قوله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
قال السعدي :
وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته، ويجامعها على وجه القربة والاحتساب، وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم.
وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: في جميع أحوالكم، كونوا ملازمين لتقوى الله، مستعينين بذلك لعلمكم، أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها.
قال العثيمين :
قوله تعالى: وقدموا لأنفسكم يعني الطاعات، وما ينفعنا عند الله عزّ وجلّ؛ وإنما قال ذلك بعد ذكر إتيان النساء حتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة؛ ومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بإتيان أهله تحصين فرجه، وتحصين فرج امرأته؛ وطلب الولد الصالح، وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية.
قال في البحر المحيط :
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ طَاعَةَ اللَّهِ، وَامْتِثَالَهُ مَا أَمَرَ، وَاجْتِنَابَ مَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَهُوَ الْخَيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيِ: اتَّقَوُا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، وَهُوَ تَحْذِيرٌ لَهُمْ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَلِأَنَّ الْعَظِيمَ الَّذِي تَقَدَّمَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُقَدَّمَ مَعَكَ مَا تَقْدَمُ بِهِ عَلَيْهِ مِمَّا لَا تُفْتَضَحُ بِهِ عِنْدَهُ، وهو العمل الصالح.
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ: بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى وَصْفِ الَّذِي بِهِ يُتَّقَى اللَّهُ وَيُقَدِّمُ الْخَيْرَ، وَيَسْتَحِقُّ التَّبْشِيرَ، وَهُوَ الْإِيمَانُ. وَفِي أَمْرِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بِالتَّبْشِيرِ تَأْنِيسٌ عَظِيمٌ وَوَعْدٌ كَرِيمٌ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَلَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ، بَلْ أَتَى بِالظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَى الْوَصْفِ، وَلِكَوْنِهِ مَعَ ذَلِكَ فَصْلَ آيَةٍ.