وردت كلمة الجاهلية في القرآن الكريم أربع مرات وذلك في سور آل عمران الآية (154) , والمائدة الآية (50) , والأحزاب الآية (33), والفتح الآية (26) . والسور الأربع هي سور مدنية نزلت في العهد المدني بعد أن منّ الله تعالى على رسوله ( ) والمؤمنين بالهجرة النبوية الشريفة , هذا الحدث الاسلامي الفاصل بين عهدين وحياتين , عهد الجاهلية وحياتها وعهد الأسلام وحياته حيث يتنزل الوحي الكريم بالشريعة والأحكام التي تنظم حياة المجتمع الأسلامي الأول في دولة الرسول ( ) وحكومته التي يحكم فيها بما أنزل الله تعالى عدلا وحقا , ويرتفع بهذا وحي الله بمجتمع المسلمين الى مستويات روحية سامية وعليا . وكلمة الجاهلية في اللغة العربية هي مصدر صناعي مأخوذ من الجهل الذي هو ضد العلم كما قال بذلك الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات وجاء ايضا في المعاجم اللغوية وكتب التفسير. وآية آل عمران وهي قوله تعالى ( ... يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ...) وقد نزلت في طائفة من المنافقين يوم أحد أهمتهم أنفسهم وأستولى عليهم الخوف وسيطر القلق على نفوسهم وأساؤا الظن بالله ورسوله وعاجلوا أنفسهم بالأعتقاد بأن الهزيمة ستقضي على دين الله ورسوله متذرعين بالمشورة والرأي لهم خلافا للنبي الرسول القائد والمؤمنين الصادقين الذين يعتبرون بمآل الوقائع ودروسها وسكنت نفوسهم وأطمأنت قلوبهم بما أحاطهم الله بالنعاس أمنة منه لهم تعالى وقرارا . وفي سورة المائدة قوله تعالى ( ... أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) ويقول المفسرون إن معناها.. أفيبطلون بتولّيهم وإعراضهم عنك ( يارسول الله ) حكم الجاهلية ؟ ( وهو إستفهام إنكاري كما هو معروف في النحو العربي ) والجاهلية كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله فلا ثَمّة حكم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية , وحكم الجاهلية مبني على الجهل والظلم ولهذا أضافه الله للجاهلية , وأما حكم الله فمبني على العلم والعدل والقسط والنور والهدى , وقد نزلت الآية في قوم من يهود توهموا أنهم بتولّيهم وإعراضهم عن رسول الله وحكمه يحكمون بحكم الجاهلية حيث كان الناس فيها يجعلون حكم الشريف مكان حكم الوضيع وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء والفقراء ولايقيمونها على الأقوياء الأغنياء فضارعوا وماثلوا الجاهلية بهذا الفعل . أما آية الأحزاب وهي قوله تعالى (... ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى ..) والتبرج هو إظهار الزينة وإظهار ماسِترُهُ أحسن . والآية الكريمة نزلت يخاطب الله تعالى بها نساء النبي ( ) أمهات المؤمنين وأمهاتنا ( ) وهن قدوة نساء المسلمين ويأمرهم تعالى بعدم إظهار الزينة للرجال .حيث كان النساء في الجاهلية يُظهِرن محاسنهن حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وحِلمها فينفرد حِلمُها بما فوق الإزار الى الأعلى وينفرد زوجها دون الإزار الى الأسفل , وربما سأل أحدهما صاحبه البدل . أما آية الفتح وهي قوله تعالى ... ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ... ) وحمية الجاهلية هي أنفة المشركين من دخول رسول الله ( ) والمؤمنين اليهم في مكة المكرمة في عام الحديبية لئلا يقول الناس أنهم دخلوا مكة قاهرين لقريش. وأنفتهم من كتابة ( بسم الله الرحمن الرحيم) في عهد الصلح . وهذه الأنفة والأعتقاد هي من ظنون الجاهلية وأوهامها وقد قابل المؤمنون تلك الأنفة بالطاعة لرسول الله وامتثال أمره 0 ) فلم يحملهم الغظب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به إنما صبروا لحكم الله ورسوله وعظّموا شعائر الله ولم يأبهوا بقول القائلين أو لوم اللأئمين. وهكذا فقد فصل الأسلام بين نور الأسلام وظلمات الجاهلية فصل بين يقين الإيمان وحقيقته وبين العلم وأنواره , وبين حكم الله العادل و بين حكم الجاهلية الظالم , وبين تبرج الجاهلية وأرجاسها ومفاتنها الخادعة وبين عفة الأسلام وطهارته , وبين حمية الجاهلية وأنفتها و بين أناة وصبر الأسلام والمسلمين وحلمهم . نعم وكما يقول التاريخ والمؤرخون فقد حقق الأسلام والقرآن المجتمع المسلم الصالح في دولة النبي (محمد ) وحكومته في المدينة المنورة ونقض وأزال معالم الجاهلية وأوصافها . وكان ( ) في الكثير من أحاديثه الشريفة في مجلسه ومسجده كثيرا ما يعلم صحابته () وأمته ويزكيهم ويربيهم في كل وقت وحين وعلى الدوام للتمسك بآيات الله والقرآن والتخلي عن كل صفة ذميمة من صفات الجاهلية قولا وعملا واعتقادا حتى تحقق المجتمع المسلم الصالح الأول في عهده وحياته ( ) وهو مجتمع الأمة الأسلامية خير أمة أخرجت للناس وكان في طليعتها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصاروالذين اتبعوهم بإحسان ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم .