في قوله تعالى وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أثبت جماعة من المفسرين واللغوييين مجيء أسروا بمعنى أظهروا فبعض المفسرين فسر الآية بها فقالوا : معنى أسروا الندامة أظهروها ، وبعضهم اجازه في الآيتين ، وبعضهم رد هذا القول وإليك تفصيل الأقوال:

القول الاول : أثبت كونها من الأضداد:

الجبائي وابن دريد والخليل، وابن منظور في لسان العرب، والفيروزآبادي في القاموس،وابن سيده والقتبيّ، وابن سيده ،والجوهري،والمفضل، والأصمعي ،والثعلبي، والآلوسي، وأبو السعود وكذا الزمخشري، البيضاوي في سبأ [1] وفسر الإسرار في الآية بالإظهار :مكي والواحدي والبغوي والخازن في سبأ وأبو عبيدة فقالوا:

أسروا الندامة بمعنى اظهروا الندامة فإن أسر من الأضداد ؛ إذ الهمزة تصلح للإثبات وللسلب فمعنى أسره جعله سراً، أو أزال سره ونظيره "أشكيت زيدا" بمعنى أزلت شكواه بالسعى فيما يزيل ضره.
يدل علي ذلك عدة أدلة :
الدليل الأول: أن المثبت مقدم على النافي ، فالذين أثبتوا مجيء أسر بمعنى أظهر يُقَدَّمون على من نفى ذلك ، وقد أثبتهم من ذكرنا من العلماء ومنهم الأصمعي فقد ذكر المفضل، عن الأصمعي وغيره: أسر بمعنى أظهر.
الدليل الثاني: أنهم أعلنوا ندامتهم في لولا أنتم لكنا مؤمنين [ سبأ : 31 ] .
· وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا [ الفرقان : 27 ] الآية .
ونحو قوله تعالى : قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها في سورة الأنعام ( 31 ) ، وقوله : لو أن لي كرة فأكون من المحسنين في سورة الزمر ( 58 )
الدليل الثالث: أن ذلك اليوم ليس يوم تصبر وتصنع ؛لأن النار ألهتهم عن التصنع والكتمان ، قال أَبو عُبَيْدَةَ: أَسررت الشَّيْءَ أَخفيته، وأَسررته أَعلنته؛ وَمِنَ الإِظهار قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ؛ أَي أَظهروها؛ لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع ؛لأن النار ألهتهم عن التصنع والكتمان"
واختار المفضل الإظهار، وقال: ليس ذلك اليوم يوم تكبُّر ولا تصبُّر
الدليل الرابع : وهو مما استشهد به أبو عبيدة على صحة مجيء أسر بمعنى اظهر ما أَنشد لِلْفَرَزْدَقِ:
فَلَمَّا رَأَى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَه... أَسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرا [2]
أي أظهر الحروري
والحروري: الخارجي نسبة إلى حروراء، وهو أول مجتمعاتهم لما نابذوا أمير المؤمنين عليا، وأظهروا التحكيم " لا حكم إلا لله ". فسموا المحكمة، والحرورية، والخوارج.
وذكر أبو الطيب عن التَّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق
الدليل الخامس: على مجيء الإسرار بمعنى الإظهار قول امرىء القيس :
تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراً عليّ حِراصاً لو يُسِرّون مقتلي
قَالَ الجَوْهَرِيّ:" والأَصْمَعِيّ: يرْوَى قولُ امرِىءِ القَيْسِ:
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاساً إِليها ومَعْشَراً عَليَّ حِرَاصاً لوْ! يُشِرُّونَ مَقْتَلِي
على هذا، قَالَ: وَهُوَ بالسِّينِ أَجْوَدُ"
القول الثاني: اختاره: ابن عطية والطوسي وابن جزي والزجاج والفراء وثعلب وشَمِرٌ وأبو حاتم وكيسان والصفدي وابن فارس والشوكاني أبو حيان في سبأ[3] والأَزهري وهو ظاهر كلام المرتضى الزبيدي في تاج العروس

قالوا:

1) أن أسر من الأضداد ، لم يثبت قط في لغة وهذا غلط، وخلاف الظاهر ولا يصح الاستدلال بما استدلوا به :

*

2) أما قولهم إن الكفار قد صرحوا بما في أنفسهم بدليل لولا أنتم لكنا مؤمنين فنقول هذا صحيح ،لكنهم عند رؤيتهم العذاب بهتوا لما عاينوه بهتوا وشدهوا فلم يقدروا على النطق واشتغلوا عن إظهارها بشغل شاغل .
*
3) أما استدلالهم بـ قول امرىء القيس :
تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراً عليّ حِراصاً لو يُسِرّون مقتلي
فقد كان كثير من العلماء يرويه بالشين : لَوْ يُشِرُّون أي يظهرون فقد رواه كذلك الفراء والأصمعي وابن فارس في المجمل والصفدي والصغاني في العباب والسمين الحلبي في الدر
قَالَ الْفَرَّاءُ: "أَخْطَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ التَّفْسِيرَ، وَصَحَّفَ فِي الِاسْتِشْهَادِ. أَمَّا التَّفْسِيرُ فَقَالَ: أَسَرُّو النَّدَامَةَ أَيْ كَتَمُوهَا خَوْفَ الشَّمَاتَةِ. وَأَمَّا التَّصْحِيفُ فَإِنَّمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: . . . . . . . . لَوْ يُشِرُّونَ مَقْتَلِي
أَيْ لَوْ يُظْهِرُونَ. يُقَالُ أشْرَرْتُ الشَّيْءَ، إِذَا أَبْرَزْتَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ أشْرَرْتُ اللَّحْمَ لِلشَّمْسِ. ". قال صلاح الدين الصفدي في:" تصحيح التصحيف وتحرير التحريف"
"قلت: شَرِيَ البرقُ، بالشين معجمة، إذا تتابع لمعانه.
قال كيسان: كنتُ على باب أبي عمرو بن العلاء فجاء أبو عبيدة وأنشد قول امرئ القيس:
تجاوزتُ أحراساً وأهوالَ معْشرٍ ... عليّ حِراصٌ لو يُسِرّون مَقْتَلي
وفسّر: (وأسَرّوا النّدامَةَ لمّا رأوا العَذابَ ... ) ، أي أظهروا، بهذا البيت، فصحّف البيت وفسّر به القرآن على غير ما ينبغي. والصواب في البيت: لو يُشِرّون بالشين معجمة، ومعنى يُشِرّون: يظهرون، يقال: أشررت الثوبَ، أُشِرُّه إشراراً، إذا نشَرته".
*
4) وأما قول الفرزدق الذي استشهد به أبو عبيدة:
ولما رأى الحجاجَ جرَّد سيفه أسرّ الحَروريُّ الذي كان أضمرا
فقد قَالَ شَمِرٌ: لَمْ أَجد هَذَا الْبَيْتَ لِلْفَرَزْدَقِ، وَمَا قَالَ غَيْرُ أَبي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: "وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ"
، أَي أَظهروها، قَالَ: وَلَمْ أَسمع ذَلِكَ لِغَيْرِهِ".
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر[4] في تحقيقه للطبري:" لم أجد هذا البيت في ديوان الفرزدق،وهو من شواهد أبي عبيدة (اللسان: سرر) قال: أسررت الشيء: أخفيته، وأسررته: أعلنته، ومن الإظهار قوله تعالى: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) أي أظهروها. وأنشد الفرزدق * فلما رأى الحجاج جرد سيفه *
البيت. قال شمر: لم أجد هذا البيت للفرزدق وما قال غير أبي عبيدة في قوله " وأسروا الندامة " أي أظهروها. قال: ولم أسمع ذلك لغيره. قال الأزهري: وأهل اللغة أنكروا أبي عبيدة أشد الإنكار. وقيل: أسروا الندامة: يعني: الرؤساء من المشركين أسروا الندامة في سفلتهم الذين أضلوهم، وأسروها: أخفوها وكذلك قال الزجاج، وهو قول المفسرين."
وقال محقق كتاب العين : ولم نجد هذا البيت في ديوان الفرزدق[5].
وقد رده أيضا أبو حاتم فقال: "ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن، ولا بقول الفرزدق ،والفرزدق كثير التخليط في شعره" .
*
5) وأما التفسير الصحيح لكلمة أسروا في الآية الكريمة وهي قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ فـهو أن (أَسروا) معناها: أَخْفَوْا.
أ) فهذا القول هو الذي عليه جمهور المحققين فقد اختاره:
الزَّجَّاجُ والفراء وثعلب ، ومقاتل و يحيى بن سلام والفخر الرازي وابن كثير والبقاعي والشوكاني و الطوسي والقاسمي والسعدي وسيد قطب والطباطبائي .واختاره في سورة يونس: الطبري ومكي الثعلبي وغيرهم كثير.
ب) قد ضعف جماعة من كبار علماء اللغة قول أبي عبيدة فقد قَالَ الْفَرَّاءُ: "أَخْطَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ التَّفْسِيرَ، وَصَحَّفَ فِي الِاسْتِشْهَادِ. أَمَّا التَّفْسِيرُ فَقَالَ: أَسَرُّو النَّدَامَةَ أَيْ كَتَمُوهَا خَوْفَ الشَّمَاتَةِ. وَأَمَّا التَّصْحِيفُ فَإِنَّمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: . . . . . . . . لَوْ يُشِرُّونَ مَقْتَلِي
أَيْ لَوْ يُظْهِرُونَ. يُقَالُ أشْرَرْتُ الشَّيْءَ، إِذَا أَبْرَزْتَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ أشْرَرْتُ اللَّحْمَ لِلشَّمْسِ. وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا فِي بَابِهِ".
قال الازهري عن قول أبي عبيدة:( أسروا " معناه أظهروا): "هذا غلط إنما يكون بمعنى الاظهار ما كان بالشين المنقطة من فوق".
وقَالَ الأَزهري: "وأَهل اللُّغَةِ أَنكروا قَوْلَ أَبي عُبَيْدَةَ أَشدّ الإِنكار ".
*

6) وأما قول أبي عبيدة: "لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع ؛لأن النار ألهتهم عن التصنع والكتمان"
فالرد عليه قول محققي التفسير كالزمخشري:
"أنهم لما عاينوا العذاب بهتوا وشدهوا فلم يقدروا على النطق واشتغلوا عن إظهارها بشغل شاغل، وأصابهم الكمد والحسرة وهم يرون العذاب حاضراً لهم مهيأ ، ودفنت الكلمات فى صدورهم فلم يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذى يجعل الشفاه لا تتحرك ، والألسنة لا تنطق فالمقصود من إسرار الندامة : بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون النطق به لفظاعة ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم ، كما ترى المقدّم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب ، ويغلب حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامداً مبهوتاً ".
*

7) يقول علي هاني: ثم لو سلمنا كونه من الأضداد فلا تفسير به الآية واكتفي بما قاله الآلوسي في سورة الأنبياء: " قال أبو عبيدة: الإسرار من الأضداد، ويحتمل أن يكون هنا بمعنى الإظهار ومنه قول الفرزدق:
فلما رأى الحجاج جرد سيفه ... أسر الحروري الذي كان أضمرا
وأنت تعلم أن الشائع في الاستعمال معنى الإخفاء وإن قلنا إنه من الأضداد كما نص عليه التبريزي ولا موجب للعدول عن ذلك".




[1] وضعف كل من الزمخشري، البيضاوي[1] ذلك في سورة يونس

[2] وما ذَرَفَتْ عَيناكِ إلاّ لتَضْرِبي ... بِسَهْمَيكِ في أَعْشَارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
وبَيضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها، ... تَمَتَّعْتُ مِن لَهوٍ بها، غَيرَ مُعجَلِ ت
َ جاوَزْتُ أَحْرَاساً إلَيها ومَعشَراً ... عليَّ حِرَاصاً لو يُسِرُّونَ مَقتَلي
في شرح المعلقات:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
شبهها بالبيضة لصفائها ورقتها والخباء ما كان على عمودين أو ثلاثة والعرب يجعلونها على ستة أعمدة إلى تسعة. غير معحل: غير خائف على مهل. أي هم حراص على إسرار مقتلي، ويروى يشرون مقتلي بالشين المعجمة أي يظهرون ويسرون بالسين المهملة من الأضداد، يقال أسررت الشيء أظهرته، وأسررته: أخفيته وقال الشاعر:
ولما رأى الحجاج جرد سيفه ... أسر الذي كان الحروري أضمرا
أي أظهر الحروري، والمعشر بنو عمها وعشيرت

[3] أما في يونس فأثبت أبو حيان كونها من الأضداد

[4] (18/ 291)

[5] المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي