قوله تعالى
﴿وَلا عَلَى الَّذينَ إِذا ما أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعيُنُهُم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدوا ما يُنفِقونَ۝ إِنَّمَا السَّبيلُ عَلَى الَّذينَ يَستَأذِنونَكَ وَهُم أَغنِياءُ رَضوا بِأَن يَكونوا مَعَ الخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلوبِهِم فَهُم لا يَعلَمونَ﴾ [التوبة: 92-93]

*قوله ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم:* أي ولا إثم؛ على النفر الذين أتوك لتحملهم معك إلى الغزو.

قال البغوي في تفسيره: معناه: أنه لا سبيل على الأولين، ولا على هؤلاء الذين أتوك؛ وهم سبعة نفر. سُمّوا البكائين.

قلت: أراد البغوي _ _ بقوله " الأولين": يعني المذكورين في قوله ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

*قوله لتحملهم:* لتجد لهم دواب يركبونها للجهاد.
قاله الخضيري في السراج في بيان غريب القرآن.

قال ابن عطية في المحرر الوجيز: ومعنى قوله: "لتحملهم" أي على ظهر يركب ويحمل عليه الأثاث.

قال الإيجي الشافعي في جامع البيان في تفسير القرآن: هم سبعة نفر من الفقراء التمسوا مراكب للمرافقة في الغزو.

قلت ( عبدالرحيم ): (تنبيه):

قيل: أن معنى قوله ( لتحملهم ): يعني الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة؛ لشدة الفاقة.

قلت: وهذا بعيد؛ أفيترك أُسْد الحروب _ الصحابة _ الغزو في سبيل الله من أجل فقدانهم النعال؟!

كلا_ والله_: لقد كانوا يلقون بأنفسهم في العدو، بذلوا النفس رخيصة في ذات الله، وباعوها فاشترى فلنعم الصفقة هي،

فأين غزوة ذات الرقاع؛ مشوا إلى الجهاد في الله، لينشروا دين الله في الأرض، وليعلوا كلمة الله؛ فسالت دماء أقدامهم؛ فضمدوها بالرقاع؛ فمن ثم سميت غزوة "ذات الرقاع".

قال ابن عطية في المحرر: وقال بعض الناس: إنما استحملوه النعال، ذكره النقاش عن الحسن بن صالح، وهذا بعيد شاذ.

قلت: صدق_ _.
انتهى

*قوله قلت:* لهم يا محمد - -.

*قوله لا أجد ما أحملكم عليه:* من الركب.
قاله الإيجي.

قلت (عبدالرحيم ): فتأمل كيف كان خلق النبي ، وكرمه، وخفض جناحه؛ في رده وجوابه؛ جاء البكاؤون "لتحملهم". فرد بنحو ما ذكروا" لا أجد ما أحملكم عليه"؛ فلم يقل _ مثلا_: ليس عندي.

قال صديق حسن خان في فتح البيان في مقاصد القرآن: وفي إيثار هذا التعبير على " ليس عندي " لطف في الكلام وتطييب لقلوب السائلين كأنه قال أنا أطلب ما تسألونه وأفتش عنه فلا أجده فأنا معذور.
انتهى

*قوله تولوا:* أي انصرفوا عنك؛ بعد جوابك لهم.

قال مقاتل بن سليمان في تفسيره: انصرفوا.

قال صديق حسن خان في فتح البيان في مقاصد القرآن: أى انصرفوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه.

*قوله وأعينهم تفيض:* "تفيض": تسيل.
قاله ابن الهائم في التبيان في غريب القرآن، والسمرقندي في بحر العلوم، وصديق خان في فتح البيان، والسيوطي في الجلالين.

قال أبو السعود في تفسيره: أي تسيل بشدة.

قلت ( عبدالرحيم ): ومنه قوله تعالى؛ في جماعة من النصارى أسلموا ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ): تَفِيضُ: تسيل. قاله أبو حيان الأندلسي في تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، وأبو بكر السجستاني في غريب القرآن.

قال الخضيري في السراج في بيان غريب القرآن: تمتلئ دمعا، فينسكب.

قال السمرقندي في البحر؛ في قوله تعالى تولوا وأعينهم تفيض: يعني: تسيل من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون في الخروج إلى الجهاد.

وقال الواحدي في الوجيز: فانصرفوا باكين شوقا إلى الجهاد وحزنا لضيق ذات اليد.
انتهى كلامه.

قلت ( عبدالرحيم ): وفيه ثلاثة مسائل:

الأولى: ما أفاده السمرقندي، وقاله الواحدي: "فانصرفوا باكين شوقا إلى الجهاد وحزنا لضيق ذات اليد".

قلت: فيه منقبة لأصحاب رسول الله ؛ فانظر كيف كان شوقهم، وحرصهم على الجهاد في سبيل الله؛ لنشر دين الله في الأرض؛ ببذل أنفسهم في سبيل الله؛ ف أجمعين؛ فقد أدوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم؛ فجزاهم الله جمعيا عنا، والإسلام خير الجزاء. وقد سبق وذكرت شيئا من شمائلهم، وواجبهم علينا بحمد الله .

الثانية: دأب أهل الإيمان؛ يبكون على ما فاتهم من تحصيل الأجر في الخيرات عامة، وما يفوتهم من أجر، وشرف القتال في سبيل الله خاصة؛ وذلك رغبة فيما عند الله، ولِما أعد الله للمجاهدين في سبيله، ولعلمهم أن النفس المؤمنة لابد وأن تشتهي الجهاد في سبيل الله؛ خوفا من النفاق؛ فقد قال رسول الله قال: «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق» خرجه مسلم (1910) من طريق عمر بن محمد بن المنكدر، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

الثالثة: قوله ( تولوا ): أي انصرفوا.

قلت: ويأتي "التولي، أو التولية" في التنزيل على عدة معان:

من ذلك ما يأتي بمعنى: الانصراف عن الشيء.
وما يأتي بمعنى: الإعراض.
وما يأتي بمعنى الاقبال.

فمما ورد في معنى الانصراف:
قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ): تَوَلَّوْا: قال سعيد بن جبير: الذين "تولوا منكم" يعني: الذين انصرفوا عن القتال منهزمين.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره.

ومنه ( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ): قال ابن الجوزي في زاد المسير إلى علم التفسير: يقول: انصرف صالح عنهم بعد عقر الناقة.

ومنه ( وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ): قال الأزهري في تهذيب اللغة: هي، هاهنا: انصراف.

ومنه ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ): قال النخجواني في الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية الموضحة للكلم القرآنية والحكم الفرقانية: "تولوا" أي انصرفوا واعرضوا عنه مدبرين بعد ما بالغوا.

ومنه ( فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ): قال محمد أمين الهرري في تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن: أي: انصرف عن المجلس، وفارق موسى، فرجع إلى أهله أي: مكره وسحره وحيله؛ أي: جمع ما يكاد به من السحرة وأدواتهم ثم أتى بهم الموعد، وأتى موسى أيضا.

ويأتي بمعنى الإعراض؛ وهو كثير، وكثير جدا:

فمن ذلك قوله تعالى ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ): قال السمرقندي في بحر العلوم: "وتولى عنهم" يعني: أعرض عن بنيه وخرج عنهم.

قال ابن جزي الغرناطي في التسهيل لعلوم التنزيل: أعرض عنهم ورجع إلى التأسف.

قال الواحدي في الوجيز: أعرض عن بنيه وتجدد وجده بيوسف.

وأيضا قال الواحدي في البسيط: في البسيط: قال ابن عباس وغيره: أعرض عنهم.

قال السمعاني في تفسيره: أي أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب، وانفرد بحزنه.

ومنه ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ): قال الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: أي: أعرضوا عن إجابتك ودعائك إياهم إلى الإيمان والتوحيد.

ومنه ( ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ): تَوَلَّوْا: أي أعرضوا.

قال السمرقندي في البحر: يعني: أعرضوا عنه ذاهبين إلى عيدهم.

ومنه ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ): قال شهاب الدين الخفاجي المصري الحنفي في حاشيته على تفسير البضاوي: التولي والإعراض واحد... ثم قال_ الشهاب_ وقال الراغب: وأنتم معرضون؛حال مؤكدة إذا جعلا شيئا واحدا.

... إلخ.

ومما ورد في معنى الإقبال:
قوله تعالى ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ): "فَوَلِّ وَجْهَكَ": قال الواحدي في البسيط: أي أقبل وجهك نحوه.
قال الأزهري الهروي في تهذيب اللغة: أي: وَجِّه وجهك نحوه وتلقاءه.

قال الراغب الأصفهاني في المفردات: ووَلَّيْتُ وجهي كذا: أقبلت به عليه.

ومنه (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ): قال السمرقندي في البحر، والواحدي في الوجيز، وابن قتيبة في غريب القرآن ، وأبو بكر السجستاني في غريب القرآن: أي مستقبلها.

إلا أن أبا بكر قال: أي قبلة هو مستقبلها، أي يولي إليها وجهه.
انتهى

*قوله من الدمع حزنا:* "من": للبيان.
قاله السيوطي.

*قوله ألا يجدوا ما ينفقون:* لأجل ألا يجدوا ما ينفقون في الخروج إلى الجهاد.
أفاده السيوطي، والسمرقندي في بحر العلوم.

قال الزمخشري في الكشاف: لئلا يجدوا.

قال الجرجاني في درج الدرر في تفسير الآي والسور: ألا يجدوا: بيان لسبب الحزن.

*قوله إنما السبيل:* يعني: إثم ترك الخروج.

قال الإيجي: بالمعاتبة والعقوبة.
*قوله على الذين يستأذنونك:* في التخلف.
قاله أبو السعود في تفسيره.

*قوله وهم أغنياء:* موسرون.
يعني يستأذنونك في التخلف؛ ولهم سعة للخروج.

*قوله رضوا:* يعني المنافقين.

*قوله بأن يكونوا مع الخوالف:* أي النساء.
وقد تقدم - بحمد الله - تفسير معناه مفصلا.

قال السمعاني في تفسيره: الخوالف: النساء والصبيان؛ يقال: خالف وخوالف، كما يقال: فارس وفوارس، وهالك وهوالك.

*قوله وطبع الله على قلوبهم:* أي ختم.

قال ابن فارس في مجمل اللغة: وطبع الله على قلب الكافر، أي: ختم (الله عليه) فلم يوفق لخير.

قال أبو الفيض الزبيدي في تاج العروس: يقال: طبع الله على قلب الكافر، أي ختم فلا يعي، ولا يوفق لخير، قال أبو إسحاق النحوي: الطبع والختم واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق من أن يدخله شيء.

*قوله فهم لا يعلمون:* التوحيد.
قاله السمرقندي.

انتهى. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
......................

كتبه: أبو المنذر عبدالرحيم بن عبدالرحمن آل حمودة المصري المكي.
للاشتراك(واتساب)، للإبلاغ عن خطأ 00966509006424

لمتابعة قناتنا على تليجرام:
https://t.me/abdelrehim19401940