قوله تعالى :وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)
قال القرطبي :
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ) أَيْ وَاذْكُرْ زَكَرِيَّا. (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً) أَيْ مُنْفَرِدًا لَا وَلَدَ لِي . (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) أَيْ خَيْرُ مَنْ يَبْقَى بَعْدَ كُلِّ مَنْ يَمُوتُ، وَإِنَّمَا قَالَ" وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ" لما تقدم من قوله:" يَرِثُنِي" [مريم: 6] أَيْ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تُضَيِّعُ دِينَكَ وَلَكِنْ لَا تَقْطَعْ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي هِيَ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الدِّينِ عَنْ عَقِبِي .
قال السعدي :
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ أي: خير الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئن به قلبي، وتسكن له نفسي، ويجري في موازيني ثوابه.
قال في اللباب :وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق , وأنه أفضل من بقي حياً.
ويحتمل أن يكون المعنى : إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير الوارثين.
قال أبو السعود :
وَزَكَرِيَّا أي واذكر خبره إِذْ نادى رَبَّهُ وقال : رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً أي وحيداً بلا ولدٍ يرثني وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين فحسبي أنت إن لم ترزُقني وارثاً
قال في البحر المحيط :
قِيلَ: وَذَكَرَ تَعَالَى فِي كَيْفِيَّةِ دُعَائِهِ ثَلَاثَ صِيَغٍ: أَحَدُهُا: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَالثَّانِي: إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي إِلَى آخِرِهِ. وَالثَّالِثُ: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الصِّيَغِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ زَمَانًا. انْتَهَى. وَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعَاءِ، كَمَا قِيلَ: لِأَنَّهُ حَالَةُ الْحِكَايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ فِي قَوْلِهِ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ، وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِسْهَابِ، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ.
وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ إِنَّمَا هِيَ بِالْمَعْنَى، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِسَانُهُمْ عَرَبِيًّا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ وَاحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَفِي قَوْلِهِ: فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ..فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي مريم: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ اعْتِقَابُ التَّبْشِيرِ الدُّعَاءُ لَا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ.
سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا يَرِثُهُ ثُمَّ رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ أَيْ إِنْ لَمْ تَرْزُقْنِي مَنْ يَرِثُنِي فَأَنْتَ خَيْرُ وَارِثٍ،
قال في فتح القدير :
خَيْرُ مَنْ يَبْقَى بَعْدَ كُلِّ مَنْ يَمُوتُ، فَأَنْتَ حَسْبِي إِنْ لَمْ تَرْزُقْنِي وَلَدًا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تُضَيِّعُ دِينَكَ، وَأَنَّهُ سَيَقُومُ بِذَلِكَ مِنْ عِبَادِكَ مَنْ تَخْتَارُهُ لَهُ وَتَرْتَضِيهِ لِلتَّبْلِيغِ .:
قال في التحرير والتنوير :
وَجُمْلَةُ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ثَنَاءٌ لِتَمْهِيدِ الْإِجَابَةِ، أَيْ أَنْتَ الْوَارِثُ الْحَقُّ فَاقْضِ عَلَيَّ مِنْ صِفَتِكَ الْعَلِيَّةِ شَيْئًا. وَقَدْ شَاعَ فِي الْكِتَابِ وَالسُنَّةِ ذِكْرُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عِنْدَ سُؤَالِهِ إِعْطَاءَ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا، كَمَا قَالَ أَيُّوبُ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الْأَنْبِيَاء: 83] ، وَدَلَّ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ الْوَلَدَ لِأَجْلِ أَنْ يَرِثَهُ كَمَا فِي آيَةِ [سُورَةِ مَرْيَمَ: 6] يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. حُذِفَتْ هَاتِهِ الْجُمْلَةُ لِدَلَالَةِ الْمَحْكِيِّ هُنَا عَلَيْهَا. وَالتَّقْدِيرُ: يَرِثُنِي الْإِرْثَ الَّذِي لَا يُدَانِي إِرْثَكَ عِبَادَكَ، أَيْ بَقَاءَ مَا تَرَكُوهُ فِي الدُّنْيَا لِتَصَرُّفِ قُدْرَتِكَ، أَوْ يَرِثُنِي مَالِي وَعِلْمِي وَأَنْتَ تَرِثُ نَفْسِي كُلَّهَا بِالْمَصِيرِ إِلَيْكَ مَصِيرًا أَبَدِيًّا فَإِرْثُكَ خَيْرُ إِرْثٍ لِأَنَّهُ أَشْمَلُ وَأَبْقَى وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فِي تَحَقُّقِ هَذَا الْوَصْفِ.
وقد يكون في المعنى أن الله يحفظ على العبد عمله من بعده وينميه ....ويضاعف له أجوره ... وقد يكون في المعنى إشارة وتنبيه لكل وارث بأن يُحسن إلى من يرثه .