وقولهم وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ الذي عارضنا به الحق هذا دليل على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدم وإنما أكرههم فرعون إكراها
والظاهر -والله أعلم- أن موسى لما وعظهم كما تقدم في قوله وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ أثر معهم ووقع منهم موقعا كبيرا ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة ثم إن فرعون ألزمهم ذلك وأكرههم على المكر الذي أجروه ولهذا تكلموا بكلامه السابق قبل إتيانهم حيث قالوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا فجروا على ما سنه لهم وأكرههم عليه ولعل هذه النكتة التي قامت بقلوبهم من كراهتهم لمعارضة الحق بالباطل وفعلهم ما فعلوا على وجه الإغماض هي التي أثرت معهم و بسببها ووفقهم للإيمان والتوبة. تفسير السعدي


أضواء البيان - (ج 4 / ص 137)
. وفي آية « طه » هذه سؤال معروف ، وهو أن يقال : قولهم وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر يدل على أنه أكرههم عليه ، مع أنه دلت آيات أخر على أنهم فعلوه طائعين غير مكرهين ، كقوله في « طه » : فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النجوى قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى [ طه : 62-64 ] . فقولهم : فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً صريح في أنهم غير مكرهين . وكذلك قوله عنهم في « الشعراء » : قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين [ الشعراء : 41-42 ] ، وقوله في « الأعراف » : قالوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين [ الأعراف : 113-114 ] فتلك الآيات تدل على أنهم غير مكرهين .
وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة :
( منها ) أنه أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم ، فلما أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين ، فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر ، وطوعهم بالنسبة إلى آخر الأمر ، فانفكت الجهة وبذلك ينتفي التعارض ، ويدل لهذا قوله : وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ [ الشعراء : 36 ] ، وقوله : وَأَرْسِلْ فِي المدآئن حَاشِرِينَ [ الأعراف : 111 ] .
( ومنها ) أنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال صغرهم ، وأن ذلك هو مرادهم بإكراههم على السحر . ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا من السحر بعد تعلمهم وكبرهم طائعين .
( ومنها ) أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائماً : ففعل فوجدوه تحرسه عصاه ، فقالوا : ما هذا بسحر الساحر! لأن الساحر إذا نام بطل سحره . فأبى إلا أن يعارض ، وألزمهم بذلك . فلما لم يجدوا بداً من ذلك فعلوه طائعين . وأظهرها عندي الأول ، والعلم عند الله تعالى .