أليس هذا تشكيكا في علم الله؟

أحد أبنائي مقبل على اتخاذ قرار خطير يتوقف عليه مستقبله ، حيث إنه في المرحلة الثانوية قسم علمي ويجب أن يختار :
علمي رياضيات أو علمي علوم.

فأرسلت إليه: أحسن الاختيار، واستعن بالله، واسأله الرشد والرشاد والسداد ، واستخر ، وألح في الاستخارة والدعاء ، ثم اعزم وتوكل عليه.
وأرسلت إليه حديث دعاء صلاة الاستخارة.

فرد عليَّ - وهو ذكي لمَّاح - متسائلا:
في هذا الدعاء قول:
(اللهم إن كنت تعلم) هذا تشكيك في احتمالية معرفة الله وعدم التأكد.
كيف ذلك وهو علام الغيوب؟!

فأجبته:
لفتة ذكية
وسؤال راااااااااااائع يا محمود

قول : (إن كنت تعلم) ليس للشك ولكنه للتفويض ، بمعنى: يا ربي أنا أفوض أمري إلى علمك.

وهذا الأسلوب مشهور في البلاغة العربية وورد في أكثر من حديث لرسول الله .

ومما يؤكد أن (إن كنت تعلم) للتفويض ما جاء في أول الحديث حيث قال:

(اللهم إني أستخيرك بعلمك)
ترك الخيار لله

(وأستقدرك بقدرتك)
ترك قدرته الضعيفة وسلم لقدرة الله .

(فإنك تقدر ولا أقدر)
هذا إقرار بالضعف ولجوء إلى قدرة الله والتفويض والتسليم لها

(وتعلم ولا أعلم)
إقرار بالجهل واللجوء والتفويض لعلم الله.

(وأنت علام الغيوب)
ثقة بالله ويقينا بالله وإيمانا بعلم الله وقدرته.

ومن الأمثلة المشابهة التي وردت في حديث رسول الله ما يلي:

في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الكهف ، قال كل واحد منهم :
(اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا) والحديث صحيح متفق عليه

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" موضحا :
" قوله : ( اللهم إن كنت تعلم ) فيه إشكال ؛ لأن المؤمن يعلم قطعا أن الله يعلم ذلك . وأجيب بأنه تردد في عمله ذلك هل له اعتبار عند الله أم لا ؟ وكأنه قال : إن كان عملي ذلك مقبولا فأجب دعائي " انتهى .

وروى البخاري عن ابْن عُمَرَ قَال:َ
" إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا ... الحديث ، وفيه : (فلما اضْطَجَعْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ خَيْرًا فَأَرِنِي رُؤْيَا) ".

وعلى هذا فإن قول المؤمن المدرك لمعنى ما يقول وما يدعو به (اللهم إن كنت تعلم) ليس شكا في علم الله،
وإنما هو تفويض إلى علم الله وإقرار بالضعف وعدم العلم ، رجاء أن يختار الله له، لأنه يعلم أن اختيار الله له فيه الخير كله.

هذا والله أعلم
د. محمد الجبالي