نظرة حول كتاب " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة
إن القرآن الكريم كتاب الله تعالى بالحق أنزله وبالحق نزل، معجزة الإسلام الخالدة، يقول تعالى: (( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ))[1]، منبع الهداية ومعلم الرشاد، أخرج البشرية من ظلمات الحيرة والجهل إلى نور العلم والهداية، وحفظ الأمة من الضياع، وأثبت هويتها، وحفظ دوامها وبقائها.
ومن هنا فلا عجب أن يكون هذا الكتاب موضع العناية والرعاية الربانية، بالحفظ من كل تحريف وتزييف، قال تعالى: (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ))[2].
ولهذا فقد عكف العلماء على دراسته وتفسيره، حتى بلغوا شأنا عظيما في فهمه واستخراج كنوزه، وبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس، وأفنوا أعمارهم في سبيل هذه الغاية العظيمة.
فكان من الواجب علينا أن نحفظ هذا الميراث عنهم، ولا يكون ذلك إلا بفهم مناهجهم، ومعرفة أساليبهم التي اتبعوها، وكما هو معلوم أن لكل منهم أسلوبه ومنهجه الخاص به، على ضوئه يفهم كلامه، ويعرف مقصده ومراده، وعلى الضد من ذلك فإن عدم فهمه أدى إلى خطأ كثير من الناس، حتى عابوا عليهم ما ليس يعيبهم، كيف وهم لا يفهمون المنهج.
وهذا ابن قتيبة أحد كبار العلماء المعروفين الذين سجل التاريخ الإسلامي أسمائهم، قد جمع من كل علم قدرا كبيرا، جعله مرجعا للدارسين والباحثين ممن جاؤوا بعده، حتى قيل فيه: إنه خير من مثل ثقافة القرن الثالث الهجري، بكل ما فيها من أطياف المعرفة، فهو الإمام المفسر الذي حاز أهلية التفسير وجمع أطرافه، وتقدم في علومه المختلفة من لغة وقراءات وأسباب نزول ... فكان بحق مصدرا من مصادر التفسير لكل من جاء بعده.
وهو الإمام المحدث الذي برع في جانب لا يقل أهمية عن أصحاب كتب الصحيح والجوامع، ممن عنوا بجمع أطراف الحديث وأسانيده، ذلك الجانب هو: الدفاع عن الحديث النبوي الشريف وتأويل مختلفه، ورد شبه الطاعنين فيه، ولا شك أن ذلك يحتاج من العالم إحاطة واسعة بكل ما يخص حديث رسول الله .
وهو العالم الناقد الأديب، الذي حرص على تعليم طلابه الأدب قبل العلم، ودأبه أن يقومه ألسنتهم، ويصلح أقلامهم، وهو الراوي والمؤرخ، حيث اعتبره جمهور المؤرخين أحد مصادرهم الأساسية، وكتاباه: ( عيون الأخبار ) و ( المعارف ) يشهدان بذلك.
بيد أنه مع مكانته هذه، ومعرفته العلوم والمعارف، لم يحظ بالعناية المطلوبة إلا من جانب واحد، وهو الجانب الأدبي أو اللغوي، فمن الملاحظ أن أكثر العلماء الباحثين لم يعيروا أهمية في دراساتهم إلى ابن قتيبة المفسر، ولهذا ظل مشهورا بنسبته إلى النقد والأدب أكثر من غيرها من العلوم، فالدكتور عبد الحميد سند الجندي في رسالته " ابن قتيبة العالم الناقد الأديب " والتي نال بها درجة الدكتوراه من مصر عام 1954م بقدر ما فيها من الإبداع إلا أنها اقتصرت على إبراز ابن قتيبة من ناحية أفكاره الأدبية التي ضمنها بعض كتبه، خصوصا كتابيه: ( أدب الكاتب ) و ( الشعر والشعراء ).
لقد وضع ابن قتيبة كتابه تأويل مشكل القرآن للدفاع عن حمى القرآن الكريم ضد الشكوك التي تثار حوله، والمطاعن التي تسدد نحوه، وانتدب نفسه لدرئها، وتبيان اعوجاجها، ورد كيدها إلى نحر أصحابها، خشية أن يغتر بها الأغمار والأحداث، أو يفتتن بها خفاف العقول وضعاف الإيمان، وقد أعانه على الرد المفحم والجواب المحكم امتلاكه لزمام البيان المشرق الرصين، واقتداره على النقد العلمي المتين.
ويذكر ابن قتيبة الباعث على تأليف هذا الكتاب في مقدمته فيقول: " قد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور ... فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألّفت هذا الكتاب جامعا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملا ما أعلم فيه مقالا لإمام مطلع على لغات العرب، لأري المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته. وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدّمت وأخّرت، وضربت لذلك الأمثال والأشكال، حتى يستوي في فهمه السامعون "[3].
وبعد المقدمة عقد ابن قتيبة بابا أسماه: ( باب ذكر العرب وما خصهم الله به من المعارضة والبيان واتساع المجاز )، ثم عقد بابا آخر في: ( حكاية أقوال الطاعنين )[4]، ثم عقد أبوابا في مباحث لغوية مهمة، جعلها أساسا لدفع كل تعارض، وحل كل إشكال، وهذه الأبواب هي على الترتيب: ( باب القول في المجاز، باب الاستعارة، باب المقلوب، باب الحذف والاختصار، باب تكرار الكلام والزيادة فيه، باب الكناية والتعريض، باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه ).
ثم استعرض ابن قتيبة الآيات التي أورد الطاعنون عليها الإشكالات في سورها من القرآن، غير مراع ترتيب المصحف، بل يذكر ما يعن له من الآيات، وقد يعود إلى السورة بعد أن ينتقل إلى غيرها.
وختم ابن قتيبة كتابه ببابين:
الأول: ( باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة ) جعله لبحث الكلمات التي تحتمل أكثر من معنى، وهو ما يسمى عند العلماء المشترك اللفظي.
الثاني: ( باب تفسير حروف المعاني وما شاكلها من الأفعال التي لا تصرف ) وبحث فيه بعض هذه الحروف وحقق معانيها، وذكر شواهدها من كلام العرب، ومن القرآن الكريم.
وقد لفت السيد أحمد صقر محقق الكتاب إلى أهمية هذه المباحث اللغوية التي ضمنها ابن قتيبة كتابه فقال: " ولأبواب المجاز التي ذكرها ابن قتيبة في هذا الكتاب قيمة تاريخية كبيرة، لأنها ستضيف إلى معارفنا عن تطور البلاغة شيئا جديدا، فالشائع الذائع بين الخاصة وغيرهم أن البلاغة العربية طفرت من نثار الجاحظ المبثوث في كتبه، إلى ( بديع ) ابن المعتر طفرة واحدة، ولم يعرف أحد أن ابن قتيبة قد أسهم في تكوينها وتطورها بنصيب موفور، فظهور تلك الأبواب في هذا الكتاب يظهرنا على تلك الحالة المفقودة في تاريخ البلاغة، ويضيف إلى أمجاد ابن قتيبة مجدا آخر عظيم الشأن سيذكره الذاكرون كلما تحدثوا عن تاريخ البلاغة ونشأتها، ولن يستطيع باحث أن يغفل صنع ابن قتيبة في استخراج ما في القرآن من أنواع المجاز وتبويبها أبوابا مفصلة بلغت عدة صفحاتها أربعا وخمسين صفحة ومائة، قبل أن يؤلف ابن المعتز كتاب ( البديع ) في سنة أربع وسبعين ومائتين بسنوات وسنوات.
ولباب ( اللفظ الواحد للمعاني المختلفة ) كذلك قيمة تاريخية عظيمة، فقد أرجع ابن قتيبة المعاني المختلفة للفظ الواحد إلى أصل واحد نشأت منه وتفرقت عنه...وبذلك يكون لابن قتيبة فضل السبق إلى القول برد مفردات المادة اللغوية إلى أصولها المعنوية المشتركة، لأنه أسبق من ابن جني الذي توفي سنة (392ه)، ومن أستاذه أبي علي الفارسي المتوفى سنة ( 377ه )، ومن ابن فارس الذي وافته المنية سنة (395ه).


[1] سورة فصلت، الآية 42.

[2] سورة الحجر، الآية 09.

[3] ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، تحقيق ابراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، المقدمة ص 04.

[4] نفسه، ص 24.