سبب النزول:

لما بلغ قريشاً قبل مبعث النبي أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا : لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم ، فحلفوا الأيمان المغلظة قبل البعثة النبوية بأنهم لو جاءهم نذير لاتبعوه ، ولكانوا أهدى من إحدى الأمم ، والمتبادر أن جملة إحدى الأمم في الآية الأولى هم اليهود والنصارى على ما تلهمه آيات سورة الأنعام وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 155 أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ 156 أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ 157
قال ابن عاشور:" هذا شيء حكاه القرآن عن المشركين فهو حكاية قول صدر عنهم لا محالة ، ولم يروَ خبر عن السلَف يعين صدور مقالتهم هذه ، ولا قائلها سوى كلام أثر عن الضحاك هو أشبه بتفسير الضمير من أقسموا ، وتفسير المراد من إحدى الأمم ولم يقل إنه سبب نزول .
وقال كثير من المُفسرين : إن هذه المقالة صدرت عنهم قبل بعثة النبي لمَّا بلغهم أن اليهود والنصارى كذَّبوا الرسل . والذي يلوح لي : أن هذه المقالة صدرت عنهم في مجاري المحاورة أو المفاخرة بينهم وبين بعض أهل الكتاب ممن يقدم عليهم بمكة ، أو يقدمون هم عليهم في أسفارهم إلى يثرب أو إلى بلاد الشام ، فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم ، فكان المشركون لا يجرأون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضُلُونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين وهم يأبون أن يتركوا دين الشرك فكانوا يعتذرون بأن رسول القوم الذين يدعونهم إلى دينهم لم يكن مرسلاً إلى العرب ولو جاءنا رسول لكنا أهدى منكم ، كما قال تعالى : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم [ الأنعام : 157 ] . والأظهر أن يكون الداعون لهم هم النصارى لأن الدعاء إلى النصرانية من شعار أصحاب عيسى فإنهم يقولون : إن عيسى أوصاهم أن يرشدوا بني الإِنسان إلى الحق وكانت الدعوة إلى النصرانية فأشبه في بلاد العرب أيام الجاهلية وتنصرت قبائل كثيرة مثل تغلب ، ولخم ، وكلب ، ونجران ، فكانت هذه الدعوة إن صح إِيصَاء عيسى بها دعوةَ إرشاد إلى التوحيد لا دعوة تشريع ، فإذا ثبتت هذه الوصية فما أراها إلا توطئة لدين يجيء تعمّ دعوته سائر البشر ، فكانت وصيته وسطاً بين أحوال الرسل الماضين إذ كانت دعوتهم خاصة وبين حالة الرسالة المحمدية العامة لكافة الناس عزماً .
أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية ولكنهم يقبلون من يتهود كما تهود عرب اليمن وأحسب أن الدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام ، أو تشهير أنها لا تستحق العبادة ، لا يخلو عنها علماءُ موحِّدون ، وبهذا الاعتبار يصح أن يكون بعض النصاح من أحبار يهود يثرب يعرض لقريش إذا مروا على يثرب بأنهم على ضلال من الشرك فيعتذرون بما في هذه الآية . وهي تساوق قوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنّا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة [ الأنعام : 155 157 ] .
فيتضح بهذا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها من أخبار ضلال المشركين في شأن الربوبية وفي شأن الرسالة والتديّن ، وأن ما حكي فيها هو من ضلالاتهم ومجازفتهم .
أقوال العلماء في معنى من إحدى الأمم:
1) القول الأول: الطبري و مكي و الماوردي والطوسي و الزمخشري و الطبرسي و الفخر الرازي و أبو حيان و البقاعي و الجلال و أبو السعود و الشوكاني و ابن عاشور و الطباطبائي وابن عاشور و عبد الكريم الخطيب والطباطبائي والشربيني وحبنكة

يقول : ليكونُنّ أسلك لطريق الحقّ واتباع الرسول ، وأشدّ قبولاً لِما يأتيهم به النذير من عند الله ، من إحدى الأمم المهتدية[1] الماضية أي من بعض الأمم المهتدية ، ومن واحدة من الأمم المهتدية من اليهود والنصارى وغيرهم كالصابئين كقوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا [ الأنعام : 156 ، 157 ] ، وفي عبارتهم إلماح إلى اليهود والنصارى قال دروزة: والمتبادر أن جملة إحدى الأمم في الآية الأولى هم اليهود والنصارى على ما تلهمه آيات سورة الأنعام.
وزاد ابن عاشور: "فإن عنوا بها أمة معروفة : إمّا الأمة النصرانية ، وإما الأمة اليهودية ، أو الصابئة كان التعبير عنها بـ إحدى الأمم إبهاماً لها :
1) يحتمل أن يكون إبهاماً من كلام المقسمين تجنباً لمجابهة تلك الأمة بصريح التفضيل عليها.و كذلك قال سيد قطب: ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) . . يعنون اليهود . يعرضون بهم بهذا التعبير ولا يصرحون !
2) ويحتمل أن يكون إبهاماً من كلام القرآن على عادة القرآن في الترفع عما لا فائدة في تعيينه إذ المقصود أنهم أشهدوا الله على أنهم إن جاءهم رسول يكونوا أسبق من غيرهم اهتداء فإذا هم لم يشموا رائحة الاهتداء
3) ويحتمل أن يكون فريق من المشركين نظَّروا في قَسَمهم بهدي اليهود ، وفريق نظَّروا بهدي النصارى ، وفريق بهدي الصابئة [2]، فجَمعت عبارة القرآن ذلك بقوله : من إحدى الأمم ليأتي على مقالة كل فريق مع الإِيجاز . أي إحدى الأمم التي جاءهم نذير كاليهود والنصارى وإنما قال : ليكونن أهدى من إحدى الأمم " اهـ ابن عاشور قال حبنكة : " وقد ظهر لي أن بعضهم قال لنكونن أهدى من النصارى وبعضهم قال لنكونن أهدى من اليهود بحسب اعتقاد كل منهم في اليهود أو النصارى":
4) قال عبد الكريم الخطيب: ولم يصرح القرآن ببني إسرائيل، مع أن المشركين لا يعنون غيرهم، وذلك- والله أعلم- للاستصغار بشأنهم، وأنهم ليسوا المثل الذي يحتذى به فى الاستقامة والهدى.. التَّفْسِيرُ البَسِيْط لَيَكُونُنَّ أَهْدَى أصوب دينا. مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ يريد: اليهود والنصارى والصابئين.
قال الطباطبائي :أي إحدى الأمم التي جاءهم نذير كاليهود والنصارى وإنما قال : ليكونن أهدى من إحدى الأمم ولم يقل : أهدى منهم لأن المعنى أنهم كانوا أمة ما جاءهم نذير ، ثم لو جاءهم نذير كانوا أمة ذاتَ نذيرٍ كإحدى تلك الأمم المنذرة ثم بتصديق النذير يصيرون أهدى من التي ماثلوها وهو قوله : أهدى من إحدى الأمم فافهمه .
وهذا القول هو الظاهر من أقوال:

الثعلبي مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ ، يعني اليهود والنصارى الثعلبي : وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ ، يعني اليهود والنصارى السمعاني قوله : ( لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ) أي : اليهود والنصارى البغوي ليكونن أهدى من إحدى الأمم يعني : من اليهود والنصارى ابن عطية، و إحدى الأمم يريد اليهود والنصارى ابن جزي إحدى الأمم : يعني اليهود والنصارى . الخازن ليكونن أهدى من إحدى الأمم يعني اليهود والنصارى
2) القول الثاني: اختاره السمين ، واطفيش ، وابن عجيبة وأجازه الزمخشري وأبو حيان والبيضاوي والبقاعي وابن مالك ورده : الطباطبائي والكشف وابن عاشور والدماميني.

قالوا : معنى كونهم اهدى من احدى الامم، أي من الأمَّةِ التي يُقال فيها:هي إحدى الأمم، تفضيلاً لها على غيرها في الهُدَى والاستقامةِ ،أي: انهم يكونون أهدى من امة ذات هدى وفضل من بين الامم، تفضيلا لانفسهم على من هو فاضل، فكأنه قيل: ليكونن أهدى من الامة التي يقال فيها هي احدى الأمم تفضيلا لنفسها على غيرها في الهدي والاستقامة .
كقولِهم:هو أحدُ الأَحَدِيْن: يريدون التفضيل في الدهاء والعقل بحيث لا نظير له، و كما يقال هو واحد القوم، وواحد عصره،وواحِدُ الآحادِ، وإحْدَى الإِحَدِ، أي: لا مِثْلَ له، وهو أبْلَغُ المَدْحِ.
قال :
حتى استثارُوا بيَ إحدى الإِحَدِ لَيْثاً هِزَبْراً ذا سلاحٍ مُعْتَدِيْ[3]
وقد نص ابن مالك في التسهيل على أنه قد يقال لما يستعظم مما لا نظير له هو إحدى الإحَد
لكن رده جماعة من العلماء:
قال الطباطبائي قائلا" و لا يخلو الوجه الأخير عن تكلف وبعد"
وقال الدماميني في شرحه: إنما ثبت استعماله في احدى ونحوه المضاف إلى جمع مأخوذ من لفظه كاحدى الأحد وأحد الأحدين أو المضاف إلى وصف كاحد العلماء وإحدى الكبر أما في المضاف إلى أسماء الأجناس كالأمم فيحتاج إلى نقل ،
قال الآلوسي مجيبا عن اعتراض الدماميني: "وبحث فيه بأنه قد ثبت استعمال إحدى في الاستعظام من دون إضافة أصلا فإنهم يقولون للداهية العظيمة هي إحدى من سبع أي احدى ليالي عاد في الشدة وشاع واحد قومه وأوحدهم وأوحد أمه ولم يظهر فارق بين المضاف إلى الجمع المأخوذ من اللفظ والمضاف إلى الوصف وبين المضاف إلى أسماء الأجناس ولا أظن أن مثل ذلك يحتاج إلى نقل فليتدبر" .
وقال صاحب الكشف : إن دلالة إِحْدَى الامم على التفضيل ليست بواضحة بخلاف واحد القوم ونحوه ثم وجهها أنه على أسلوب:" أو يرتبط بعض النفوس حمامها" . يعني أن البعض المبهم قد يقصد به التعظيم كالتنكير فاحدى مثله.
قال الآلوسي مجيبا عن اعتراضه:" وفيه أنه متى ثبت استعماله للاستعظام كانت دلالته على التفضيل في غاية الوضوح" .
وقال ابن عاشور:الإِحَد ( بكسر الهمزة وفتح الحاء في الإِحَد ) ولا يتم التنظير لأن قولهم : إحدى الإِحَد ، جرى مجرى المثل في استعظام الأمر في الشرّ أو الخير ،وقرينة إرادة الاستعظام إضافة « إحدى » إلى اسم من لفظها فلا يقتضي أنه معنى يراد في حالة تجرد إحدى عن الإضافة .

القول الثالث:


الضحاك و الآلوسي و ابن كثير ودروزة و سيد طنطاوي و الميسر والصابوني ، وحقي و السمرقندي و الواحدي وابن أبي حاتم و المراغي و إبراهيم القطان و المكي الناصري و شحاته وأجازه الماتريدي وضعفه الطباطبائي
وإحدى بمعنى واحدة ، والظاهر أنها عامة وإن كانت نكرة في الإثبات لاقتضاء المقام العموم[4] ،أي لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من كل واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم في اتباعهم وطاعتهم ، لهذا الرسول الذي يأتيهم من عند ربهم لهدايتهم إلى الصراط المستقم الذين أرسل إليهم الرسل فنؤمن جميعاً ولا يكذب أحد منا، ولم يقل من الأمم بدون احدى لانه لو قال لجاز ان يراد بعض الأمم.
كقوله تعالى لستن كأحد من النساء
وكقوله تعالى : وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [ الصافات : 167 - 170 ] .
قال ابن أبي حاتم:"عن أبي هلال أنه بلغه أن قريشا كانت تقول : إن الله بعث منا نبيا ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها ولا أسمع لنبيها ولا أشد تمسكا بكتابها منا".



[1] مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ المهتدية، بدليل قوله: (أهدى) وقوله في سورة الأنعام: لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ

[2] وقريب منه ما قاله الماتريدي:"جائز أن يكونوا أرادوا بذلك الأمم جميعا ، لكنهم لم يروا الحق إلا لواحدة منها ، فقالوا : ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم والله أعلم .


[3] اطفيش - التيسير وإحدى عام فى الاثبات على أن إضافته للجنس ، فاكتسبت العموم ، وكأنه قيل : من واحدات الأمم ، أى من الأمم الواحدات ، أى الفاضلات ، فنكون أمة فاضلة من جملة الأمم الفاضلات ، تقول : زيد واحد قومه ، أى أفضلهم ، وهند إحدى النساء أى فاضلتهن .



[4] قال في التلويح :"النكرة في الإثبات قد تعم في الإثبات بالقرينة والقرينة هنا كون المراد أهدى من كل واحدة لا من واحدة غير معنية "