العلاقة بين الثلاثي إبراهيم عيسى والعظم ورشدي

طارق منينة

كان صادق جلال العظم، ذلك العدو الذي استهزأ بالرسول ، في مايزيد عن ألف صفحة من كتابيه (مابعد ذهنية التحريم) و(ذهنية التحريم) ، قد كتب كتابيه هذين تبريرا لما فعله سلمان رشدي في روايته آيات شيطانية من جعل بيت النبي بيت دعارة حقيقي، وكان قد سمى الأسماء ووضع الرايات، ورسم المشاهد، قال العظم: «يقول رشدي إن مومسات الدار اندمجن بأدوارهن، كزوجات لبعل - ماحوند، إلى حد جعلهن ينسين أسمائهن ويتحولن بذلك إلى مجرد انعكاس مضحك وظل هزيل لما يجري في الخارج بين ماحوند وزوجاته من نزاعات وصراعات ومن منافسات وتحالفات، وعلى سبيل المثال فنيت فتاة حجاب المسماة عائشة في دورها -على طريقة كارمن- إلى درجة جعلتها تتقدم على بقية المومسات وتتعالى عليهن وتغار منهن حرصًا منها على مكانتها المفضلة لدى زوجها بعل - ماحوند وغالبية رواد حجاب»ذهنية التحريم ص294 «حجاب»في الرواية هو «بيت عمومي» «بيت دعارة»!

استعمل العظم مناهج القدح والسخرية الغربية فدافع عن خيال رشدي على طول الالف صفحة ويزيد، وقد نقل العظم هدف رشدي من كلامه ، يقول رشدي:" و" الآيات الشيطانية" ، بشكل ما، هي تصفية حسابات إنسان علماني مع الروح الدينية" (مابعد ذهنية التحريم ص292. والجملة من مقال رشدي «بحسن نية (دفاع سلمان رشدي عن نفسه)» انظر «أوطان خيالية»ص393 – 414 ترجمة ممدوح عدوات، مراجعة صادق جلال العظم ونور طوفان وممدوح عدوان، كما أشار إلى ذلك العظم ص289 في (ما بعد ذهنية التحريم).

بل زاد هو -العظم- من خياله فرسم بيت الدعارة العلماني في تصور أوسع ، ومشاهد أشد تهكمية ، ووضع في نهاية كتابه الثاني كل مقالات العلمانيين الذين دافعوا عنه لدفاعه عن رشدي ولإعلانه التخلص من النبوة بالإنتقام الروائي منه كما فعل فولتير مع المسيحية وكما فعل الروائي فرانسوا رابيليه.

أما إبراهيم عيسى فقد كتب وصرح وأعلن أنه قرأ الكتابين (ذهنية التحريم ومابعد ذهنية التحريم) وأنه يعتبر صادق جلال العظم استاذه في الفكر والعلم والدفاع والمحاماة بل دعانا الى أن نقتدي به!!

يقول عن العظم : "أما المحامي - أو الذي أعتبره كذلك - فهو مفكر سوري كبير، اسمه صادق جلال العظم، من مواليد دمشق عام1934... له 12 كتابًا... وأحدث كتبه بعنوان ذهنية التحريم". [أفكار مهددة بالقتل من الشعراوي إلى سلمان رشدي، لإبراهيم عيسى (ص104)] يقول: "أول ما فعله الكاتب صادق جلال العظم أنه فتح ملفات المقالات التي كتبها نقادنا وأساتذتنا الكبار عن آيات شيطانية وسلمان رشدي، وهي فضيحة رسمي وبجلاجل". (ص106)

المدهش أنه في الفصل الذي عقده عيسى لسلمان رشدي في كتابه هذا، أنه سمى اعتراض المسلمين على رشدي وتصويره للنبي وزوجاته بأشنع الأوصاف، بأنه: "الهجوم القطيعي (...) والحشد والتعبئة تجاه أمر بعينه من سمات مجتمعنا وسبب من أسباب تخلفه". (ص105)

يقول عن سلمان رشدي : "إنه الاسم الذي يصيب كثيرين "بالأرتيكاريا" (ص23)، ويصف الذين اعترضوا عليه بأنهم فعلوا زارًا جماهيريًّا (ص103): "لقد كان المتطرفون يبحثون عن قضية لاستعراض العضلات وإثبات الذات ونفخ القوى (!) فلجأوا إلى المظاهرات". (ص110)، إن رشدي هذا قد صور النبي في روايته برجل مخمور تتلقفه عاهرة من كرنفال، هي هند !!، ، كما صور زوجاته في بيت دعارة يمارسن المهنة.

ان إبرهيم عيسى أخفي عن القراء -الذين لايقرأون-أن العظم قد شتم الرسول في كتابه هذا، وأيضًا في كتابه المكمل وهو (ما بعد ذهنية التحريم) مئات المرات، بل قال العظم في مئات النصوص منهما ، ما المشكلة أن نتهكم ونهزأ بالنبي محمد ونصوره في أبشع صورة خياليه للإنتقام من النبي والنبوة كما فعل سلمان رشدي؟ (النصوص فظيعة جدا) وقال إن احتقار النبي ضرورة حداثية للانعتاق من أسر الدين والخرافة،



يقول صادق جلال العظم: “ صب بعض النقاد العرب جام غضبهم على رشدي بسبب شخصية سلمان الفارسي في الآيات الشيطانية واتهموه للمرة العاشرة بالتزوير والتحوير وما إليه. يقدم سلمان رشدي سلمان الفارسي في الرواية على أنه أحد كتبة الوحي الأذكياء الذين تطرق الشك إلى عقولهم بالنسبة إلى المصدر الإلهي لما كان يمليه عليهم ماهوند من آيات، بدأ سلمان رحلة شكه حين لاحظ أن النبي (أو الوحي) لم يكن ينتبه أبدًا إلى الأخطاء التي كان يقع فيها سلمان نفسه أثناء تدوين التنزيل ولا يشير عليه بتصحيحها، وبعد فترة تجرأ سلمان الفارسي على تبديل الوحي عامدًا متعمدًا ولما قرأ على ماحوند ما كتبه من عنده وافق عليه الأخير فورًا وقبله كوحي منزل، عند هذا الحد اقتنع سلمان الفارسي بأنه لا وحي ولا من يحزنون (!) وقرر الفرار قبل أن يفضح سره وعلى غير ما اعتاده الفكر الديني الوثوقي التقليدي السائد عندنا تتجه رحلة سلمان الفارسي في “ الآيات الشيطانية “ من اليقين والتسليم إلى الشك وإعمال العقل النقدي في كل شيء بدلًا من العكس، أي بدلًا من أن تتجه نحو اليقين انطلاقًا من الشك، ترمز الرحلة هنا، طبعًا، إلى رحلة سلمان رشدي نفسه ورحلة عدد هائل معه من مثقفي العالم الإسلامي والعالم الثالث عمومًا، في الواقع لا يرمز رشدي هنا إلى أكثر مما رمز إليه موت جبلاوي (الذي جبل آدم من طين وسواه بشرًا) في “ أولاد حارتنا “ ليضعنا مجددًا أمام مشكلة موت الله في العالمين الحديث والمعاصر"ذهنية التحريم ص 211 وانظر ص219

والسؤال الآن: هل يتلاعب ابراهيم عيسى بالمشاهدين محاولاً تغيير ذهنياتهم ونفسياتهم تجاه الصحابة والرسالة، التاريخ والإسلام، الوحي والقرآن؟

الإجابة نعم.

وهو يفعل نفس الشئ الماكر في رواياته.

فالرجل وجد أن الطريق الآمن للقدح في النبي والنبوة، القرآن والرسالة، الدين والتدين، التاريخ والصحابة، هو التستر وراء الرواية، والتهكم وراء الكتابة، والتلاعب وراء الشاشة، والمكر وراء العرض والسرد المزيف ، وإهانة الإسلام من خلال مدح من قدحوه فيه واستهزؤوا به، ولاتنسى أنه مدح ال12 كتاب للعظم بل أعلمك أنه قرأ كتبه هذا ، ومنها كتابيه في الهزؤ بالنبي مباشرة ومدح التلاعب بصورته .

ولذلك فإن روايته الأخيرة لاتختلف عن روايته الأولى.

وكما قال العظم عن رشدي فإن ابراهيم عيسى ينهج منهجا قريبا منه ، قال العظم:" إن رشدي لم يخترع الجديد " بل اكتفى بالمزج التخيللي والتركيب الروائي وإعادة الصياغة الروائية لمادة روائية إسلامية خام وذلك وفقاً لما هو متعارف عليه في فنون الإبداع الأدبي والإنتاج الفني المعاصر عموماً" ذهنية التحريم ص213.

في كتابي مقال في العلمانية (مخطوط ، لم ينشر بعد) كتبت فصلا كاملا عن العظم ورشدي، ووضعت فيه كثير من نصوصهما عن حيلتهما ضد الإسلام وكان مما كتبت:"وتحت عنوان «أوروبيًا وأدبيًا» كتب صادق جلال العظم يقول في كتابه «ذهنية التحريم» أن الأدب الغربي دخل المعركة ضد الدين كما دخل أخيرًا سلمان رشدي وغيره بعناصر التهكم والسخرية منه إلى تاريخ النبوة ومحاولة قلبه وتزوير عناصره.

«وسأبدأ مع عقد المقارنات مع روايتي الأديب الملحمي الساخر فرانسوا رابيليه الذي عاش في عصر النهضة الأوربية وأعطانا في «مغامرات غار غانتوا وبانتا غرويل»صورة هائلة عن ذلك العصر... لذلك أرعبت رواية رابيليه الأولى «بانتا غرويل» عصرها وأمتعته في وقت واحد لما انطوت عليه من هجاء فاحش وتهكم شرس ونقد ساخر لكل موروث اجتماعي وثقافي وديني... نزلت نزول الصاعقة على قراءها... أعلن صراحة وبسرور كبير «أن روايته باعت خلال شهرين عددًا من النسخ يزيد على مبيعات الكتاب المقدس كلها خلال تسع سنوات»... السلطات الكنسية... أدانت رواية رابيليه... وما أشبه اليوم بالبارحة لأن رابيليه اضطر أيضًا إلى الفرار والاختباء... إن الخصائص التي تجمع بين رواية «الآيات الشيطانية»وأدب فرانسوا رابيليه هي تمامًا خصائص الأدب النهضوي التنويري النقدي الهادف، لهذا نجد في إنتاج الروائيين هجاءً أدبيًا ملحميً ساخرًا لكل ما هو قائم... بغرض التحريض والصدم والإيقاظ والتحريك والتغيير والتجديد وطرح البدائل.. أي تتحول أساليب الأدب الساخر وألاعيب الضحك والفكاهة ومداعبات التهكم والاستهزاء وأحابيل المبالغة والتشويه والشطح الذي يزخر به أدب كل من رشدي ورابليه إلى أدوات ووسائل لفضح «حقائق عتيقة موروثة... من هنا نجد أن السخرية في أدبهما هي سخرية تراقب، كما أن النقد عندهما يقوِّض والفكاهة توبخ والتهكم يؤنب والمبالغة تفضح والتضخيم يكشف والمعارضة تهدم والمراوغة تصدّق»( ذهنية التحريم ص254، 255. ).

وما هدف رشدي وروايته وأعماله وهو الذي غرف من مناهج الهجاء الغربي؟

يقول صادق جلال العظم: «هدفه... هجاء ظاهرة دينية شرعية بأكملها (بغض النظر عما إذا كانت يهودية أم مسيحية أم إسلامية أم هندوسية أم كونفوشوسية أم بوذية) وتعريتها والسخرية منها وتبيان مدى تعسفيتها واعتباطيتها وعبثيتها لا عقلانياتها وبخاصة في عصرنا الحاضر... أما تلك الظاهرة فهي تلك التشريعات الجينية، بما فيها الأوامر والنواهي الشرعية... ما يحاول أديب مثل رشدي إنجازه فنيًا عبر شذرات من الواقع والتاريخ... تجعلنا نفكر من جديد بمسلمات كثيرة تراجع وتعيد النظر بكل ما هو عادي ومألوف وثابت ومتحجر ومتشئ في حياتنا وحولنا»( ما بعد ذهنية التحريم ص97 – 99. ). هل عقل د. جابر عصفور عن هذا التنوع الخلاق وهو يدافع عن سلمان رشدي في أكثر من مقال.في الحقيقة وكما تقدم فإن د. عصفور دافع عن العلمانيين بكل جهده ومن خلال المجلس الأعلى للثقافة في مصر وهو على رأسه رئيسًا، وكذلك من خلال مقالاته وكتبه!

يقول مكررًا دائمًا أن: «أن الإبداع مساءلة حرة، غير مشروطة إلا بأهداف الإبداع الذاتية» «فلا سبيل إلى ازدهار الفكر إلا بتحرير العقل من كل القيود التي تحجر عليه الانطلاق في مدى مساءلاته الخلاقة»(جريدة الحياة (هوامش للكتابة – الحرية... الحرية) 21 يونيو 2000 الموافق 1421 هـ/العدد 13615. ).

يقصد مساءلة الوحي، مساءلة النبوة بالنقد والاستهجان والتهكم والسخرية والبذاءة فلا حجر على النقد بأي قيد أيًا كان! يخبرنا عصفور بحسب معرفته بكتاباتهم: «أصبحت أعمالهم تعبيرًا عن التفاعل الخلاق بين الثقافات ومن ثم إضافة أصيلة إلى الآداب الأوربية في تيارات إبداعها الواعد»( هوامش للكتابة – تنوع الإبداع مقال للدكتور جابر عصفور بجريدة الحياة، 10 مايو، الموافق6 صفر 1921/العدد 13573. ). إضافة أصيلة في الإبداع الواعد «الموعود علمانيًا في بلادنا!» الذي يفتح مجالًا ومكانًا لأمثال هذه الأساطير العلمانية الكاذبة والساخرة الشديدة التهكم والشراسة تجاه النبي محمد والقرآن، وكمثال على ذلك سلمان رشدي. «والأمثلة البارزة على ذلك في اللغة الإنجليزية - يقول د. عصفور - المكانة المتصاعدة في المشهد الثقافي البريطاني لكتاب وكاتبات من طراز سلمان رشدي...»( ).



إن إبراهيم عيسى يبيت النية دائما في القدح في الإسلام.

والحمد لله أن السيسي يجمع حوله كل هؤلاء المجرمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة

مات صادق جلال العظم منذ أيام (شهر ديسمبر 2016 فيما أعلم) وقد ولد في دمشق عام 1934 درس الفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وعاد إليها أستاذًا عام 1963 أكمل تعليمه في جامعة(يال) الأمريكية، عمل أستاذًا جامعيًا في الولايات لمتحدة قبل أن يعود إلى دمشق عام 1962 ليعمل أستاذًا في جامعتها قبل أن ينتقل إلى التدريس في جامعة الأردن، عمل في عام 1969 رئيسًا لتحرير مجلة الدراسات العربية الصادرة في بيروت، عمل أستاذًا زائرًا لدراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون في الولايات المتحدة وزميلًا في مركز ويلسون في واشنطن، حصل على جائزة هولندية من ملكة هولندا أخيرًا، يلقي محاضرات في كل مكان في العالم ومنها محاضرة ألقاها في مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة في مدينة المحرق بالبحرين يوم الاثنين الموافق 20ديسمبر 2004 تحت عنوان إسلام وإرهاب ! وصفته صحيفة الراية القطرية في حوار معها (فيلسوف ومفكر سوري متحضر) (الأحد 3 فبراير 2008) وانظر ما بعد ذهنية التحريم ص441.

كتبه طارق منينة

قبل يومين من مولد الرسول الكريم محمد رسول الله وخاتم النبيين

الجمعة ١٠ ربيع الأوّل ١٤٣٨

٩ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٦