليكتب مقدمات لترجماتها القرآنية.
وكذلك فقد لقي منهج محمد أركون وفكره الاهتمام الكثيف من قبل المفكرين والباحثين العرب، سواء من خلال المقالات العلمية، أو المؤلفات المستقلة، أو الأبحاث الجامعية، وروجت له دوريات مثل الفكر العربي المعاصر، ومجلة المستقبل العربي، ومجلة عالم الفكر، ومجلة فكر ونقد، ومجلة مدارات فلسفية.
وقد عمل أركون مستشاراً من لدن أصحاب القرار ووسائل الإعلام الغربية، في الكثير من القضايا المرتبطة بالإسلام والمسلمين، منها قضية سلمان رشدي، وقضية حظر الحجاب داخل المؤسسات التعليمية في فرنسا، وغير ذلك كثير.
والأدهى من ذلك ربما هو تسويق محمد أركون في أحيان كثيرة بوصفه مفكراً إسلامياً، وقد رصد الأستاذ إبراهيم السكران([1]) في دراسة له بعنوان:( مصحف البحر الميت)، احتفاء الصحافة السعودية وثناءها على محمد أركون لعدة أيام عقب وفاته:
- فقد جاء في الشرق الأوسط، 16، 17 أيلول 2010: " أعتقد دون مبالغة أن أركون المجدد الأكبر للإسلام في عصرنا الراهن"، وأن " أركون أحد حكماء المسلمين الكبار".
- وفي الوطن، 18 أيلول 2010:" أركون من الكبار الذين كانوا يجاهدون في بث النور، وإحلاله محل الظلمة الكالحة في عالمنا العربي".
-كما ورد في الرياض، 16 أيلول 2010: "أركون أول من قدم نقدا للتفكير الخرافي المعارض للمعرفة، وبدد هيمنة الأسطورة في العقل العربي-الإسلامي".
- وفي الحياة 16 أيلول 2010: "عمل محمد أركون طوال أكثر من نصف قرن على تقديم قراءة جديدة للإسلام، قراءة تستند إلى مرجعيات ومناهج علمية".
وقد تعرض للكتابة عن أركون غير واحد في الساحة العربية والإسلامية، ما بين مشيد به وبمنهجه لكونه "يصوّب" فهمنا للقرآن الكريم، عند البعض، أو لكونه ينقض عرى الإسلام وأسسه عند الملاحدة الصرحاء. وفي الجانب الآخر؛ كان هناك الكثير مما كُتب في نقده ما بين دراسات جادة أو مقالات متسرعة، وقد جاء الحديث عن أركون في كثير منها ضمن غيره من الحداثيين، أو جاء الحديث عن قراءة أركون للقرآن ضمن سائر القضايا التي تعرض إليها.
لهذه الأسباب وغيرها فقد رأيت أن يكون أركون موضوعا لورقتي هذه، وحيث إنه في سياق هجماته ضد الإسلام يولي القرآن الأهمية القصوى كونه أساس الدين، فقد اخترت نقد قراءته للقرآن، مركزاً على قراءته سورة الكهف لقصر المادة نسبياً ومحدوديتها بحيث لا تتجاوز الصفحات المقررة، سيما وأن الحديث التفصيلي عن صفحات معدودة، قد يكون أفعل أحياناً في الرد على الافتراءات من استعراض مئات الصفحات.
وقد جاءت مقالته تلك ضمن كتابه:( القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني)، وفيه نقده لما دعاه "التفسير بالموروث" ومن ثم تبشيره بمنهجه في " تحليل الخطاب الديني"، ويجدر التنويه إلى أن الباحث قد عرّج مراراً خلال هذه الورقة إلى كتب أركون الأخرى، إضافة إلى باقي مقالات الكتاب موضع الدراسة، حيث إن أركون كان يكرر كثيراً الحديث فيما يكتب ويحاضر بحيث يجد الباحث صورة أجلى لرؤيته عما يطرحه، فضلاً عما قد يصطدم به من تناقضات الرجل بين موضع وآخر.
والباحث إذ يختار هذا الموضوع فإنه يقصد إلى التعريف بأحد رموز الانحراف في تأويل القرآن الكريم، ومنهجه غير السوي في ذلك، ونقض ذاك المنهج، وبيان عواره ليكون خطوة إضافية في الذب عن القرآن الكريم، عسى تتبعها خطوات من الكاتب وغيره.
وقد أفاد الباحث كثيراً مما كتب عن أركون ومشروعه ومؤلفاته وقراءته للقرآن، لكنه يزعم أنه قد ركز على قضايا ربما لم يُلتفت إليها، وهُدي إلى جوانب جديرة بأن تولى المزيد من الأهمية، مما ستبرزه السطور الآتية.
وفي الختام إن تكن حسنة فمن الله تعالى، وإن تكن الأخرى فمني ومن الشيطان، سيما وقد كُتبت الورقة على عجل، ولم يكن للباحث سابق اشتغال بهذا الموضوع، لكنه يرجو الله تعالى أن يفتح فيجعل له في الآخرين ما أكرم به حساناً في الأولين.
وقد جاءت الورقة في ثلاثة مباحث؛ أولها للتعريف بأركون ومشروعه والكتاب الذي تضمن قراءته لسورة الكهف، والمبحث الثاني في وصف قراءة أركون لسورة الكهف، وثالث المباحث لنقد قضايا مختارة مما ورد في قراءة أركون، ثم الخاتمة، وقد كانت النية منعقدة لمعالجة تأثر القراءة الأركونية بالمستشرقين، لكن ضاق عنه المجال كما ضاق عن مجالات أخرى عديدة تعرض لها أركون في سياق قراءته للسورة الكريمة.


المبحث الأول
أركون: المفكر والمشروع والمقالة
المطلب الأول: التعريف بمحمد أركون
محمد أركون باحث ومؤرخ ومفكر جزائري، ولد عام 1928 في منطقة القبائل الكبرى الأمازيغية بالجزائر، وقد ظل لا يعرف إلا اللغة الأمازيغية والفرنسية، ولم يتعلم اللغة العربية إلا بعد خروجه من منطقة القبائل إلى قرية (عين الأربعاء) شرق وهران، ليعمل مساعداً لأبيه في التجارة حيث كان يملك متجراً صغيراً.
ويذكر أركون أن هذه القرية كانت غنية بالمستوطنين الفرنسيين وأنه عاش فيها "صدمة ثقافية"، ولما انتقل إلى هناك درس في مدرسة الآباء (البيض التبشيرية) ([2]) ، وأكمل دراسته الثانوية في وهران، ابتدأ دراسته الجامعية بكلية الفلسفة في الجزائر ثم درس الأدب العربي والقانون والفلسفة والجغرافيا بجامعة الجزائر، وقد كان أركون يشعر أنه " عند المقارنة بين تلك الدروس المحفزة في مدرسة الآباء البيض مع الجامعة، فإن الجامعة تبدو كصحراء فكرية"([3]).
ثم بتدخل من المستشرق لوي ماسينيون، أتم دراسته في جامعة السوربون، وقام بإعداد التبريز في اللغة والآداب العربية فيها، وكان موضوع أطروحته المؤرخ والفيلسوف ابن مسكويه. ثم عُين محمد أركون أستاذا لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السوربون عام 1968 بعد حصوله على الدكتوراه في الفلسفة منها، وعمل كباحث مرافق في برلين عامي 1986و1987. وشغل منذ العام 1993 منصب عضو في مجلس إدارة معاهد الدراسات الإسلامية في لندن.
توفي في 14 أيلول 2010م، عن 82 عاما في العاصمة الفرنسية ودفن بالمغرب ([4]) .
المطلب الثاني: مشروع أركون الفكري
يوصف محمد أركون، بأنه صاحب أحد المشاريع الفكرية والمعرفية التي حاولت استنطاق الجذور التاريخية " للعقل الإسلامي". والملاحظ أن أركون مسكون بالتجربة الغربية في جميع نواحيها، وبالذات فيما سلكت من طرق ومناهج وفي تعاطيها مع كتبها المقدسة، فبعد اطلاعه على كتب دانيال روس، مثلاً، التي طبق فيها اللسانيات على الأناجيل تساءل قائلاً:" ألا يمكن أن نفعل شيئاً مشابهاً فيما يخص القرآن؟ وما هي النتيجة التي سنتوصل إليها إذا ما قارنّا بين الإنجيل والقرآن بهذه الطريقة" ([5]) .
ولا نبالغ إذا ادعينا بأن أركون قد استبق النتائج قبل مقدماتها، ووضع نصب عينيه النهايات قبل مقاربة البدايات، وبالتالي فما توصل إليه الغربيون بخصوص كتابهم المقدس، استبطنه واستلهمه في مشروعه الفكري، حيث يقول أركون في ختام إحدى محاضراته:" أريد لقراءتي هذه أن تطرح مشكلة لم تطرح عملياً قط بهذا الشكل من قبل الفكر الإسلامي؛ ألا وهي: تاريخية القرآن، وتاريخية ارتباطه بلحظة زمنية وتاريخية معينة، حيث كان العقل يمارس آليته وعمله بطريقة معينة ومحددة" ([6]) .
وهو يؤكد في سياق آخر أن الإسلام في التاريخ وليس خارجه وأن التاريخية في صميم الرسالة منذ بداية تجلياتها ([7]) .
ولأجل ذلك فقد أخذ على نفسه أن يقوم بزحزحة المفاهيم الإيمانية وعلى رأسها الوحي، عن مواقعها التقليدية الراسخة، ويقوم بأشكلتها؛ أي جعلها إشكالية بعد أن كانت تبدو بدهية، ثم يفككها لكي تتجاوز معانيها التقليدية الراسخة ([8]) .
من أبرز مؤلفاته:( تاريخية الفكر العربي الإسلامي أو "نقد العقل الإسلامي)، (الفكر الإسلامي: قراءة علمية)، ( الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد)، ( الإسلام أوروبا الغرب، رهانات المعنى وإرادات الهيمنة)، ( نزعة الأنسنة في الفكر العربي)، ( الفكر الأصولي واستحالة التأصيل)، ( معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية)، ( أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟)، ( القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني).
وكما هو ملاحظ من هذه العناوين فالفكر الإسلامي – بل الإسلام نفسه – تاريخي، وهذا الفكر غير علمي ولذلك يخضعه أركون للقراءة العلمية الناقدة، والمسلمون حديثاً، كما كانوا عبر تاريخهم، ليس عندهم ما يعتبره أركون فكراً، ولذلك يتساءل: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ لا بل إن هذا الفكر يستحيل على التأصيل، وهو يشعر بأنه في معركة مع الإسلام وأهله، ولذلك فهو يخوض" معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية"، وهذا الفكر أساسه القرآن ولذلك فهو يسعى للقطيعة مع التفسير الموروث ليطبق على القرآن مناهج تحليل الخطاب.

المطلب الثالث: الكتاب والمقالة
والكتاب اسمه: ( القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني) ترجمة وتعليق هاشم صالح([9])،، والذي ترجم كل أعمال أركون تقريباً بإشرافه ومتابعته، والنسخة التي بين يدي الباحث هي الطبعة الثانية في العام 2005م، من منشورات دار الطليعة ببيروت، وتتضمن مقدمة، ثم مقالة بعنوان: المكانة والوظيفة المعيارية للوحي، مثال القرآن، والمقالة الثانية عن موقف المشركين من الوحي، والمقالة الثالثة قراءة سورة الفاتحة، والرابعة والأخيرة هي قراءة سورة الكهف، وختم الكتاب بإشارات مرجعية، تفيد بأن المقالات الثلاثة الأخيرة سبق نشرها بالفرنسية بعنوان (lectures du coran قراءات في القرآن)، فيما المقالة الأولى لم تكن منشورة حتى صدور طبعة الكتاب تلك، وأنه كان بصدد نشرها بالفرنسية والإنجليزية لاحقاً. وقد جاءت قراءته لسورة الكهف في الثلاثين صفحة الأخيرة من الكتاب، وسيحرص الكاتب على الإشارة إلى الصفحة ما أمكنه الأمر، فإن لم يفعل فالمقالة امتدت من الصفحة 145 وحتى الصفحة 175.





المبحث الثاني: كيف قرأ أركون سورة الكهف؟
قسم أركون مقالته إلى مقدمة تعرض لمقاطع السورة ثم التعريف بمناهج التفسير والمبادئ اللاهوتية التي تتحكم بها، وأثر ذلك في المجريات المنهجية التي استخدمها المفسرون، ثم النتائج وبعدها القرارات، حيث يفاجؤنا أركون بأنه من الضروري أن يُبقي قراءته لسورة الكهف معلقة بدعوى أن هناك منافذ مسدودة بل ومستعصية.
المطلب الأول: أركون ودعوى عدم تماسك النص
بعد المقدمة التمهيدية يورد أركون في مقالته عنوان( النص) ليقدم عرضاً تعريفيا مختصراً بسورة الكهف، بادئاً كلامه بالقول:" نحن نعلم أنه نادراً ما تشكل السور القرآنية وحدات نصية منسجمة، وإنما تتشكل في الغالب، من نوع من التجاور بين الآيات التي قد تختلف قليلاً أو كثيراً في تواريخها، أو من حيث ظروف الخطاب الذي لُفظت فيه لأول مرة، أو من حيث مضامينها، أو صياغاتها التعبيرية، لكن هذا لا ينفي إمكانية العثور على فكرة مركزية حتى في (وحدة نصية) طويلة جداً كسورة البقرة ([10])".
وهو قد جاء بهذا الكلام ليؤكد بعده ب"المثال التطبيقي "!! مزاعمه بأن غالبية السور القرآنية بما فيها سورة الكهف، لا تشكل وحدات نصية منسجمة ولا تشتمل على فكرة مركزية، وأنه لا يجمع آياتها سوى نوع من التجاور بين نصوص مختلفة زماناً ومضموناً وصياغة تعبيرية، وبدأ فقرته بالقول:" نحن نعلم" كأنما ليؤكد أن ما يقوله هو بدهية يوافقه فيها القراء، أو لعله يقصد أن هذا مما لا يختلف عليه أهل العلم من أمثاله.
لكننا على أي حال، قد اقتنصنا منه اعترافاً بأن هناك سوراً، وإن كانت نادرة على حد قوله، تشكل وحدات نصية منسجمة، وأن سورة البقرة بالرغم من كونها أطول سورة، فإنها تتضمن فكرة مركزية.
ثم يقرر بأن أول فحص للسورة يتيح كشف العناصر التكوينية التالية:
1) وحدة نصية مؤلفة من ثماني آيات تستهل بها السورة، ولكن لا يمكن اعتبارها في رأيه " بمثابة مقدمة" ([11]) ، ويذكر سببين لذلك: الأول، لأنها، حسب رأيه، تتحدث عن بواعث مختلفة لطالما تكررت في القرآن في مواضع أخرى متعددة، والثاني أن هذه الآيات تنتمي إلى الفترة المدنية في حين أن مجمل السورة ملحق بنهاية الفترة المكية ([12]) ، ويتضح هنا وفيما بعد، أن أركون يكرر مقالات المستشرقين مثل نولدكة الألماني وبلاشير الفرنسي، بل ويزايد عليهم.
2) ثم ينتقل إلى الآيات من 9-25 التي تشكل الوحدة السردية الأولى، " وهي الحكاية الشهيرة للسبعة النائمين، والمدعوة هنا باسم ( أهل الكهف)". والحكاية بحسب قوله مقتبسة أو منحولة، وكل ما فعله القرآن أن غيّر اسمها فأصبحت مدعوة باسم أهل الكهف!!
ولا ينسى أن يشكك في أهمية ( أداة الانفصال - أم) في قوله تعالى ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾([13])، ولا يكتفي بذلك بل ينقل كلاماً للمستشرق بلاشير عن " تحويرات" وقعت في نص الحكاية القرآنية، وعن شذوذ لغوي في كلمة ( سنين)!!
3) يذكر أركون بأن الآيات من 27 إلى 59 لا علاقة لها بقصة الكهف السابقة لها ولا بقصة موسى مع الخضر التالية، وفي هذه المجموعة، يكتشف( نواة) حسب تعبيره، من 13 آية تتحدث عن قصة الرجل الذي له جنتان من أعناب، وعُززت القصة بصورة الحياة الدنيا السريعة الزوال كزوال المطر النازل من السماء"([14]).
4) وفي الآيات من 60 – 98، توجد حكايتان تستمدان عناصرهما ملحمة جلجامش وقصة الإسكندر المقدوني، ولا رابط بين هذه القصة وبقية السورة، بزعم أركون، سوى السجع المنتهي بحرف الألف وبعض علامات التعبير.
5) ثم تأتي الآيات 99-110، لتختم السورة (بخطاب تبشيري)، حيث يفسره المترجم بأنه الخطاب الذي يبشر بالدعوة ويتحدث باستمرار عن:( المؤمنين، الكافرين، الجنة، النار..إلخ) وغيرها من الموضوعات العامة التي لا يمل القرآن من تكرارها([15])!! حسب تعبيره.
وهكذا ينتهي استعراض أركون للسورة، ليصل بنا إلى أن مقدمتها ليست مقدمة، ولا خاتمتها بخاتمة، وأنه لا يربط أجزاءها رابط حتى وإن وردت بعض أدوات الربط بينها، وأن ما فيها من القصص منحولة مقتبسة وملفقة.

المطلب الثاني: اتجاهات التفسير عند أركون
يتحدث أركون عما يسميه الاتجاهات الكلاسيكية في التفسير، وهي ثلاثة: " أولاً: التفسير النحوي والتاريخي الأسطوري الذي اتبعه المفسرون القدماء، وهناك ثانياً: التفسير التحليلي والسكوني للاستشراق على حد تعبير لويس ماسينيون؛ وهناك ثالثاً: التوسع الرمزي للموضوعات الروحية والنموذجية المثالية للسورة في المخيال الجماعي وبخاصة في الأوساط الشيعية والصوفية"، ثم ذكر أركون بأنه سيتوقف عند الاتجاه الأول في التفسير كونه الاتجاه الذي تلقّى وجمع حكايات التراث الأكثر قدماً، كما إنه هو الذي ثبت الإطار والمجريات والإيضاحات الأساسية لكل الفعالية التفسيرية حتى يومنا هذا، ولذلك فإن التبحر الأكاديمي الاستشراقي وعمل المخيال الجماعي قد بقيا معتمدين على المعطيات المجموعة من قبل المفسرين الكبار([16]).
الطبري والرازي
يذكر أركون بأن تفسير الطبري وتفسير فخر الدين الرازي يتمتعان بهيبة كبيرة لا تضاهى سواء لدى المسلمين أم لدى علماء الإسلاميات الغربيين ( أي المستشرقين).
أولاً: الطبري
" فالأول – أي الطبري – جمع عدداً ضخماً من الأخبار في كتاب عملاق موزع على ثلاثين جزءاً، ونقصد بالأخبار هنا الحكايات أو القصص ثم الأحاديث النبوية ثم المعلومات، وهي الأخبار التي كانت قد نشرت في النطاق الذي تمت أسلمته من منطقة الشرق الأوسط طيلة القرون الهجرية الثلاثة الأولى.
" إن كتاب الطبري يشكل وثيقة من الدرجة الأولى بالنسبة لعلم التاريخ، ولم يتعرض حتى الآن لدراسة أكاديمية موثقة لكي تشرح لنا مضاميته وأبعاده" ويريد أركون أن يضع " حداً لتلك الصورة الشائعة عن الطبري والقائلة بأنه جمّاع ( شره) و ( موضوعي) بسبب اللامبالاة التي يبديها تجاه الأخبار المنقولة" "([17]).
ثانياً: الرازي
يصف أركون تفسير الرازي بأنه" يشهد على عمق ديني وثقافة علمية وفلسفية قل نظيرها، وهكذا يضيف إلى التفسيرات ( الأرثوذوكسية) لسلفه الطبري حرصه على إقامة التماسك، والتوافق بين الخطاب القرآني وتعاليم العلوم الفلسفية والعلمية التي كانت تحتل مكانة كبير في الثقافة العربية في القرن السادس الهجري، وبهذا المعنى فإن الرازي أصبح مؤسساً لتيار آخر في التفسير .... عَرف منذ القرن التاسع عشر انتعاشاً تحت اسم التوفيقية"([18]).

المطلب الثالث أركون والمُسلّمات اللاهوتية([19])
يتساءل أركون كيف قرأ المفسران سورة الكهف؟ وكيف فهماها وشرحاها؟ لكنه يبدأ قبلها بالحديث عن المبادئ النظرية أو ما يسميه أيضاً بالمسلمات اللاهوتية التي تتحكم بالتفسير، ويقصد بها إيمان المسلمين واعتقاداتهم الجازمة المتعلقة بالقرآن الكريم من حيث ربانيته وعدم تحريفه وكونه رسالة للحياة وكتاباً للتطبيق، وأنه باللغة العربية وأنه بلفظه ومعناه من الله تعالى، وهو يتحدث عن هذه المبادئ بصفتها عوامل معيقة للفهم الصحيح وسذاجات يجب التخلص منها، لكنه يلاحظ وبحق أن هذه المبادئ ليست مسلمات تعسفية مفروضة من الخارج على الخطاب القرآني، وإنما تشكل الهيكلية المنطقية - المعنوية المسجلة داخل الصيغة اللغوية لهذا الخطاب، وكل واحد منها له قاعدة لغوية واضحة وصريحة في القرآن ذاته، لكنه قلق أن هذه المسلمات سوف تؤدي إلى عمل هائل من تضخيم العبارات القرآنية وأسطرتها والتعالي بها:
1) ينص المبدأ الأول على أن " كلية النص القرآني المجموع بين دفتي المصحف هي كلام الله الموجه إلى النبي شخصياً أو إلى المخلوقات المتعددة عن طريق النبي الناقل"، ثم يورد الآية الأولى في السورة وينقل كلام الطبري في تأويلها:" قال أبو جعفر يقول تعالى ذكره الحمد لله الذي خص برسالته محمداً وانتخبه لبلاغها عنه ..."، ثم يعلق بالقول:" ينبغي أن نعلم أن آلية اشتغال الخطاب القرآني حتى في وحداته السردية أو القصصية محكومة ببنية ثابتة للعلاقات بين الأشخاص أو الضمائر، فهناك أولاً الناطق – المرسل هو الله، وهو يوجه رسالة إلى مرسل له أول هو: محمد وهو نفسه مبلغ وليس ناطقاً- مؤلفاً إنه مبلغ للرسالة إلى مرسل له ثان هو الكائنات البشرية أو البشر، وهذه الشبكة التواصلية يذكرنا بها المفسر الذي يقدم كل آية بالعبارة التالية: قال تعالى لنبيه محمد".
2) وينتج عن المبدأ السابق المبدأ الثاني والذي ينص على أن " القرآن ليس وثيقة كبقية الوثائق التي يدرسها المؤرخ وإنما هو كتاب للحياة؛ أي يُعاش عليه يومياً، فالعبارات القرآنية هي التي تحدد التصرفات الشعائرية والأخلاقية والقانونية للمؤمنين، كما أنها هي التي تحصر نطاق فعاليتهم الفكرية والخيالية أو التخيلية".
3) والمبدأ الثالث الذي يتحكم بالتفسير التقليدي، كما يقول أركون، فينص على أن " كل العبارات أو الآيات المجموعة في النص الرسمي القانوني ( أي المصحف صحيحة كليا، ولا يختلط بها أي كلام غير إلهي".
4) والمبدأ الثالث ينتج رابعاً، وينص هذا المبدأ على أن العبارت أو الآيات المجموعة في المدونة الرسمية تشكل فضاء لغوياً لا يُختزل إلى أي فضاء آخر على الرغم من أن هذه المدونة قد تجسدت في لغة بشرية هي هنا اللغة العربية، وكل هذه العبارات أو الآيات معيارية ملزمة سواء على مستوى الشكل أم على مستوى المضمون." ([20]).

المطلب الرابع: المجريات والنتائج والقرارات([21])

ويقصد أركون بالمجريات: المنهجية التي سيستخدمها الطبري والرازي في التفسير، وهي التي تتحكم بها المسلمات سالفة الذكر: ومنها حديثه عن سبب نزول سورة الكهف مطلقاً على أسباب النزول اسم الحكايات التأطيرية التي تزين النص القرآني وتشكل له ما يشبه الإخراج المسرحي، ويذكر فيما بعد أن أسباب النزول قد جيء بها هنا لتقديم جواب على تحدي اليهود والمشركين.
ثم يتطرق إلى الخلاف الذي نقله الرازي حول من هو موسى المذكور في سورة الكهف زاعماً أنه " يأنف" من القول بأنه موسى صاحب التوراة،([22]) فيما نص الرازي يكذبه([23]).
ويزعم أن الطريقة الإجرائية المستخدمة في التفسير الكلاسيكي هي القصة أو الحكاية والتي كانت تتناسب مع الأطر الاجتماعية في القرون الهجرية الثلاثة، متناسيا الاستدلالات اللغوية والعقلية والسياقية التي أوردها هو ذاته في مقالته.
ويدعي بأن المفسرين ومن بعدهم سائر المسلمين يجعلون لما يورده المفسرون من القصص والأخبار حكم النص القرآني من حيث أنه وحي وحق([24]).
ثم يخلص في نهاية المجريات إلى أن التفسير التقليدي تاريخوي علموي مادي بمعنى أن كل كلمة قرآنية تمتلك عائداً موضوعياً أو مرجعية موضوعية في الخارج؛ فالمفسرون يلجأون للحكايات الأسطورية للبرهنة على صحة وأحقية كلمات القرآن وآياته ويعتبرونها معطيات تاريخية أو جغرافية أو كونية، وهم بالتالي ينظرون للشخصيات الأسطورية باعتبارها حقيقية ويخلعون على الكائنات غير المرئية كالملائكة والجن الصفات الواقعية المادية البشرية، ومن جهة أخرى فإن الرازي يقوم بالتفسير العلموي مكملاً مسار الطبري المؤرخ([25])، قاصداً بالعلموي إسباغ صفة العلمية على ما ليس بعلمي.
وعندما يأتي أركون إلى النتائج يخلص إلى أن مجمل المعرفة التي شكلها المسلمون عن قصص الكهف والمعنى الشمولي للسورة ليست إلا تكريساً للثقافة الشعبية التي ظلت حية في منطقة الشرق الأوسط، ثم يقرر في ختامها أن الخطاب التفسيري يمارس دوره وكأنه حكاية متواصلة مستمرة وهو مدعوم من قبل منطق داخلي مستوعب ومكرر من قبل السامع القارئ، وهذا المنطق يرتكز على:
أ) البنة السردية أو التمفصل السردي للخطاب القرآني،
ب) منطق فوق نصي داخل الخطاب القرآني،
ت) منطق متداخل نصياً ينظم العلاقات بين الخطاب القرآني والخطاب الاجتماعي القديم الذي ساد منطقة الشرق الأوسط،
ث) منطق الشخصيات الرمزية والمثالية كالنبي والمصطفَيْن،
ج) منطق العلاقات الكائنة بين المعاني القرآنية والمعاني المتغيرة للممارسة التاريخية، أو على حد قوله: التوتر بين الوحي والحقيقة والتاريخ.
ثم يأتي إلى القرارات التي ينبغي أن يتخذها بوصفه مؤرخاً قد بلغ به الجهد كل مبلغ، ليقول بلسان الحال ثم بلسان المقال، إن موضوع قراءة القرآن ممثلاً في سورة الكهف يلزمه " الأطروحات الجامعية أو الدراسات الأكاديمية المتخصصة"، لكنه يعود ليفقد الأمل لأن الباحثين بحسب المواصفات التي يطلبها " لا يزالون نادرين([26])"!! ويستمر في الحديث عن آفاق واسعة في البحث وفي المواد الخام المطلوبة كي يصل إلى أن بلورة مثل هذا البرنامج البحثي تستغرق وقتاً طويلاً حيث لا تزال بعض المسارات مسدودة أو حتى مستعصية، ولهذا السبب يقرر أركون في الصفحة الأخيرة بأنه: " من الضروري منهجياً أن نبقي قراءتنا لسورة الكهف معلقة، وأن نعود إلى إجراء استكشافات أولية أو تمهيدية([27])".
وأبرز ما يلاحظه القارئ لكتابات أركون تعليقه العديد من النتائج على مستحيلات، من مثل المخطوطات القرآنية الأصلية الضائعة!! واللغة العربية غير القرآنية، مع إصراره على مزاعم تاريخية القرآن وما يتعلق بها، والتي يفترض أن تؤكدها أو تنفيها أبحاثه ودراساته المعلقة، فيما ينكر حقائق التاريخ والواقع وإنكاره مثل قصة جمع القرآن ونسخه.

المبحث الثالث: مناقشة مزاعم أركون
ليس فيما تتسع له هذه الصفحات أن ترد على كل ما طرحه أركون في قراءته تلك، سيما وأنه يحشد كل أباطيل المستشرقين ويضيف إليها، ولكن اتجهت النية على اختيار عدد من أبرز القضايا التي ركز عليها أركون لمناقشتها، ومحاولة توسيع الصورة مما أورده أركون في كتابه هذا أو كتب أخرى له، حيث إنه يكرر كثيراً أفكاره وطروحاته.

المطلب الأول: دعوى عدم تماسك النص القرآني عموماً وسورة الكهف خاصة

1) إن المفسرين القدامى والمعاصرين، قد أفاضوا في الحديث عن التناسب والوحدة الموضوعية في القرآن عموماً وفي سورة الكهف على وجه الخصوص، وقد اكتفينا بالإشارة إلى الرازي وحده لأن أركون زعم أنه سيجعله إضافة إلى تفسير الطبري، موضع قراءته، والغريب أنه في الوقت الذي أنكر فيه أركون وجود التماسك بين أجزاء القرآن الكريم، فإنه قد تجاهل عن عمد الكلام الطويل للرازي ومنذ مطلع السورة عن النظم، وقد كان من مقتضى الأمانة العلمية لأركون، أن يناقشه ليبطل كلامه بالحجج المقنعة، وأن يلفت النظر إلى ظاهرة النظم، أي التناسب والتناسق والتماسك بين أجزاء القرآن بعضها ببعض، التي أفاض الرازي فيها على طول تفسيره، فإما أن يرد على دعاواه ويؤكد أن ليس في القرآن تماسك نصي، وإما أن يوافقه فيها أو في بعضها على الأقل.
2) ابتدأ الرازي ومن الصفحة الأولى الحديث عن الروابط بين سورة الكهف والسورة السابقة لها وهي سورة الإسراء، كما ذكر فيما بعد، موضوعاً مشتركاً ورد في السور الثلاث المتتالية الإسراء والكهف ومريم([28]).
3) وقد أفاض في الحديث عن صلة آيات المقطع الأول بعضها ببعض، من خلال الروابط المعنوية واللغوية الواضحة، وأغلبها ظاهرة الاتصال والترابط.
4) وبعد إنهائه المقطع الأول في السورة ذكر وجه النظم في مجيء قصة الكهف بعده. والغريب أن أركون لم يقف إلا عند أداة ( أم ) في قوله تعالى ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾، التي تربط قصة الكهف في المقطع الثاني بالمقطع الأول، وقد عرضها بطريقة تضعيفية قائلاً:" نلاحظ أن أداة الانفصال: ( أم ) توحي بوجود علاقة مع الجزء السابق من البديل التناوبي المعدوم في الواقع"، حيث إنه يشكك في أهمية هذه الأداة هنا وفي إمكانية وجود دور لها في ربط ما قبلها بما بعدها، ولاحظ عبارته ( توحي) وكأن الواقع يخالف هذا الإيحاء الخادع برأيه، ثم إنه يأتي بدليل علمي عملي! ينفي أي رابط، وهو أن مترجمي القرآن إلى اللغات الأجنبية" قد أهملوا عموما أداة الانفصال هذه ولم يأخذوها بعين الاعتبار"، وما دام السادة المترجمون الأجانب لم يأخذوها بعين الاعتبار في الترجمة؛ فإنه لا أهمية لها في النص وهي مقحمة عليه إقحاماً، ورأى أركون أن الرازي المفسر يقترح " وجود تمفصل مع الآية السابقة، ولكنه يبدو غير واثق تماماً فيضيف قائلاً: والله أعلم"([29]).
والحقيقة أن الرازي قد أورد عبارته في الربط بين القصة والمقطع الأول بعبارات حاسمة، وذلك في قوله:" اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها على سبيل الامتحان فقال تعالى: ﴿ أم حسبت أنهم كانوا عجبا من آياتنا﴾ فقط، فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا كلها عجب؛ فإن من كان قادراً على تخليق السماوات والأرض ثم يزين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان ثم يجعلها بعد ذلك صعيداً جرزاً خالية عن الكل، كيف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم، هذا هو الوجه في تقرير النظم والله أعلم"([30]).
فالرازي هنا بدأ بعبارة "اعلم" الحاسمة الواثقة المقررة المؤكدة، وختمها بما يعزز تلك الثقة وذاك الحسم: " هذا هو الوجه في تقرير النظم"، وكأنه يرد عل أقوال أخرى في تقرير النظم أو في السؤال عنه، وأما قوله:" والله أعلم" في ختام الفقرة فمن باب رد العلم إلى العليم ومن باب التواضع، لا من باب الشك والتردد، والأهم أن كلام الرازي هنا لم يكن عن أداة " أم " وموقعها والجدوى منها كما زعم أركون، بل عن النظم أي التناسب بين المقطعين، ولم نره ذكر المباحث اللغوية والمعاني المتصلة بها، وقد ربط القصة بسبب نزولها([31])، وببعض ما ورد في آيات المقطع الأول كما هو ظاهر.
5) وبعد قصة الكهف وعندما يبلغ الآية 27 يقول الرازي:" اعلم أنه من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد في قصة واحدة"([32]) ، وهو يعني أن قصة موسى والخضر مشمولة بهذا الكلام الواحد، فإنه عند بدء تفسير آيات القصة يذكر ما يربطها مع الآيات من 27 وحتى قصة موسى والخضر ثم يذكر ما يربطها مع القصتين السابقتين بقوله:" وهذا وإن كان كلاماً مستقلاً في نفسه إلا أنه يعين على ما هو المقصود في القصتين السابقتين"([33]) لكنه التفت إلى الرابط الخارجي وهو سبب النزول المذكور، واكتفى به عن النظر في الروابط الداخلية من الآيات.
ثم يفصل الرازي الحديث عن الروابط في المقطع الأخير للسورة، لا بل إنه ليربط الآية قبل الأخيرة في السورة بكل ما تقدم ليعزز آخرها أولها حيث يقول:" اعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص الأولين نبه على كمال حال القرآن، فقال:﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي﴾"، حيث قد تحدث في مطلع السورة عن كمال حال القرآن في ذاته وكونه مكملاً لغيره.
المطلب الثاني: القصص القرآني في سورة الكهف
يمكن تقسيم قراءة أركون لقصص السورة من عدة جوانب، على النحو الآتي:
أولاً: مزاعم أركون بأن المفسرين يجعلون الإسرائيليات والروايات الواهية عن القصص القرآني في المنزلة ذاتها التي للنص القرآني، حيث يتحدث عن كتب التفسير القديم بأنها حولت " النص التلميحي الإيحائي المجازي الرمزي، إلى شيء عادي جداً .. عن طريق تفسيره بشكل واقعي صرف أو تحويله إلى خطاب عادي حيث تتراكم أسماء الأعلام والأشخاص والأماكن، وحيث تكثر روايات الأحداث المهووسة بالتفاصيل الصغيرة([34])"، حتى إنها تحدد هويات أصحاب الكهف بأسمائهم الإغريقية، وتحدد كهفهم وكلبهم وقريتهم وملكهم.
ثم يدعي بأن مقتضى قوله تعالى: ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾[ الكهف: 13]، هو التصديق بأن" شخصيات القصة، وتصرفاتهم، والأماكن الوارد ذكرها، والأقوال المتبادلة، كلها أشياء صحيحة بحرفيتها؛ فالله لا يمكنه أن يستخدم الخرافات أو القصص الخيالية لكي يكشف عن أسراره ويبلغ أوامره للبشر([35])"، ثم يدعي أركون بأن المسلمين يتجهون لغربلة هذا الركام بتأثير العلم الأرسطوطاليسي، وبالتالي فإنه يصف" التفسير الإسلامي التقليدي بأنه تاريخوي علموي بل وحتى مادي([36])".
1) حسنا أن أركون إذ لم يتمكن من البرهنة على تاريخية القرآن فإنه ذهب إلى كتب التفسير ليجد ضالته فيها، بل هو يصف النص القرآني بكونه تلميحياً إيجازياً مجازياً رمزياً، وهو على هذا (يتعالى) عن التاريخية كما حكم بذلك مراراً أركون ومترجمه، وسيأتي بإذن الله، لكن التفاسير كما كل عمل بشري لا يخفى فيها أثر الواقع، وإن كانت صلتها بكتاب الله ترفعها عن كل الأعمال الفكرية الأخرى.
2) إن" من أبرز خصائص النص القرآني وبخاصة فيما يتعلق بالقصص أنه لا يعرّف بالشخصيات التي يدور حولها الكلام، كما أن النص يتجرد من الزمان والمكان، بالإضافة إلى أسلوب الإيجاز التام الذي لا نجد له نظيراً في كتب وآثار الأمم الأخرى التي بين أيدينا، ويتوج ذلك كله وحدة الغاية في كل ما ورد في القرآن من أخبار وأنباء"[37]، لكن المفسرين حتى وهم يذكرون تلك التفصيلات، نقلاً عن أهل الكتاب، ومما اصطنعه القصاص والوضاعون، فإنهم لطالما لفتوا الانتباه إلى ضرورة اطّراح كل ما تجاهله القرآن مما لو علم الله تعالى في ذكره خيرا لنا لأورده في كتابه، وهذا يعني أن المفسرين لم ينظروا إلى هذه الروايات نظرتهم إلى آيات القرآن والحق الذي تمثله، كما يزعم أركون، ومن الأمثلة على ذلك:
أ- أنه في سورة هود وعند قوله تعالى:﴿ وما آمن معه إلا قليل﴾[ سورة هود: 40]، وبعد أن يورد الطبري أقوالاً في تحديد العدد، يعلق بالقول: " والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله:﴿ وما آمن معه إلا قليل﴾، يصفهم بأنهم كانوا قليلاً، ولم يحد عددهم بمقدار ولا خبر عن رسول الله صحيح، فلا ينبغي أن نتجاوز في ذلك حد الله، إذ لم يكن لمبلغ عدّ ذلك حد من كتاب الله، أو أثر عن رسول الله "[38]. وكذلك فعل الطبري في مواضع كثيرة منها: عدد الدراهم التي بيع بها يوسف [39]، وتحديد الشجرة التي نهى آدم وزوجه عنها[40].
ب- وقال الرازي كذلك:" اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف وفي مكانهم"، وبعد ذكره عدداً من تلك الأقوال، قال:" وأقول: العلم بذلك الزمان وبذلك المكان ليس للعقل فيه مجال، وإنما يستفاد ذلك من نص، وذلك مفقود فثبت أنه لا سبيل إليه[41]".
وقد أوردنا هذه الاقتباسات من تفسيري الطبري والرازي فقط، لأنهما الكتابان اللذان اختارهما أركون ليؤكد من خلالهما عدم أهلية التفسير الموروث، وبالتالي تسويغ القطيعة معه، ليقفز بعدها إلى فرض رؤاه المسبقة على القرآن الكريم، ورداً على دعواه أن الأساطير والروايات الواهية التي يوردها المفسرون تأخذ عندهم وعند القراء حكم الآيات القرآنية.
ثانياً: دعوى أخذ القرآن قصصه من البيئة الثقافية المحيطة:
1) يتحدث أركون في سياق قراءته لسورة الكهف، عن القصص الثلاث – قصة الكهف وذي القرنين وموسى مع الخضر- زاعماً أن القرآن استقاها مما يسميه المخيال الثقافي المشترك والأقدم لمنطقة الشرق الأوسط القديم، ليس في هذه المقالة فحسب بل وفي غيرها أيضاً، حيث يقول في أحد كتبه:" إن أساطير غلغامش، والإسكندر الكبير، والسبعة النائمين في الكهف؛ تجد لها أصداء واضحة في القرآن"، لكن هذه القصص جميعها"[42]؛ ممزوجة أو متداخلة في سورة واحدة من سور القرآن ... لكي تدعم وتجسد نقل الشيء ذاته، وهو الرسالة الإلهية الخالدة؛ إن كل واحدة من هذه القصص مركبة على قاعدة البنية السيميائية المذكورة آنفاً[43] وفي كل واحدة منها نلاحظ انبثاق البطل الذي سيتلقى الرسالة ويستخدم المعرفة المتضمَنة فيها لكي يغير مجرى الوجود البشري ومعناه النهائي باعتباره مرتبطاً بالله وتعاليمه"[44].
وهنا يقر أركون بما نفاه عن علاقات بين قصص السورة الكريمة حيث هي ممزوجة متداخلة في سورة واحدة كي تدعم وتجسد الشيء ذاته بعبارة أركون نفسه، حيث نلاحظ كيف ينسى أركون ما يقوله في مكان ليقول عكسه في مكان آخر، لا بل إنه، كما أزعم، لا يجد غضاضة في تبني الشيء ونقيضه في آن.
2) إن سياق الآيات في قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين يشعر بأن القصتين كانتا معلومتين إجمالاً زمن النزول وذلك كما يظهر من قوله تعالى: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم .. ﴾، وقوله سبحانه: ﴿ ويسألونك عن ذي القرنين﴾، لكن القرآن يؤكد أولاً أن روايته هي الحق، كما في قوله:﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق﴾، أو قوله في غيرها: ﴿ نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق﴾ [ سورة القصص: 3]، ومن جهة ثانية فإن القرآن يلفت في روايته إلى الاهتمام بأمور وتجاوز أخرى، ففي قصة الكهف مثلاً ينكر القرآن الانشغال بعدد الفتية، وفي قصة ذي القرنين، لا ينشغل بالتفاصيل التي سألوا عنها بل يلفتهم إلى الدروس المطلوب تذكرها ومن هنا قال :﴿ قل سأتلو عليكم منه ذكراً﴾.
3) يعود أركون ليتراجع عن دعاوى أخذ القرآن قصصه عن ملحمة جلجامش ورواية الإسكندر الكبير، حيث يستدرك بالقول:" في الواقع إن القرآن لا يستمد قصصه أو حكاياته بشكل مباشر من ذلك المركب المعقد والعتيق لأساطير وادي الرافدين، والأساطير الحثية والأناضولية والأوغاريتية والكنعانية والمصرية كما هي الحال بالنسبة للعهد القديمثم يستعين بالسيدة فرانسواز سميث – فلورنتان، التي تكتب له مقترحة صيغة أخرى تمثل (تزاوجاً) بين تراثين يهودي مدراشي ومسيحي مما ساد في أديرة الرهبان، لكن يظل أركون غير واثق من هذا الاقتراح، حيث يقول:" ينبغي أن نضيف إلى كل ذلك ما يلي: حتى لو توصلنا بشكل دقيق إلى الكشف عن جميع التراثات الثقافية القديمة التي أثرت في القرآن، فإننا لن نستطيع أن نفسر آلية الاشتغال الدلالية أو السيميائية للخطاب القرآني الذي يستخدم أسماء الأعلام والقصص والكلمات النادرة من أجل تدشين انطلاقة جديدة للشيفرة المنطقية- المعنوية في اللغة العربية"[45].
إن أركون كما هو واضح قد استبق النتائج قبل المقدمات ولا يهمه أن تؤدي المقدمات إلى نتائج مغايرة فهو مصر على مراده، فبالرغم من أن القرآن باعترافه لم يستمد حكاياته مباشرة كالعهد القديم من ذلك المركب من الأساطير، وبالرغم من أن الاقتراحات المطروحة سابقاً ولاحقاً غير مقنعة، وبالرغم من استحالة تفسير آلية الاشتغال الدلالية أو السيميائية للخطاب القرآني، حتى على فرض التوصل إلى التراثات التي أثرت في القرآن بزعمه، فإن أركون غير مستعد للتعاطي مع الاحتمال الذي رفضه منذ البداية وهو ربانية هذا الكتاب العزيز.
المطلب الثالث: أركون وتاريخية القرآن
سبق إيراد كلام الأركون الذي يلخص مشروعه في نشر دعوى تاريخية القرآن:" أريد لقراءتي هذه أن تطرح مشكلة لم تطرح عملياً قط بهذا الشكل من قبل الفكر الإسلامي؛ ألا وهي: تاريخية القرآن، وتاريخية ارتباطه بلحظة زمنية وتاريخية معينة، حيث كان العقل يمارس آليته وعمله بطريقة معينة ومحددة"[46].
لكن الملاحظ أن أركون ومترجمه ينطقهم الله تعالى بالحقيقة الدامغة المبطلة لمزاعمهما، مرة ومرة ومرات؛ يقول المترجم: " يرى أركون أن إحدى أهم ميزات الخطاب القرآني - بل لعلها الميزة الأساسية فيه – تكمن في تعميم الحالات الخصوصية والأحداث الواقعية التي حصلت في زمن النبي ورفعها إلى مستوى الشمولية والكونية والتعالي عن طريق استخدام المجازات الرائعة وافتنانه في خلقها"[47]. لقد بحثا عما يؤكد تاريخية القرآن ففاجأهما بأنه يعمم الحالات الخاصة والأحداث الواقعية، ولغته تلميحية لا تصريحية ولا تكاد تجد فيه قريشاً ولا مكة ولا المدينة، حيث يعلق المترجم عند المسلمة الثانية قائلاً: " نادراً ما تكون لغة القرآن تصريحية، وإنما هي تلميحية في معظم الأحيان، ولذلك فإنها قابلة للتعميم على حالات عديدة، وليس فقط على حالة قريش ومكة والمدينة...إلخ"[48].
ويكرر المترجم وهو يشرح بعض كلام أركون :" المقصود بذلك أن كلمة( المغضوب عليهم) أو ( الضالين)، تدل على أشخاص محددين بدقة في مكة، وكانوا معادين للرسالة الجديدة، ولذلك دُعوا بالمغضوب عليهم والضالين، ولكن القرآن لا يحدد أسماءهم وإنما يترك الصياغة عامة شمولية تنطبق على أعداء هذا الدين في كل زمان ومكان، وهنا تكمن إحدى السمات الأساسية للخطاب القرآني فهو يستخدم لغة عمومية ولا ينزل إلى مستوى تسمية هؤلاء الناس بأسمائهم الحقيقية"[49]. ومع أننا لا نوافقه القول بأن المغضوب عليهم والضالين قصد بهما أشخاص محددون في مكة، لكن يستوقفنا اكتشاف أركون ومترجمه براءة النص القرآني من كل ما يمكن أن يشير إلى التاريخية التي يسعى أركون لإكراهه عليها.
والطريف بل المضحك أن يتحدث مترجم أركون بأن القرآن قد ( برع في التغطية على تاريخيته!!)، ذلك أنه بعد أن أثنى أركون على كتاب جاكلين شابي ( رب القبائل - إسلام محمد) التي قامت بقراءة تاريخية منتظمة ودقيقة للخطاب القرآني ذاته!!، علق مترجم أركون في الهامش:" هذا الكتاب يعتبر حدثاً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ فهو يشكل أكبر عملية أرخنة للنص القرآني حصلت حتى الآن، ونقصد بالأرخنة هنا: الكشف عن تاريخية الخطاب القرآني عن طريق ربطه بالبيئة الجغرافية والطبيعية والبشرية – القبائلية لشبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. ومعلوم أن الخطاب القرآني قد برع في التغطية على هذه التاريخية عن طريق ربط نفسه باستمرار بالتعالي الذي يتجاوز التاريخ الأرضي كلياً أو يعلو عليه"[50].
لقد احتفى أركون ومترجمه بكتاب "السيدة" شابّي، التي جاءت بما لم يستطعه الأوائلُ، حتى اعتبر كتابها حدثاً بمعنى الكلمة، ولعل السبب أنها استطاعت الإمساك بالقرآن متلبساً بالأرخنة بعدما برع طويلاً في التغطية عليها!!، وهل كانت الجهة أو الجهات الأرضية التي ألفت القرآن تعلم أن أركون ومترجمه والسيدة جاكلين شابي سيبحثون بعد أربعة عشر قرناً عن أدلة الأرخنة فتعمدوا إخفاءها؟!
لقد كان أجدر بأركون ومترجمه وعامة الحداثيين إذ لم يجدوا في القرآن أدلة الصياغة البشرية الأرضية أن يقروا بربانية هذا الكتاب ولا يركبوا رؤوسهم ويصروا على خطئهم، وشعارهم: ( عنزة ولو طارت ).
المطلب الرابع: أركون وأسباب النزول
يقول أركون:" كان المسلمون قد أنشأوا علماً يبحث عن تحديد أسباب النزول الخاصة بكل آية... في الواقع إن أسباب النزول ليست إلا ذريعة أو تعلة"[51]. وكلام أركون هذا يوحي بأن المسلمين قد اخترعوا أسباب النزول لا أن أسباب النزول قد حفزتهم على جمعها ودراستها.
كما يخلط أركون بين الروايات الإسرائيلية وأحاديث القصاص التي أوردها المفسرون على هامش قصص الأنبياء، وبين أسباب النزول، وذلك في سياق حديثه عن قصة بدء الوحي في غار حراء ثم يزعم بأن لكل آية سبب نزول[52]، وهو يكرر أن هذه القصص تذكر لتعزيز وترسيخ الوحي والرسالة، فقصة جبريل مع الرسول عليهما الصلاة والسلام تضمن " صحة أو موثوقية الوحي على طول الخط ابتداء من آدم وانتهاء بمحمد"[53]. وكذلك فالسبب المذكور لنزول قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين، الهدف منه إثبات نبوة الرسول في مواجهة المشككين من قريش واليهود؛ حيث يسمي أركون ما اصطلح عليه باسم أسباب النزول ( الحكايات التأطيرية)، ويعرفها بالقول:" إنها تعني السرد المزين والمنمق أدبياً قليلاً أو كثيراً " ويقصد بالسرد " إحدى المراحل المعاشة أو المتخيلة من حياة النبي، وهذا السرد يشكل الإطار المكاني- الزماني لتجليات الظاهرة القرآنية"، ويتابع أركون بأن كل حكاية أو قصة مسرودة تشكل نوعاً من الإخراج المسرحي الوجودي لآية أو آيات لُفظت من قبل محمد بصفته نبياً مرسلاً.
لا بل إن الفرق الإسلامية المختلفة أيضاً تختلق أسباب نزول خاصة بها، لإثبات أحقيتها وأفضليتها – حسب أركون- الذي يؤكد أن ما يُدعى بأسباب النزول المستخدمة عموماً كبرهان تاريخي على السياقات التي أوحيت فيها الآيات، تبدو لنا مضللة أو خادعة كلياً لأنها تنتمي إلى السياقات الجديدة المبلورة من أجل تلبية حاجات الذاكرة الجماعية لكل فرقة إسلامية، والتي تعمل لنيل لقب الطائفة المهدية الصحيحة والقويمة[54].
من جهة أخرى يلفت أركون الانتباه إلى أن أسباب النزول يصبح لها قيمة فريدة ترفعها فوق كل الحكايات الدنيوية، لأنها أُعديت من قبل التعالي، بمعنى أن ارتباطها بآيات القرآن يسبغ عليها القداسة والعصمة ويصبح لها قيمة مقاربة أو مساوية للآيات التي جاءت تفسرها.
إن أركون محق في أن الروايات الضعيفة والموضوعة لأسباب النزول، وكذا الإسرائيليات وأحاديث القصاص التي جُعلت على هامش تفسير القصص القرآني، قد شوشت وشوهت وأضرت، وصار لبعضها منزلة مقاربة للنص الذي جيء بها لتفسره، ولكن هذا هو موقف غير المحققين وأنصاف العلماء ولا يجوز التعميم في ذلك، سيما وأن العلماء والمحققين لا يملون من التحذير والتنبيه من هذه الروايات.
ومن جهة ثالثة، وخلافاً للكثير من العلمانيين الذين اتخذوا من قضية أسباب النزول متكأً للقول بتاريخية القرآن أي حصر تطبيقه في الظروف والناس الذين نزل فيهم، فإن أركون يرفض هذا المدخل، مع أنه مستاء من كون القرآن يُتخذ كتاباً للحياة، لأنها تعني التصديق بالوحي، حيث ينتقد ( التفسير التقليدي) و( الفكر التاريخي القديم) لأنهما " يخلطان عموماً بين القصص الأسطورية والحقائق التاريخية المعزولة عن سياقها، ونلاحظ اليوم أن بعض المعلقين أو الكتاب يحاولون الحد من التأثير القضائي أو القانوني للآيات التشريعية عن طريق القول بأنها أوحيت بروح زمانها وتلبية لحاجات ومتطلبات المجتمع العربي في زمن النبي. وبحسب رأي هؤلاء المصلحين، أو المجددين، فإن التفسير العملي والبراغماتي للآيات التشريعية لا ينبغي أن يؤدي إلى أي مراجعة للاهوت الوحي التقليدي[55].
وهكذا يصبح العلمانيون المنافقون الذين يتظاهرون بالإيمان بالقرآن ثم يسعون لنزع فعاليته التشريعية ويرفضون تطبيقه في الواقع، مصلحين مجددين بالنسبة لأركون، ومع ذلك فطرحهم مرفوض عنده؛ لكونهم لا يدعون إلى مراجعة (لاهوت الوحي التقليدي)!!.

المطلب الخامس: وثاقة النص القرآني، جمع القرآن والقراءات
في المبدأ الثالث خلال قراءة سورة الكهف، تحدث أركون عن المسلمة اللاهوتية، التي تنص على أن " كل العبارات أو الآيات المجموعة في النص الرسمي القانوني ( أي المصحف) صحيحة كليا، ولا يختلط بها أي كلام غير إلهي[56]". وكان تحدث عنها في بداية الكتاب أثناء كلامه عما سماه بالمبادئ اللاهوتية الأساسية المشتركة لدى جميع المسلمين فيما يخص الوحي، حيث جاء في المسلمة الرابعة: " إن جمع القرآن في نسخة مكتوبة ومحفوظة مادياً بين دفتي كتاب يُدعى المصحف يمثل عملية دقيقة وحرجة، ولكنها ابتدأت بكل دقة أيام النبي ثم أُنجزت مع كل الضبط اللازم في ظل الخلفاء الراشدين وبخاصة في ظل عثمان، وبالتالي فالقرآن المحفوظ عن ظهر قلب، والمتلو، والمقروء، والمشروح من قبل المسلمين منذ أن انتشر مصحف عثمان، هو النسخة الكاملة، والموثوقة والصحيحة للوحي الذي بُلّغ إلى محمد[57]".
وحديثه عن المسلمات هو حديث تسفيه واستخفاف، عن أفكار وتصورات غير واقعية وغير علمية وتشكل بالنسبة إليه عوائق لفهم حقيقة القرآن ومن هنا لا يزال المسلمون يقدسون القرآن ويتخذونه كتاباً للحياة!!
وبالتالي فمهمة أركون تتجلى في أن لا نعود نؤمن بأن القرآن الذي نطق به النبي هو الذي نقرؤه اليوم ولم يختلط به شيء آخر.، وجاء اعتراضه من عدة مداخل: كالتحول من الشفاهي إلى المكتوب، ودعوى توافق السنة والشيعة والخوارج على نص واحد، وموضوع القراءات، فضلاً عن الاستناد إلى أبحاث المستشرقين.
ولذلك يتحدث أركون عما يصفه بعملية" التدمير المنتظم لكل الوثائق الثيمنة الخاصة بالقرآن" وكيف أن هذه أدت إلى حالة لا يمكن الرجوع عنها والخسارة التي لا تعوض،" اللهم إلا إذا عثرنا على مخطوطات جديدة توضح لنا تاريخ النص وكيفية تشكله بشكل أفضل"[58].
ويؤكد ذلك على طريقته في التعالم بتعظيم الذات زاعماً أن ما يقوله بدهي:" نحن نعلم كيف أنهم راحوا يشذبون "قراءات القرآن" تدريجياً، لكي تصبح متشابهة أو منسجمة مع بعضها بعضاً، لكي يتم التوصل إلى إجماع أرثوذكسي".[59]
ومن أمثلة هذا التشذيب عند أركون زعمه أن الطبري قد " انتقى وانتخب وحذف ونظم معلوماته طبقا لمواقفه السياسية والدينية، وقد هدف إلى المصالحة بين المسلمين على أساس زيديته المعتدلة، التي تتجسد من خلال بذل الجهد من أجل إضفاء المشروعية على السلطة العباسية وتسفيه موقف الأمويين والتشيع السياسي أو المسيس في آن معاً، وهذا ما يفسر لنا سبب إلحاحه على التوفيق بين مختلف نسخ النص القرآني ( أي القراءات)[60]".
ويؤكد المترجم كلام سيده أن:" القرآن لم يثبت كلياً أو نهائياً في عهد عثمان على عكس ما نظن، وإنما ظل الصراع حوله محتدما حتى القرن الرابع الهجري حين أُغلق باتفاق ضمني بين السنة والشيعة؛ وذلك لأن استمرارية الصراع كانت ستضر بكلا الطرفين، بعدئذ أصبح يعتبر كنص نهائي لا يمكن أن نضيف إليه أي شيء أو أن نحذف منه أي شيء"[61].
ولذلك فهناك مهام عاجلة ندب أركون نفسه لها من أجل نقد القصة الرسمية لتشكيل القرآن!!:" لنذكر الآن المهام العاجلة التي تتطلبها أية مراجعة نقدية للنص القرآني..، أي نقد القصة الرسمية لتشكيل القرآن، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية سواءً كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني، هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، بعدها نواجه ليس فقط مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق، وإنما أيضاً محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخراً"[62].
أما كيف سيتوصل أركون إلى تلك الوثائق، فإنه يأمل أن يتم من خلال:" سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا، أو إسماعيلية الهند، أو زيدية اليمن، أو علوية المغرب، يوجد هناك في تلك المكتبات القصية وثائق نائمة متمنعة، مقفل عليها بالرتاج، الشئ الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيداً"[63]!!.
لكن أركون متحسر من أن ( الباحثين ) لم يعودوا يواصلون ( المعركة ) من أجل تقديم ( طبعة نقدية محققة) على حد وصفه عن النص القرآني كم فعل المستشرقان نولدكة وبلاشير، حيث يقول:" المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محققة عن النص القرآني؛ لم يعد الباحثون يواصلونها اليوم بنفس الجرأة كما كان عليه الحال في زمن نولدكة الألماني وبلاشير الفرنسي"[64]، لكن أركون لا يخبرنا لماذا هي معركة، ولماذا كان القرآن ميدانها، وما أهدافها، ولماذا كان روادها الأوائل نولدكة وبلاشير، ولماذا لم يعد المستشرقون يخوضونها، ولماذا دخل أو أُدخل غمارها؟!.
ثم يبلغ اليأس مبلغه عند أركون، فيعلن استحالة فتح الملفات المغلقة المزعومة لتشكل المصحف، مع أنه يعلم أن الكثير من ملفات تشكل العهد القديم والجديد قد فُتحت على مصراعيها، بالرغم من كونها أسبق بعدة قرون من القرآن الكريم، يقول أركون:" نحن نجد أنفسنا اليوم عاجزين أكثر من أي وقت مضى عن فتح الإضبارات التي أغلقت منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين والتي تخص المصحف وتشكله"[65].
وهناك عدة ملاحظات إضافية على ما سبق مما تضمنته الاقتباسات السابقة:
أولها: نفي أركون ومترجمه كل ما يتعلق بجمع القرآن ونسخه زمن أبي بكر ثم عثمان، وتجاهل كل الأخبار والروايات التي تتحدث عن ذلك، وعدم مناقشتها، دون تقديم روايات بديلة لذلك.
ثانياً: التحدث عن ( اتفاق ضمني) بين السنة والشيعة ( لإغلاق ملف الصراع المحتدم بينهما حول القرآن) ، وحيث إن الاتفاق ضمني فلا داعي لأن يتحفنا أركون أو مترجمه بمعرفة مكان هذا الاتفاق وزمانه المحدد أو أبطاله.
ثالثاً: يتخيل أركون، بل يسعى أن يخيل للقراء، بأن القراءات القرآنية هي نسخ متعددة متباينة من القرآن لا أنها أنظمة وصيغ ( قرائية) مختلفة للنص ذاته، مستبطناً في مخيلته الأناجيل المختلفة، أو أسفار العهد القديم المتعددة، وكأنه مصمم على أن يلصق ما جرى لأسفار أهل الكتاب بالقرآن الكريم، ثم أين هي النسخ التي ضاعت أو أخفاها الفرقاء قبل اتفاقهم الضمني؟.
رابعاً: يخلط أركون بين دور الطبري كمفسر يفاضل بين القراءات ويرجح بعض الأقوال والروايات على البعض الآخر، والدور الذي يتخيله من أن الطبري قام ب" التوفيق بين مختلف نسخ النص القرآني ( أي القراءات)" على حد تعبير أركون.
خامساً: وفي الهامش يقول أركون:" إن الاستخدام الطقسي أو الشعائري للنص القرآني ساهم بالتأكيد وبشكل مبكر في تثبيته، ولكن لهذا الاستخدام بالذات تاريخ لا نعرفه؛ بمعنى أننا لا نعرف متى ابتدأ المسلمون يستخدمون النص القرآني في الصلوات والطقوس، ولا كيف تطور ذلك على مدار التاريخ"[66].
كأنما هو يكذب الكذبة المناقضة لواقع القرآن الكريم، ثم تلاحقه الحقيقة فيذكرها لكنه يلوي عنقها؛ فيتحدث عن أن القرآن جمع خلال ثلاثة قرون عندما أصبح هناك نسخة رسمية، ثم لا يلبث أن يتحدث عن الاستخدام الطقسي الذي ساهم في تثبيت القرآن وبشكل مبكر، ولكنه لا يعرف متى ابتدأ المسلمون يفعلون ذلك ولا كيف تطور على مدار التاريخ؟!
وبدلاً من الإقرار بالحقيقة التاريخية حول جمع القرآن والتي يؤكدها قول أركون السابق أن الاستخدام الشعائري قد ساهم مبكراً في حفظ القرآن، والذي أيده تجارب يعرفها أركون في حفظ آية الكلالة مشكَّلة، لا يزال أركون مصراً على طلب المستحيل من مخطوطات هو يعلم أنها غير موجودة، ولو كان عند أي طائفة من الذين ذكرهم أركون ما يُعتدّ به ما ظل مخفياً طيلة هذه القرون.
ومن أحسن ما كشفته قراءات أركون قوله إنه " قد يبدو من غير المعقول أو المحتمل أن يكون الخطاب القرآني متجانساً ومنسجماً؛ خاصة إذا ما علمنا أنه استمر على مدى عشرين عاماً .... سوف نرى على العكس من ذلك أن تجانسية المدونة النصية القرآنية ترتكز على شبكة معجمية أو لغوية واسعة، وعلى نموذج قصصي أو تمثيلي واحد"، ثم يعلق مترجمه في الهامش:" التجانس الذي يتحدث عنه أركون ليس التجانس الظاهري السطحي، فمن الواضح أن هناك اختلافات كثيرة بل وكبيرة بين سور القرآن المختلفة، فأحيانا ينتقل القرآن فجأة من موضوع إلى آخر لا علاقة له به على الإطلاق، ولذا يجد الكثيرون صعوبة في قراء القرآن أو فهمه نظراً لوعورته وغرابته وبعده عن مناخنا المعنوي واللغوي الحديث، ولكن في العمق هناك انسجام على على مدار القرآن من أوله إلى آخره، فشبكة الضمائر التوصيلية ( أنا، نحن، أنت، هم)، أو ( الله – محمد – البشر)، تخترق الخطاب القرآني كله، وكذلك الأمر فيما يخص البنية القصصية التي ترمز إلى النبي والأنصار/ والكفار والمنافقين... إلخ، وإذن هناك انسجام على مستوى العمق لا على مستوى السطح"[67].
إن أركون ومترجمه يبالغان في الحديث عن ( الاختلافات الكثيرة والكبيرة) بين الآيات والسور والتي لا يجمع بينها على حد زعمه، سوى التجاور، ولو كانا يريدان الحقيقة لكان هذا دليلاً حاسماً في وحدة مصدر القرآن وأنه لم يخالطه شيء، ذلك أنه لو حصل أي تلفيق أو توافقات لكانت ستُظهر لنا انسجاماً ظاهرياً سطحياً لا يلبث أن يفضحه الاختلاف وعدم الانسجام على مستوى العمق.
لقد لاحظنا أنه حتى الأحاديث النبوية على قصرها، قد ظهر فيها أثر الرواة زويادة ونقصاً، وتقديماً وتأخيراً، أو تغييراً لبعض المفردات، أو إدراجاً لشروحات الرواة وتعليقاتهم، فيما لا نجد أثراً لذلك في القرآن الكريم من بدايته حتى نهايته، وهو ما يؤكد إيماننا ويقيننا بأن الله تعالى وحده هو الذي حفظ القرآن، وأنه حتى التواتر وقصة جمع القرآن ونسخه ليست أكثر من مظاهر مادية ملموسة لتجليات الحفظ الإلهي، وأما الحقيقة فهي اختصاص الله تعالى بالجمع والحفظ مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [ سورة القيامة: 17] بعد قوله: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [ سورة الحجر: 9]، ويأتي مثال الحديث النبوي كأنما ليظهر لنا ربنا الفرق بين حفظه للقرآن وحفظنا بمعونته للسنة.
الخلاصات والنتائج
لم يعرض الباحث لكل ما أورده أركون في قراءته سورة الكهف، لأن ذلك كان سيستغرق أضعاف الحجم المسموح به، وقد ذكر أركون معلومات ونقولات كثيرة، وارتكز على مناهج عديدة، لكنا اكتفينا بهذا القدر من العرض والنقد الذي يفي بالغرض ولعله يتاح المزيد في قابل الأيام.
لاحظنا أن أركون يأخذ كل ما قاله المستشرقون عن القرآن والإسلام بالقبول والتسليم، ويسقط كل ما قاله الغربيون عن كتبهم الدينية على القرآن، ويتسلح بكل علومهم ومناهجهم وموضات علومهم في آن واحد ليقصف بها القرآن وأهله، لكن يظهر له خلاف ما أراد، ومع ذلك يصر على دعاواه، ويعلق أبحاثه القادمة على مستحيلات من مثل مخطوطات البحر الميت وصحف الشيعة والإسماعيلية.
ويشعر أركون بالإخفاق من تجاوب المحيط مع طروحاته، فالمسلمون لا يخفون ارتيابهم واشتباههم بتحليلاته وتأؤيلاته الفكرية التي يطرحها هو وأضرابه من المحدثين[68]، والمستشرقون يتجاهلون أبحاثه[69] وينظرون إليه نظرة احتقارية[70]، وطلابه الذين لا يفهمون عليه، وينقل لنا كلام المثقفين الفرنسيين، وهم يستهينون بكتاباته:" يقولون لي بشكل انتقادي ومعاكس: ما الذي تفعله أنت؟ أنت تردد بشكل ناقص الأفكار والمواقع والانتقادات نفسها التي كنا نحن الغربيين قد بلورناها تجاه تراثنا الديني منذ زمن طويل، أنت لم تأت بشئ جديد، كل ما تفعله شئ تافه، مللنا منه، عفا عليه الزمن".[71]
لقد صدقوه القول لكنه مصمم أنه سيجد في القرآن ما وجدوه في كتبهم المقدسة، ولو وجدوا ذلك ما تركوه يسبقهم إلى ذلك الفضل.
ولقد انتهت رحلتنا مع أركون وقد زادنا يقيناً بربانية هذا الكتاب العزيز مع حرصه على تأكيد تاريخيته، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

المراجع
1) أركون، محمد، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ت: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي بيروت، 1996م.
2) أركون، محمد، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ت: هاشم صالح، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 1996م.
3) أركون، محمد، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ت: هاشم صالح، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ت هاشم صالح، دت، دط.
4) أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ت: هاشم صالح، دار الساقي، لندن، بيروت، 1999م، ط1.
5) أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ت: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005م.
6) الحسن، مصطفى، الدين والنص والحقيقة قراءة تحليلية في فكر محمد أركون، الشبكة العربية للدراسات والنشر،2112م، ط1.
7) الرازي، فخر الدين، أبو عبد الله محمد بن عمر، التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب)، دار إحياء التراث العربي، 1418ه، ط1.
8) رضوان، فتحي، القصة القرآنية، كتاب الهلال، العدد 332، آب، 1978م.
9) الريسوني، قطب، النص القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر، منشورات وزارة الأوقاف المغربية، 2010م، ط1.
10) السعدي، أحمد فاضل، القراءة الأركونية للقرآن، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2112م، ط1.
11) السكران،إبراهيم، مصحف البحر الميت، موقع منتدى الخطباء، http://www.vbkhutabaa.com/attachment...8&d=1286134088
12) الشافعي، منى، التيار العلماني الحديث وموقفه من القرآن الحديث عرض ونقد، دار اليسر، القاهرة، 1429هـ، ط1.
13) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ت محمود شاكر، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط1، 2008م.
14) الطعان، أحمد إدريس، العلمانيون والقرآن الكريم (تاريخية النص)، دار ابن حزم، الرياض ، ط 1، 2007 م.
15) كيحل، مصطفى، الأنسنة والتأويل في فكر محمد أركون، دكتوراه في الفلسفةhttp://bu.umc.edu.dz/theses/philosophie/AKIH2524.pdf




([1])http://www.vbkhutabaa.com/attachment.php?attachmentid=158&d=1286134088 السكران، إبراهيم، مصحف البحر الميت، منتدى الخطباء،
.

([2]) الآبـاء البيض: هي جمعية تبشيريّة كاثوليكيّة، أسّسها في الجزائر المطران شارل ألمان لافيجري، عام 1868م. وغاية هذه الجمعية نشر المسيحية في القارة الإفريقية. وتسموا بالآباء البيض لاتخاذهم الثوب الأبيض زيًا لهم انسجامًا مع الزّي التّقليدي لسكان شمال إفريقيا.

([3]) السكران، مصحف البحر الميت، منتدى الخطباء، الشبكة العنكبوتية، سابق.

([4]) انظر: كيحل، مصطفى، الأنسنة والتأويل في فكر محمد أركون، أطروحة دكتوراه العلوم في الفلسفةhttp://bu.umc.edu.dz/theses/philosophie/AKIH2524.pdf

([5]) أركون، محمد، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ص 266، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ت هاشم صالح، دت، دط.

([6]) أركون، محمد، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ص 212، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط2، 1996م.

([7])أركون، محمد، الفكر الإسلامي قراءة علمية، السابق، ص 61.

([8])أركون، القرآن من التفسير الموروث، 27، 28 في المتن والهامش، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005م.

([9]) وهو سوري مقيم بفرنسا ، دبلوم الدراسات العليا من جامعة دمشق 1975، دكتوراه في النقد الأدبي الحديث من جامعة السوربون 1982.



([10])أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص146.


([11]) يرفض حديث المستشرق بلاشير عن وجود مقدمة وخاتمة، لأن ذلك يعني إسقاط المعايير البلاغية الأرسطوطاليسية على الخطاب القرآني والذي ليس خطاباً منطقيا أو فلسفياً حتى تطبق عليه المعايير البلاغية الأرلسطوطاليسية، كما قال!.( هامش ص 147).


([12]) يستشهد للتسلسل الزمني أو التاريخي بكلام للمستشرق بلاشير، والمستشرقين ج. وانسبرو، وج. بورتون.

([13]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 148.

([14])أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 149.

([15])السابق، ص 149.

([16]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 150.

([17]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص151-152.

([18]) السابق، ص 152.

([19]) المبادئ في الصفحات من 152-156.

([20])أركون، القرآن من التفسير الموروث، السابق، ص155.

([21]) وقد اختصرت مضمون هذه العناوين بشكل مخل في العرض، وفي النقد لضيق المجال.

([22]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص164.

([23]) انظر: الرازي، التفسير الكبير، 7/ 477.

([24])أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص162.

([25]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص163.

([26]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص169.

([27]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص175.

([28]) الرازي، التفسير الكبير،7/ 454.

([29]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 148.

([30]) الرازي، التفسير الكبير، 7/428.

([31]) وقد ضعف العلماء قصة سبب النزول هذه.

([32]) الرازي، التفسير الكبير، 7/454.

([33])الرازي، سابق، التفسير الكبير 7/477.

([34])

([35]) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 162.

([36])أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 161- 163.

[37] رضوان، فتحي ، القصة القرآنية، ص 80، كتاب الهلال، العدد 332، آب، 1978م.

[38] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 15/ 326-327، ت محمود شاكر، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط1، 2008م.

[39] الطبري، جامع البيان، السابق، 16/ 13- 16.

[40] الطبري، جامع البيان، السابق، 1/ 516- 521.

[41] الرازي، التفسير الكبير،7/ 454.

[42]أركون، الفكر الاسلامي قراءة علمية، 84.

[43]يقصد:( التداخلية النصية) والتي تعني أن نصاً كالقرآن مثلاً، قد يتأثر بزعمه بالعديد من النصوص كالتوراة والإنجيل، وتتداخل معه حتى تصبح جزءاً لا يتجزأ منه.( هامش ص 40).

[44] أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 40-41.

[45] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، هامش ص 167.

[46] ) أركون، محمد، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ص 212.

[47] ) أركون، محمد، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ص 202، ت: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط2، 1996م.

[48] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 154.

[49] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث،هامش ص 127.

[50] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، هامش ص 21.

[51] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 115.

[52] وكذلك يزعم مترجمه " أن المفسرين القدماء كانوا يسبقون تفسير كل سورة بإيراد أسباب نزولها"، هامش صفحة 156.

[53] أركون، القرآن من التفسير الموروث، سابق، ص30.

[54] أركون القرآن من التفسير الموروث، ص37.

[55] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص41.

[56] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 152-153.

[57] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، هامش ص 20.

[58] أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص 45.

[59] أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص111.

[60] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، هامش ص 151-152.

[61] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، هامش ص 114.

[62] أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 290.

[63] أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 291.

[64] أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص44.

[65] أركون، الفكر الاسلامي قراءة علمية، ص 30.

[66] أركون، القرآن من التفسير الموروث، هامش ص 155.

[67] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 114- 115.

[68] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص 161.

[69] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص42.

[70] ) أركون، القرآن من التفسير الموروث، ص43.

[71] ) أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ص 23.