كثيراً مانقرأ في الأدعية المأثورة ((اللهم بارك لي في محياي ومماتي)), وكثيراً مايطرقنا سؤال عابر..ماهي بركة الممات..؟
وحينما رحلت الداعية هيا السياري زوج الشيخ سلمان العودة؛ أدركت جزءاً من هذا المعنى العظيم.
فكم جسدت وفاتها من عبر ومواقف هي أبلغ وأثرى من كثير من الكلمات والمحاضرات, وينبغي لنا كمؤمنين ألا تمر بنا العبر والحوادث دون استلهام واعتبار.
فلنتوقف إذن -في هذه العجالة- عند لقطات من رحيل الصالحات.

اللقطة الأولى: إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
بهذه العبارة العظيمة نقل لنا الشيخ سلمان العودة _حفظه الله_ نبأ وفاة زوجه وابنه _رحمهما الله_ وكان الأولى أن تقال له, وأن يُذكر بها, ولكنه سَبق إليها فكان أحق بها وأهلها..
مشاهد ولقطات.. وتطبيق عجيب لمعاني الصبر والثبات..والرضا واليقين.. بثها لنا الشيخ عبدالوهاب الطريري _حفظه الله_ إبان تلقيهم نبأ الوفاة, فقد كان مرافقاً للشيخ في رحلته وأول من تلقى الخبر عنه.
أفمن ذلك الصبر أعجب؟!
أم من حمل هم الدعوة حتى في أمرِّ اللحظات؟!
أم من رباطة الجأش والتماسك الذي هال شيخنا عبدالوهاب؟!
أترككم من مع الشيخ الطريري يروي لكم في مقالته شيئاً مما رأى.. وليس من سمع كمن رأى!!

(عند الصدمة الأولى)
اللقطة الثانية: ماتت وزوجها راضٍ عنها.
هكذا يرحل الصالحات.. ولاعجب من هذا الرحيل إذا تأملنا سيرتها ومسيرتها __ فقد عُرفت بصلاحها وتقواها منذ صغرها..
لقد كانت تلقي الدروس في مصلى المدرسة منذ أن كانت في المرحلة المتوسطة, وعندما تزوجت عوتبت من زميلاتها لارتباطها بمتزوج فأجابت:"أريد زوجاً محافظاً"....
سُجن الشيخ في الأشهر الأُوَل من زواجهما..فكانت الوفية..الصابرة..الصادقة..
هكذا همم الصالحات..تكسر القيود المادية..وتعبر جسور المشقة..وتعتلي عقبات المحن..وتصمد عند أمواج الفتن..حتى ترسو في منازل السابقين _بإذن الله_ فإذا ماترحلت أبقت لمن بعدها دروساً من حياتها ومماتها..
فلاعجب أن يكون الرحيل مشرقاً ومشرفاً.. محفوفاً برضا الزوج الذي لم تختاره لدنياها..بل لما هو أبعد من ذلك..نعم إنها همم الصالحات..
فكم بسبب ذلك الزوج الذي عوتبت فيه..حضر جنازتها من أبرار وأخيار _ولا نزكي على الله أحداً_ لهجوا لها بأصدق الدعوات وأحرِّها..فضلاً عمن دعا لها بظهر الغيب..!
وكم قرأنا من كلمات الشيخ _جبر الله مصابه_ ماينم عن محبة صادقة..ورضا حقيقي عن تلك الزوجة الصالحة
نعم هكذا يرحل الصالحات..!

اللقطة الثالثة: هم القوم لايشقى بهم جليسهم.
أسماء الشعلان..لم نعرف عن تلك الفتاة سوى اسمها ولكن هنيئاً لها أن كان رحيلها مشهوداً من أهل الفضل والصلاح..فحضيت بصلواتهم ودعواتهم.
ربما لم يخطر ببالها يوماً أن سيشهد جنازتها ثُلَّة من الأخيار..
فمن كتب لها تلك الخاتمة..وهيأ لها ذلك الرحيل..؟!
إن التوفيق لمثل ذلك هبة جليلة..ومنحة ربانية عظيمة..لايوفق لها _بعد فضل الله_ إلا من سعى لها سعيها _ولا أزكي على الله أحداً_ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

اللقطة الرابعة والأخيرة: ما أروع الوفاء
عبارات وعبرات..سطر بها الشيخ العودة مقالته في زوجه ((إليك..في مرقدك)), جسد فيها حباً صادقاً, ووفاء نادراً..عكس لنا من خلاله حياة مفعمة بالتضحية والتراحم..مزدهرة بالعطاء والتعاون.
فأين من طلبت الطلاق لأجل (رحلة) لم تتحقق..؟!
وأين من فارقت لأجل (ضائقة عابرة) لاتستحق الخناق فضلاً عن الفراق..؟!
بل أين من أسقتهم زوجاتهم أعذب الحب وأطهره..وأطعمتهم أجود البذل وأينعه..
ثم يحْطِم قلبها الزجاجي متدثراً بالخيانة..متزملاً بالنكران..؟!
رسالة إلى الأزواج والزوجات دونكم الوفاء فاقرؤوه ..وإن شئتم فانظروه..!

(إليك..في مرقدك)

هنا انتهت اللقطات..فلله درُّالصالحين والصالحات..ما أبهى محياهم..وما أزكى مماتهم..
نقلب صفحاتهم المستنيرة المشرقة..فلا ندري أغابوا عنا.. أم أشرقوا من جديد ..؟!

#خادمة-الفرقان
ليلة الأربعاء 11-5-1438.