قد يبدو مذهبُ منعِ الاقتصارِ على بعضِ الحديثِ دونَ بعضه غريبًا عند البعض -وقد كنتُ من هذا البعضِ وقتَ دراستي لعلم مصطلَحِ الحديث- إذ قد يسأل سائل: أليس كلُّه كلامَ النبيِّ ؟!
إلا أن ثمَّ مسائلَ تبيِّنُ أهميةَ الوقوفِ على نصِّ الحديثِ تامًّا، وعدمِ الاكتفاءِ بجزئه:
فمن ذلك الحديث الذي أوردَه الإمام الداني في المكتفى (ص 3) -وتَبِعَه جمعٌ من المصنِّفين في الوقف والابتداء- عن عدي بن حاتم أنه قال: جاء رجلان إلى رسول الله فتشهَّد أحدُهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، فقال رسول الله : "قُمْ أو قال: اذهبْ، بئسَ الخطيبُ" وهو -بقريبٍ من هذا اللفظ- عند أبي داود في السُّنن (كتاب الصلاة/ باب الرجل يخطب على قوس برقم 1099).
والحديثُ بهذا السياقِ يُفهِمُ أنَّ سببَ زجر النبي للمتحدِّث هو وقوفُه على "ومن يعصهما" وعدم إكمالِ العبارةِ.
بيدَ أنَّ للحديث طرقًا أخرى كثيرةً تدفعُ هذا التأويلَ، منها ما جاء في صحيح مسلم (كتاب الجمعة/باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم 870) أن الرجل قد أكمل العبارة فقال: "ومن يعصهما فقد غوى".
بل جاء في صحيح ابن حبانَ (كتاب الصلاة/ باب صلاة الجمعة برقم 2798) أن النبيَّ قال له: "بئسَ الخطيبُ، قل: ومن يَعْصِ اللهَ ورسولَه" وهو ظاهرٌ في أن سببَ الزجر إنما هو الجمع بين الله ورسوله في الضمير بقوله: "ومن يعصهما" وهو ما يُوهِمُ التسوية؛ ولهذا بُوِّبَ للحديث في جامع معمر بن راشد (ت 153 هـ) بباب: "قول الرجل: ما شاء الله وشئتَ".
وعليه فالاستدلال بالحديث ببابِ الوقف والابتداء فيه نظَرٌ، واللهُ تعالى أعلمُ.