التمهيد:
تعريف الإسراف لغة واصطلاحاً:
الإسراف لغة: يدل على التعدي والتجاوز للحد.
قال ابن فارس: "سرف: السين والراء والفاء، أصل واحد يدل على تعدي الحد، والإغفال أيضاً للشيء".تقول: في الأمر سرف، أي مجاوزة القدر([1]).
وقال ابن منظور: "الإسراف: مجاوزة القصد"([2]).
أما اصطلاحاً:
فتدور تعاريف اللغويين والمفسرين للإسراف على وضع الشيء في غير موضعه، وتجاوز الحد الموضوع له.
وللجمع بين هذه التعاريف أقول: هو تجاوز ما حدده الشرع في الموضع و القدر.
فيكون الإسراف شاملاً للتجاوز في الموضع كما عرفه السلف وكثير من أهل التفسير، وشاملاً كذلك للتجاوز في القدر المحدد شرعاً.
وبهذا يدخل في الإسراف كل تجاوز للحد موضعاً وقدراً، فقد يكون في النفقة الواجبة والمستحبة وقد يكون فيما هو مشروع وما هو محرم.
فإن هناك من جعل الإسراف في الموضع فقط، فما كان في طاعة الله فليس بإسراف ولو كثر.
قال قتادة: "الإسراف: النفقة في معصية الله"([3]).
وقال مجاهد: "لو كان أبو قبيس ذهبًا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفًا، ولو أنفق درهمًا أو مدًا في معصية الله كان مسرفًا"([4]).
قال القرطبي تعليقًا عليه: "قلت: وهذا ضعيف، يرده ما روى ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد، ولم يترك لأهله شيئا، فنزلت ولا تسرفوا أي: لا تعطوا كله.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جذ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء، فنزل ولا تسرفوا"([5]).
وسيأتي بيان ذلك وتفصيله في (صور الإسراف في القرآن) إن شاء الله.
وإنما القصد هنا الإشارة إلى دخول الإسراف في الموضع والقدر وليس في الموضع فقط.
وليكون التعريف خاصاً بالنفقة أقول:
هو تجاوز ما حدده الشرع في إنفاق المال موضعاً وقدراً.
ومما يقع الإشكال فيه بين الناس التفرقة بين الإسراف والاعتدال والتقتير، فكم من مسرف يرى نفسه مقتراً، ومقتر يرى نفسه مسرفًا وهكذا.
ولبيان الصواب في ذلك ينبغي التفريق بين هذه الألفاظ:
فالاعتدال أو القصد في النفقة هو القوام بين الإسراف والتقتير، قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] قال ابن جرير –- : "والصواب من القول في ذلك، قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به، والقوام: بين ذلك"([6]).
فالقوام بين منع النفقة المأمور بها، والزيادة على الحد الشرعي في الإنفاق موضعًا وقدرًا.
حكم الإسراف:
ينبني حكم الإسراف في النفقة على تعريفه، فمن رأى أن الإسراف لا يكون في الطاعة إنما يكون في المعصية، فلا يرى تحريمه ولا المنع منه إلا في المعاصي، ومن رأى أن الإسراف في النفقة يكون في الموضع والقدر جعله محرماً ممنوعاً ولو كان في الطاعات.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما نصه: "يختلف حكم الإسراف بحسب متعلقه، كما تبين في تعريف الإسراف، فذهب بعض الفقهاء إلى أن صرف المال الكثير في أمور البر والخير والإحسان لا يعتبر إسرافًا، فلا يكون ممنوعًا. أما صرفه في المعاصي والترف وفيما لا ينبغي فيعتبر إسرافًا منهيًا عنه، ولو كان المال قليلاً"([7]).
والذي أميل إليه هو أن الإسراف واقع في كل تجاوز للحد الشرعي موضعاً وقدراً، وسيأتي تفصيل ذلك في صور الإسراف إن شاء الله تعالى.
المبحث الأول: صور الإسراف في النفقة في القرآن الكريم:
لقد أشار القرآن إلى العديد من صور الإسراف في النفقة، ومنع منها وحذر، إما بطريقة مباشرة، أو إشارة ظاهرة بينة، وإليك ما استطعت جمعه من صور الإسراف في النفقة في القرآن:
الصورة الأولى: الإسراف في نفقة المأكل والمشرب:
قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31]
اختلفت أقوال المفسرين في معنى الإسراف في هذه الآية وقد جمعها المارودي فقال: "فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: لا تسرفوا في التحريم , قاله السدي.
والثاني: معناه لا تأكلوا حراماً فإنه إسراف , قاله ابن زيد.
والثالث: لا تسرفوا في أكل ما زاد على الشبع فإنه مضر , وقد جاء في الحديث: (أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ البردة) , يعني التخمة.
ويحتمل تأويلاً رابعاً: لا تسرفوا في الإنفاق"([8]).
فأما تحريم ما أحل الله فقد روى ابن جرير عن السدي قال: "كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرِّمون عليهم الوَدَك ما أقاموا بالموسم، فقال الله لهم: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ، يقول: لا تسرفوا في التحريم"([9]).
وأما مجاوزة حد الحلال إلى الحرام فقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره أن أَصْبَغ بن الْفَرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: وَلا تُسْرِفُوا قَالَ: "لَا تَأْكُلُوا حَرَامًا، ذَلِكَ إِسْرَافٌ"([10]). وروى كذلك عن مجاهد قال: "لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أَبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ إِسْرَافًا، وَلَوْ أَنْفَقْتَ صَاعًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ إِسْرَافًا"([11]).
أما مجاوزة الحد في الأكل إلى الشبع المضر، فيستدل له بأحاديث النبي التي حث فيها على التقلل من المأكل والمشرب كحديث مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: "مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ"([12]).
وفي الصحيحين أن النبي قال: "الْمُؤمن يَأْكُل فِي معى واحدٍ، وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أمعاء"([13]).
قال ابن بطال : "وإنما أراد بقوله: (المؤمن يأكل فى معي واحد) المؤمن التام الإيمان؛ لأنه من حسن إسلامه وكمل إيمانه تفكر فى خلق الله له وفيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته"([14]).

فيحتمل أنه حث على التقلل من باب الاستحباب لا الوجوب، والنهي على هذا المعنى للكراهة لا للتحريم قال القرطبي: "وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي: وهو الصحيح، فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان"([15]).
وفرّق في ذلك في موضع آخر فقال بعد كلامه عن الإكثار من الأكل: "وذلك يثقل المعدة، ويثبط الإنسان عن خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه"([16]). وقال لقمان لابنه: "يا بني لا تأكل شبعًا فوق شبع، فإنك أن تنبذه للكلب خير من أن تأكله"([17]).
أما الوجه الأخير الذي ذكر الماوردي وهو الإسراف في الإنفاق فأرى أنه شامل لكل ما سبق، فمجاوزة المرء للحلال من المأكل والمشرب إلى الحرام هو من الإسراف في الإنفاق وهو محرم ولو كان قليلاً.
وكذلك مجاوزة الحد في المنع إلى حد تحريم الحلال هو إسراف في الإنفاق إلى حد التقتير وهو محرم لأنه تحريم لما أحل الله.
وكذلك مجاوزة الحد في الأكل والشرب إلى حد الشبع المضر هو كذلك إسراف في الإنفاق وهو على ما سبق تفصيله.
وهنا وجه لم يذكره الماوردي وقد جاء عن النبي وعن ابن عباس -- وهو أن يكون الإسراف المنهي عنه على سبيل الخيلاء والفخر كما في صحيح البخاري باب قول الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف: 32] قال البخاري: وقال النبي : «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُلْ مَا شِئْتَ، وَالبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ "([18]).
ويؤيد هذا أن المشركين قد ألفوا التفاخر والخيلاء بالكرم والبذل، لحد الإسراف والإضرار بالنفقة الواجبة، وقد يمنعون المسكين والفقير لينفقوا على من يمدحهم ويثني عليهم، قال القرطبي عن الوليد بن المغيرة: "وكان يطعم أهل منى حيسًا ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحد تحت برمة، ألا لا يدخنن أحد بكراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة. وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفا وأكثر. ولا يعطي المسكين درهما واحدا"([19]).
ولعل في هذا إجابة لما قد يتبادر إلى الذهن من سبب النهي عن الإسراف مع أن الصحابة كانوا أشد الناس فقراً وعوزاً ولم يكن بمقدورهم أن يسدوا جوعتهم فضلاً عن أن يسرفوا ويتجاوزوا الحد إلى الشبع المضر. والله أعلم.
يتقرر مما سبق أن الإسراف المنهي عنه في المأكل والمشرب يتمثل فيما يلي:
1- أن ينفق المرء ماله في مأكل حرام أو مشرب حرام وهذا إسراف محرم ولو كان الـمُنفَق قليلاً.
2- أن يقتّر المرء في الإنفاق على المأكل والمشرب لدرجة التحريم على نفسه وأهله ما أحل الله، وهذا إسراف بمعنى تجاوز الحد في التقلل.
3- أن ينفق المرء في مأكله ومشربه لحد يضرب به من الشبع وهذا إسراف، وهو إما أن يكون حراماً إذا وصل به إلى القعود عن الواجبات، أو الإضرار بالبدن ضرراً يؤدي إلى الهلاك أو الأمراض، أو يكون مكروها إذا أثقل المسلم عن المستحبات. والله أعلم.
4- أن ينفق المرء في مأكله ومشربه بقصد الخيلاء والفخر، فهذا إسراف محرم لدخوله في الرياء والسمعة المحرمتين، ولأنه مما نهى عنه النبي .
الصورة الثانية: الإسراف في الملبس والزينة:
قال تعالى: يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31]
النهي عن الإسراف في هذه الآية يدخل فيه الملبس، إذ أمر الله بأخذ الزينة عند الصلاة والطواف ونحو ذلك ثم أمر بالأكل والشرب ثم نهى عن الإسراف وقد روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا فِي الثِّيَابِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ"([20]). وقال ابن عطية: "فمن تلبس بفعل حرام فتأول تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي عليه، ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن أفرط حتى دخل الضرر حصل أيضا من المسرفين وتوجه النهي عليه، مثل ذلك أن يفرط الإنسان في شراء ثياب ونحوها ويستنفد في ذلك جل ماله أو يعطي ماله أجمع ويكابد بعياله الفقر بعد ذلك ونحوه"([21]).
فيكون الإسراف في الملبس يتمثل في:
1- الإسراف في النفقة على الملبس المحرم سوء كان التحريم في الذات كالذهب والفضة والحرير للرجال، أو في الصفة كالمسبل للرجال والعاري للنساء.
2- الإسراف في النفقة على الملبس بتحريم ما أحل الله كما فعل أهل الجاهلية في منعهم اللباس أثناء الطواف وكتحريم البعض الرقيق من الثياب ونحو ذلك.
3- الإسراف في النفقة على المبلس بشراء ما لا يحتاج إليه.
4- الإسراف في النفقة على الملبس بلبس الخيلاء والفخر والشهرة وقد نهينا عنها جميعاً، قال : "من لبس ثوب شُهْرةٍ: فىَ الدنيا ألبسه الله ثوب مَذلةٍ يوم القيامة"([22]).
الصورة الثالثة: الإسراف في الصدقة:
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141]
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ على أقوال يمكن إجمالها في قولين كما قال ابن الجوزي: "أحدهما: أنه الزكاة، روي عن أنس بن مالك، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وجابر بن زيد، وابن الحنفية، وقتادة في آخرين فعلى هذا الآية محكمة.
والثاني: أنه حق غير الزكاةُ فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما سقط من الزرع والثمر، قاله عطاء ومجاهد"([23]).
وعند النظر في هذين القولين يمكن إرجاعهما إلى قول واحد، وهو أن من قال أن الحق الذي أمر به هو حق غير الزكاة فرض يوم الحصاد قد قال بأن ذلك منسوخ بفرض الزكاة، فعلى هذا تكون الآية محصورة في الزكاة المفروضة، وقد رد ابن كثير قول من قال بالنسخ فقال: "وفي تسمية هذا نسخًا نظر، لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة"([24]).
قوله تعالى: وَلَا تُسْرِفُوا هذا النهي اختلف العلماء هل هو عائد على الصدقة أو عائد على غيرها واختلفوا في معناه على أقوال عدها الماوردي خمسة قال:
"وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أن هذا الإسراف المنهي عنه هو أن يتجاوز رب المال إخراج القدر المفروض عليه إلى زيادة تجحف به , قاله أبو العالية , وابن جريج. وقد روى سعد بن سنان عن أنس قال: قال رسول الله : (المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا) وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقد تصدق بجميع ثمرته حتى لم يبق فيها ما يأكله.
والثاني: هو أن يأخذ السلطان منه فوق الواجب عليه , قاله ابن زيد.
والثالث: هو أن يمنع رب المال من دفع القدر الواجب عليه , قاله سعيد بن المسيب.
والرابع: أن المراد بهذا السرف ما كانوا يشركون آلهتهم فيه من الحرث والأنعام , قاله الكلبي.
والخامس: هو أن يسرف في الأكل منها قبل أن يؤدي زكاتها , قاله ابن بحر"([25]).
وقد رد القرطبي قول من قال إن النفقة في الخير لا تكون سرفًا، فقال: "وهذا ضعيف، يرده ما روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فنزلت" ولا تسرفوا" أي لا تعطوا كله. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جذ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شي: فنزل" ولا تسرفوا". قال السدي:" ولا تسرفوا" أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى:" ولا تسرفوا" قال: الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى.
قلت: فعلى هذا تكون الصدقة بجميع المال ومنه إخراج حق المساكين داخلين، في حكم السرف، والعدل خلاف هذا، فيتصدق ويبقي كما قال : (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) إلا أن يكون قوي النفس غنيا بالله متوكلا عليه منفردا لا عيال له، فله أن يتصدق بجميع ماله، وكذلك يخرج الحق الواجب عليه من زكاة وما يعن في بعض الأحوال من الحقوق المتعينة في المال"([26]).
وهذا الذي يظهر –والله أعلم- صحته، لما ذكره القرطبي ولما جاء في صحيح البخاري عن النبي قَالَ النَّبِي: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ»([27]).
فهذا نص صريح صحيح وصله أحمد([28]) والنسائي([29]) بسند صححه أحمد شاكر وحسنه الألباني في أن الصدقة مما يدخل فيه الإسراف.
وقد نفى ابن عاشور أن يكون في الصدقة إسراف قال: "فأما بذله في الخير ونفع الناس فليس من السرف، ولذلك يعد من خطأ التفسير: تفسيرها بالنهي عن الإسراف في الصدقة، وبما ذكروه أن ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة وفرق ثمرها كله ولم يدخل منه شيئا إلى منزله، وأن الآية نزلت بسبب ذلك"([30]).
فإن أُحتج بفعل أبي بكر فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: اليَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: وَسَلَّمَ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا([31]).
فقد أجاب عنه ابن حجر قال: "التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال فمن كان قويا على ذلك يعلم من نفسه الصبر لم يمنع وعليه يتنزل فعل أبي بكر الصديق وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين ولو كان بهم خصاصة ومن لم يكن كذلك فلا وعليه يتنزل "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" وفي لفظ "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى"."([32]).
الصورة الرابعة: الإسراف في البنيان:
لقد خلق الله الإنسان في هذه الحياة لعمارتها بالطاعة، والعبادة لله وحده، وحذر من الافتتان بها والاغترار بمتاعها وطول الأمل في البقاء فيها، بل صُوِّرَت بأنها قليلة جدا وأنها متاع زائل، وعرض ذاهب، وحذر من التوسع فيها.
وإن التوسع في البنيان يخالف ما ذُكر في القرآن من الاقتصاد وعدم الإسراف، ولقد جاء التحذير من الإسراف في البنيان في ذكر فعل الأمم السابقة على وجه الذم، والإنكار من رسلهم قال تعالى على لسان هود : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء: 128، 129] قال الفخر الرازي: "واعلم أن الأول إنما صار مذموما لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء، والثاني: إنما صار مذموما لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر"([33]).
ومثل هذين السببين يكون الداعي إلى ما يفعله الناس اليوم من الإسراف في البنيان والتوسع فيه وزخرفته وقد وصل ببعضهم إلى وضع الذهب والفضة وغيرهما مما يبذل فيه المرء أموالاً كثيرة فيما لا فائدة منه، ولا نفع فيه.
قال ابن حجر: "ومما لا خلاف في كراهته مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة"([34]).
وكذلك ذكر الله إنكار نبيه صالح على قومه فقال: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء: 149] قال ابن كثير: "فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرا وبطرا وعبثا"([35]).
تبين من هذا أن بذل المال الزائد في المباني لغير حاجة ولا مصلحة إسراف منهي عنه، قد أنكره الرسل السابقون على أممهم وحذروهم من التمادي فيه.
ويتمثل الإسراف في النفقة في البناء في الأمور التالية:
- الإنفاق في بناء ما لا حاجة له، إنما هو من باب الترف والرفاهية، والتفاخر والتباهي.
- الإنفاق في الزخرفة والتجميل للمساكن بما يتعدى الحاجة، ويتجاوز المقصد منها.
- الإنفاق في البناء بما يؤدي إلى شدة التعلق بالدنيا، ونسيان الآخرة.
- الإنفاق في البناء بما يؤدي إلى الفخر والخيلاء والتظاهر بكثرة المال وقوة الحال.
المبحث الثاني: آثار الإسراف في النفقة وعلاجه في ضوء القرآن، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: آثار الإسراف في النفقة.
المطلب الثاني: علاج الإسراف في النفقة ضوء القرآن.
المطلب الأول: آثار الإسراف في النفقة:
مما لا شك فيه أن الأمور المنهي عنها شرعاً لها آثر ضارة على الفرد نفسه، وعلى من يشاركه في مسكنه أو مجتمعه، وإن الإسراف في النفقة من الأمور التي نهى عنها الشرع ولا بد أن يكون لها آثار سيئة وهذه بعضها، مما ذكره القرآن:
1- تضييع الأموال التي بها قوام الحياة واستمرارها، وقد ذكر ذلك في سياق النهي عن إعطاء الأموال للسفهاء الذين يبددونها في غير طريقها، وينفقونها في غير سبيلها، فيتضررون بذلك ويضرون من هي لهم قوام، ولحياتهم سبب استمرار قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء: 5] قال الزمخشري : "السُّفَهاءَ: المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. ثم قال: "جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً أي: تقومون بها وتنتعشون، ولو ضيعتموها لضعتم فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم"([36]).
فهذه الإضاعة للموال التي بها قوام الناس أثر من آثار الإسراف التي حذر الله منها وحث العقلاء ألا يمكنوا السفهاء منها.
2- الحرمان من محبة الله للعبد، فقد ذيل الله آيتي النهي عن الإسراف بالتهديد بعدم محبة من اتصف بهذه الصفة، فقال تعالى: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141] و [الأعراف: 31].
3- الوقوع في مشابهة الشيطان في فعله ومآله قال تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء: 27] قال القرطبي: "يعني أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار"([37]).
5- اللوم للنفس من النفس، ومن الغير، وهذا أثر نفسي واجتماعي عظيم، قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء: 29] قال ابن الجوزي : "مَلُوماً: تلوم نفسك ويلومك الناس"([38]) فيصبح المسرف لائماً لنفسه على تفريطه، معاتباً لها على سوء تصرفها، وقد يوقعه ذلك في الأمراض النفسية التي تضيق عليه الحياة، وتشغله عن الاشتغال بالطاعات، إلى الاشتغال بالنفس ولومها، ومحاولة إصلاح أخطائها، فيصبح مشغول البال بهذا البلاء، مشغلاً للأوقات بجمع الفتات، لتدارك ما فات.
6- الانقطاع والعوز، وهو أثر يتبعه آثار، كعدم القدرة على بذل الواجب، وأداء الحقوق وغير ذلك، قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء: 29]قال البغوي: " مَحْسُوراً: منقطعًا لا شيء عندك تنفقه"([39]).
وهذا الأثر يدخل العبد في الكثير من الآثام، كقطيعة الأرحام، وضياع من يعول، والانقطاع عن الأهل والجيران، والاختفاء عن الناس، وعدم حضور الجمع والجماعات، إذ أنه منقطع عن سداد ديونه، أو الوفاء بحقوق الناس عليه.
المطلب الثاني: علاج الإسراف في النفقة في ضوء القرآن
لقد سلك القرآن الكريم في معالجة هذه المشكلة أساليب متنوعة، وطرقًا عديدة، كفيلة بمنع المؤمن منه، وتبغيضه إليه، فمن ذلك:
1- النهي الصريح عنه:
قال تعالى : ولا تسرفوا وقال ولا تبذر وهذا النهي أسلوب من أساليب القرآن في المنع من المحرمات، والتحذير منها، فلما ينهى القرآن نهياً صريحاً عن أمر من الأمور فإنه يعني التحريم إلا لقرينة تصرفه إلى غيره، ثم يُذَيّل القرآن هذا النهي بما يدل على عظمته وشدته فيقول تعالى: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141] فيبين تعالى عدم محبة من اتصف بهذه الصفة، فيعظم ذلك النهي في قلوب عباده الذين يرجون محبته، ويخشون حرمانها.
ثم ترى النهي يأتي بعد ذكر التفضل والإنعام منه تعالى على عباده، ففي سور الأنعام قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وفي سورة الأعراف قال:يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31] ففي كلتا الآتين يأتي النهي عن الإسراف بعد ذكر الفضل والإنعام منه تعالى، فما أشده على نفوس المؤمنين الشاكرين المقرين بفضل ربه وجوده.
أما النهي الثاني وهو قوله تعالى: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء: 26] فقد أتى بعده بما يحث المؤمنين على سرعة الاستجابة لهذا النهي، والانتهاء عن هذا الأمر، إذ هو وصف لمن اشتدت عداوته لبني آدم، ومن تقرر في قلوب المؤمنين بغضه وكراهته، كما سيأتي قريباً زيادة بيان لذلك.
2- تهديد المتصفين بالإسراف بحرمانهم محبة الله، قال تعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31] ولما يكون المؤمن يرجو محبة الله، ويطلبها ويسعى في نيلها، ويستقر في قلبه ما لهذه المحبة من ثمرات وآثار عظيمة، يعظم في قلب العبد حرمانه منها، ويتقي أسباب ذلك الحرمان بكل ما يستطيع.
وهذا منهج عظيم الأثر في النفوس، فكم يؤثر في المرء أن تهدده بحرمانه من شيء عظيم يتمنى حصوله، كيف إن كان ذلك المهدد بحرمانه محبة الله تعالى له.
3- تحذير المسرف من أخوة الشيطان، العدو الحقيقي للإنسان، مع ما استقر في قلب المؤمن من كراهية هذا العدو، وبغضه والابتعاد عن منهجه وطريقه وصفاته.
لقد غرس القرآن في قلوب المؤمنين البغض والكراهية لهذا العدو المبين، بعدة أساليب وطرق، فكم تتكرر قصة إخراجه لآدم -- وزوجه من الجنة، وسعيه في إفساد ذريته و إقسامه على ذلك، ونسبة العداوة والبغضاء والفواحش والمنكرات إليه، وتخليه عن أتباعه وأوليائه يوم القيامة، وعند الشدائد والمواقف الحرجة.
كل هذا يجعل لقوله تعالى: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) [الإسراء: 26، 27] أثراً عظيماً في النفوس لمن تأمله.
4- ذكر عواقب الإسراف وآثاره، وقد سبق ذكر بعضها في المطلب السابق، وهذا المنهج يجعل المرء مستشعراً لهذه الآثار، مستحضراً لها عند صرفه لماله ونفقته وبذله، فلما يتقرر عنده أن المسرف في نفقته سيصل يوماً إلى العدم الذي يمنعه من تحقيق أمنياته، والقيام بواجباته، وسيكون عرضة للوم النفس، ولوم الزوج والأولاد، وغيرهم ممن لهم حقوق.
لما يتذكر عند إنفاقه أن إسرافه يؤدي إلى فقدان ما به قوامه وقوام من يعول، فإن هذا له الأثر البالغ في الانتهاء عن هذا الفعل.
وقل مثل ذلك في بقية الآثار والعواقب التي سبق ذكرها.
5- ذكر العواقب الوخيمة للمسرفين، وإن كان إسرافهم في غير النفقة، فإن المشابهة في الاسم تبغّض الانتساب إليه.
لقد ذكر الله عواقب لأعمال وصفها بالإسراف، أو وصف أهلها بالمسرفين، تأخذ بلب العاقل، وقلب الواعي، ليبغض هذا الوصف، ويجتنب هذا الفعل وإن كان في غير ما اتصف به هو، فمن ذلك:
قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) فبعد ذكر هذه العقوبة الشديدة، والخاتمة السيئة المقيتة، يأتي ذكر الإسراف كسبب لها قال تعال: وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه: 126، 127].
ومنه ذكر حال المسرفين عند نزول العذاب، وأنهم هالكون لا حظ لهم في النجاة مع من وعد الله بالنجاة، قال تعالى: ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [الأنبياء: 9]
ومن ذلك حرمان المسرف الهداية، وتوعده بالإضلال قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر: 28] وقال: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [غافر: 34]
ومنه جعل عقوبة المسرفين النار، يصاحبونها ولا يخرجون منها قال تعالى: وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: 43]
ومن ذلك إرسال العذاب على أهل الإسراف قال تعالى: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات: 33، 34]
فهذه نماذج من ذكر الله تعالى لعقوبة أهل الإسراف، وإن كان في غير النفقة، لكنه يوحي بالخوف من هذا الوصف والحذر منه.
فما أعظم أسلوب القرآن وأبلغه.
6- إطلاق وصف الإسراف على من عظم فساده، ومن التصق اسمه بالشر والسوء والفحشاء:
فوصف قوم لوط u الذين اشتهروا بالفاحشة النكراء، والسوء والبلاء، بوصف الإسراف فقال تعالى: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف: 81]
ووصف فرعون -لعنه الله- الذي لا يُذكر إلا تبادر إلى الذهن الطغيان، والفساد في الأرض، والقتل والإجرام، والتعالي والكفران، قال تعالى: إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ [الدخان: 31]
ووصف به من يسعى في الأرض الفساد، ولا يريد الإصلاح، فقال:وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [الشعراء: 151، 152]
فكيف ترى حال المسرف في نفقته عندما يرى من وصف بهذا الوصف؟ وهل يرضى أن يوصف بمثل وصفهم؟!
7- الأمر بالتوسط وجعله من صفات العباد المضافين إلى الرحمن فقال وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ [الفرقان: 63] فما أشرفها من إضافة، وما أبهاه من وصف، ثم يأتي بعد ذلك ذكر صفات هؤلاء الفضلاء الكرماء الأجلاء، فيقول تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67]
هذا أسلوب في علاج مشكلة الإسراف عظيم، فبعد ذكر شرف الإضافة، جاء الوصف لهؤلاء الأخيار بأن الإسراف ليس من صفاتهم، ولما يسمع المؤمن بهذا تتوق نفسه إلى الاتصاف بهذا الوصف لعله يفوز بذلك الشرف، فقد يبالغ في الامتناع من الإسراف حتى يصل حد التقتير، فلا هذا يصلح ولا ذاك يصلح، إنما هو التوسط، فلذا جاء هذا الأسلوب في الحث على عدم الإسراف بذكر الوصف الوسط بينه وبين التقتير، لئلا يسلك العبد هذا ولا هذا بل يتوسط ليكون من عباد الرحمن.
فأي منهج في الحث على البعد عن الإسراف والاتصاف بالاعتدال والتوسط كهذا المنهج!
7- فتح باب المغفرة والتوبة وعدم القنوط لمن أسرف في معصية الله قال تعالى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53]
وهذا فيه الترغيب للتوبة من الإسراف لمن اتصف به ولو بلغ به المبالغ العظيمة، إذ قد فتح الله الباب لمن اسرف على نفسه بمعاصيه أياً كانت هذه المعاصي.
فهذا أسلوب من أساليب القرآن لترغيب العبد المسرف في نفقته أن يدخل في موكب عباد الله الذين أضافهم إلى نفسه متخلصاً من هذه الصفة الذميمة والخلق السيء.
8- ذكر إسراف الأمم السابقة في البناء، الذي أدى بها إلى الفخر والخيلاء، والتباهي بالقوة والمنعة، والتعلق بالدنيا، ونسيان الآخرة، بل إنكارها والكفر بها، كما هي حال عاد وثمود، ثم ذكر مآلهم وهو الهلاك، فلم ينفعهم ما شيدوا، ولم يمنعهم ما كانوا يظنون فيه المنعة.
قال الله عن عاد : فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [فصلت: 15، 16] قال الشوكاني: "أي: لا يمنعون من العذاب النازل بهم، ولا يدفعه عنهم دافع"([40]).
فأين تلك القوة التي بها افتخروا؟ وأين تلك المباني التي لها شيدوا؟ وأين تلك المصانع التي ظنوا أنهم بها يخلدون؟
وقال عن ثمود: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) [هود: 67، 68] قال السعدي: "فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ أي: خامدين لا حراك لهم كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي :كأنهم لما جاءهم العذاب ما تمتعوا في ديارهم ولا أنسوا بها ولا تنعموا بها يوما من الدهر قد فارقهم النعيم وتناولهم العذاب"([41]).
فأين تلك البيوت التي كانوا لها ينحتون؟ وأين تلك الدور التي كانوا بها فارهين؟
فكم في هذا من عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!
كم في هذا من عظة لمن يفاخر بالمباني، ويبذل فيها الكثير من الأموال والجهد والأوقات؟
حتى ظن البعض أنه لن يترك هذه الدور، ولن يفارق هذه المنازل والقصور.
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فبعد هذا البسط الموجز، والعرض المختصر، لموضوع الإسراف في النفقة، ومنهج القرآن في علاجه، تبين لي جملة من النتائج وهي:
1- أن الأفضل في تعريف الإسراف في النفقة أن يكون منطلقاً من المعنى اللغوي له، وهو تجاوز الحد، مع الجمع بين التجاوز في الموضع والتجاوز في القدر، فيكون تعريفه: هو مجاوزة ما حدده الشرع في النفقة موضعاً وقدرا.
2- أن صور الإسراف في النفقة في القرآن عديدة، ذكرت منها:
أ) الإسراف في النفقة على المأكل والمشرب، وتمثلت تلك الصورة في الأمور التالية:
- الإنفاق في المأكل والمشرب المحرم فهو إسراف ولو كان قليلاً.
- الامتناع عن الإنفاق في المأكل والمشرب بتحريمه ومنع النفس منه.
- الإنفاق في المأكل والمشرب بالإكثار منه إلى حد الشبع المضر.
- الإنفاق في المأكل والمشرب فخراً وخيلاء.
ب) الإسراف في النفقة على الملبس، وتمثلت تلك الصورة في الأمور التالية:
- الإنفاق في الملبس المحرم سوء كان التحريم في ذاته أو صفته، للرجال أو النساء.
- الامتناع عن الإنفاق في الملبس تحريماً له.
- الإنفاق في الملبس زائداً عن حاجة الإنسان.
- الإنفاق في الملبس من باب الشهرة والفخر والخيلاء.
ج) الإسراف في النفقة على البناء، وتمثلت تلك الصورة في الأمور التالية:
- الإنفاق في البناء فيما لا حاجة إليه.
- الإنفاق في البناء بزيادة الزخرفة والتجميل.
- الإنفاق في البناء بما يؤدي إلى حب الدنيا والتعلق بها.
وبعد استعراض هذه الصور للإسراف في النفقة، استقرأت المنهج الذي نهجه القرآن في التحذير من الإسراف، فظهر لي ما لي:
1- النهي الصريح عن الإسراف كقوله تعالى ولا تسرفوا وولا تبذر.
2- التهديد بحرمان المسرف محبة الله.
3- ذكر آثار الإسراف.
4- ذكر عواقب المسرفين.
5- وصف أهل الطغيان والفساد بوصف الإسراف لتبغيضه في النفوس.
6- جعل المبذرين إخواناً للشياطين.
7- وصف عباد الرحمن بالإعتدال والتوسط في الإنفاق.
8- ذكر مآل الأمم المسرفة وما حل بها من العقوبة.
وبعد الوصول إلى هذه النتائج، فإني أوصي نفسي وإخواني بما يلي:
1- الحذر من الإسراف واجتنابه والبعد عنه.
2- المساهمة في التصدي لهذا الخطر الداهم الذي تحل بسببه العقوبة على المجتمعات جميعاً ليس على المسرف وحده.
3- تطبيق منهج القرآن في التحذير من الإسراف عن طريق المحاضرات والدروس والدورات والخطب وغيرها.
4- عرض صور الإسراف التي انتشر بين الناس عبر وسائل الإعلام المرئي مع ربطه بما يبغضه في نفوس الناس.
5- تخصيص دورات تثقيفية للمقبلين على الزواج، وللشباب في المدارس والجامعات، يتخذ فيها منهج القرآن في التحذير من الإسراف.
6- العناية بالجمعيات التي تقوم على حفظ النعمة وتوسيع نشاطها ليشمل التوجيه والإرشاد والبيان والإيضاح لخطورة الإسراف بشتى صوره.
هذا ما تيسر إيراده وبيانه، وجمعه وتحليله.
إن كان من صواب فمن الله، وإن كان من خطأ أو زلل فمن نفسي والشيطان والله ورسوله بريئان من ذلك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


[1])) معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ 1979م 3/143.
([2]) لسان العرب، محمد بن مكرم بن علي جمال الدين ابن منظور الأنصاري، دار صادر -بيروت، الطبعة:الثالثة 1414ه. 9/148.
([3]) تفسير يحيى بن سلام، يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة البصري، تقديم وتحقيق:هند شلبي، دار الكتب العلمية، بيروت –لبان، الطبعة الأولى،1425هـ 1/ 490.
([4]) المرجع السابق نفسه الجزء والصفحة.
([5]) الجامع لأحكام القرآن، أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية –القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ. 7/110.
([6]) جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير أبو جعفر الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420هـ. 19/300.
([7]) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية –الكويت، الطبعة: الثالثة، دار السلاسل –الكويت 4/178.
([8]) النكت والعيون، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، تحقيق: السيد ابن عبدالمقصود بن عبدالرحيم، دار الكتب العلمية – بيروت/لبنان، 2/218.
([9]) جامع البيان في تأويل القرآن 12/395.
([10]) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز –المملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة، 5/1466.
([11]) المرجع السابق 5/1465، وسيأتي الكلام على هذا القول في صورة الإنفاق في الصدقة.
([12]) رواه الترمذي، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، وقال حديث حسن صحيح.
([13]) رواه البخاري في صحيحه، باب: المؤمن يأكل في معي واحد، ومسلم في صحيحه، باب: المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء.
([14]) شرح صحيح البخاري لابن بطال، ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبدالملك، تحقيق: أبوتميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد –السعودية، الرياض، الطبعة الثانية، 1423، 9/472 و 473.
([15]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7/191.
([16]) المرجع السابق 7/194.
([17]) المرجع السابق 7/195.
([18]) رواه البخاري في صحيحه باب قول الله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده.
([19]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/235.
([20]) تفسير ابن أبي حاتم 5/1466.
([21]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبدالحق بن غالب بن عبدالرحمن الأندلسي المحاربي، تحقيق: عبدالسلام عبدالشافي محمد، دار الكتب العلمية –بيروت، 2/393.
([22]) رواه أحمد في مسنده، مسند عبدالله بن عمر بن الخطاب، وصحح إسناده أحمد شاكر.
([23]) زاد المسير في علم التفسير، جمال الدين أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: عبدالرزاق المهدي، دار الكتاب العربي-بيروت، الطبعة الأولى-1422ه، 2/84.
([24]) تفسير القرآن العظيم، أبوالفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري الدمشقي، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون-بيروت، الطبعة الأولى، 1419ه، 3/313.
([25]) النكت والعيون للماوردي 2/178 و 179.
([26]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7/110 و 111.
([27]) سبق تخريجه ص 8.
([28]) في مسنده، مسند عبدالله بن عمرو بن العاص
([29]) في سننه، باب الاختيار في الصدقة.
([30]) التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، الدار التونسية للنشر-تونس، 1984م، 8-أ/123.
([31]) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
([32]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبوالفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة-بيروت، 1379، 11/574.
([33]) مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير،أبوعبدالله محمد بن عمر بن الحسن التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي-بيروت،الطبعة الثالثة،1420ه، 24/523.
([34]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر 10/408.
([35]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/156.
([36]) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، أبوالقاسم محمود بن عمرو بن أحمد الزمخشري جار الله، دار الكتاب العربي-بيروت، الطبعة الثالثة 1407هـ، 1/471.
([37]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/248.
([38]) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 3/21.
([39]) معالم التنزيل في تفسير القرآن،أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي الشافعي، تحقيق:عبدالرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي-بيروت، الطبعة الأولى،1420ه، 3/131.
([40]) فتح القدير، محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني اليمني، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب-دمشق، بيروت، الطبعة الأولى 1414ه، 4/586.
([41]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله السعدي، تحقيق: عبدالرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1320ه، ص 385.