ابن الوراق ودعوى تلفيق القرآن
إبراهيم عوض
يقابل مستعمل المشباك والمواقع التى تهاجم الإسلام اسم "ابن الوراق" كثيرا، وهو اسم حركى قرأت أن صاحبه مؤلف علمانى ذو أصل هندى من مواليد 1946م، درس فى جامعة أدنبرة فى بريطانيا على يد المستشرق مونتجمرى واط المشهور، وله عدة كتب تحدث فيها مشككا عن أصل القرآن وحياة النبى محمد وداعيا إلى نشر العلمانية فى أوساط المسلمين، ومنها كتابٌ اسمه "لماذا لست مسلما؟" عنوان أول فصل فيه هو "مصادر الإسلام"، وهو الفصل الذى يشكك فيه ابن الوراق فى إلهية المصدر القرآنى ويزعم، فيما يزعم، أنه مستمد من التشريعات الجاهلية واليهودية والنصرانية والزرادشتية. وسوف أنقل من الفصل المذكور النصوص التى تتناول ذلك الموضوع نصا بعد نص، مُتْبِعًا كلَّ نص منها برَدِّى عليه. وقد اعتمدت بالدرجة الأولى على ترجمة كلام ابن الوراق، التى قام بها من سمى نفسه: "ابن المقفع"، وهى متاحة على بعض المواقع المشباكية، وإن كنت قد أصلحت بعض الأخطاء الإملائية واللغوية وقومت عوج الأسلوب.
يقول ابن الوراق: "ليس هنالك من شك أنه فى فقرات عديدة من القرآن "يكسو الطلاء الإسلامى بصورة رقيقة فقط أرضيةً وثنيةً". فعلى سبيل المثال فى سورة "الفلق": بسم الله الرحمن الرحيم * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَق * وََمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَد * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ".
هذا كلام ابن الوراق، ولكن أين الوثنية فى السورة؟ لقد أمر القرآنُ النبىَّ محمدا عليه الصلاة والسلام فى هذا النص الكريم بالاستعاذة بالله . فهل الاستعاذة بالله وثنية؟ فما التوحيد إذن؟ أهو فى الاستعاذة بالبشر وعبادتهم وإشراكهم مع الله سبحانه بل تقديمهم فى الاهتمام عليه كما يفعل ناس من غير المسلمين؟ أم هل هو فى الاستعاذة بالأصنام أو بالكواكب مثلا؟ واضح أن الكاتب يتحدث بلامبالاة متصورا أن هذا السخف التافه يمكن أن يدخل عقول المسلمين.
فهذا عن المستعاذ به، وهو الله ، فماذا فى المستعاذ منه فى الآيات الكريمات من وثنية؟ لقد أُمِر الرسول بالاستعاذة من الشر الموجود فى الدنيا. فهل فى الاستعاذة من الشر وثنية؟ هل يريد منا ابن الوراق أن نستعيذ بالله من الخير ونستكثر من الشر؟ والله إن هذا لعجيب! كما أُمِر نبينا بالاستعاذة من الغاسق عند وُقُوبِه، أى من الظلام عندما يلف الكونَ ولا تعود الرؤية ممكنة. فماذا من الوثنية فى ذلك؟ بطبيعة الحال حين ينام الإنسان فإنه يطفئ النور عادة. كما قد يحب المحزون أن يختلى بنفسه فى الظلام حتى تهدأ أعصابه ويجمع شتات نفسه. لكن هذا ليس هو المقصود لأنه لا شر فيه بل الخير كل الخير. إنما الاستعاذة هنا من أخطار الظلام كأن يقع الإنسان فى بئر أو حفرة أو تنزلق قدمه على قشرة موز مثلا لا يستطيع أن يراها فتكون الطامّة، وقد يموت فيها، وما أكثر ما يحدث هذا. ومعروف أن حوادث السيارات تكثر فى الظلام وتقلّ فى وضح النهار. كما قد يتربص بالواحد منا عدو له فى الظلام ليضربه أو يقتله، فلا نستطيع أن نفعل إزاءه شيئا لأن الظلام يستره عنها، فيأتى عدوانه علينا مباغتا لا يمكننا اتقاؤه. والملاحظ أن اللصوص عادة ما يمارسون نشاطهم فى الظلام، فهم أيضا داخلون فى المستعاذ منه. بل إننا نتكلف مالا فى الظلام لا نتكلفه بالنهار، إذ علينا إضاءة المصابيح، والإضاءة لها كلفتها، بينما أنت تمارس حياتك فى ضوء الشمس نهارا دون أن تدفع فى مقابل ذلك النور الربانى الباهر مليما واحدا... وهكذا. فهل يصح أن يعترض الكاتب الجاهل على هذا؟
أما النفاثات فى العقد فيفسرها محمد عبده بالنمامين والنمامات، الذين يفسدون العلاقات الطيبة بين الناس. وقد شبههم الله، كما يقول، بالسحرة المشعوذين الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه فيما يوهمون به العامة عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحَلُّوها ليكون ذلك حَلًّا للعقدة التى بين الزوجين. ثم يضيف قائلا إن النميمة تشبه أن تكون لونا من ألوان السحر لأنها تحوّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بوسيلة خفية كاذبة، وتضلل وجدان الصَّدِيقَيْن كما يضلل الليلُ من يسير فى ظلمته. وعلى هذا فأين الوثنية هنا؟
وحتى لو أخذنا الآية على الحقيقة وقلنا إنها تتحدث عن نساء ينفثن فى العُقَد فعلا فهل فيها ما يدل على وثنية؟ ما أكثر ما يهددنا مهدِّدٌ بأنه سوف يفعل فينا كذا وكذا ويخرب بيتنا بكذا وكذا أو أنه سوف يدمرنا ويقضى علينا، فلا يزيد الواحد منا فى تلك الحالة عن أن يقول على سبيل الاستهانة بما يسمع من تهديدات: "وأنا أستعيذ بالله منك ومن تهديداتك يا فلان!" دون أن نكون مصدقين شيئا من تلك التهديدات، لكنها وسيلة لإخراس المهدد وإفهامه أننا لا نأكل من قعقعاته هذه ولا نبالى بها ولا نصدقها. أما أن يكون وراء الآية فعلا اعتقاد بالنفث فى العقد فغير مقبول عندى بتاتا، فالنبى قد حذر المسلمين مرارا وتكرارا من هذه الخرافات حتى لقد جعل من يذهب إلى ساحر أو عراف يستعين به كافرا بما أُنْزِل عليه. وفى كل الأحوال فالآية تأمر المؤمن بالاستعاذة بربه والاحتماء به سبحانه. وهذا من أقوى ضروب التوحيد، إذ معناه أن الله بيده كل شىء. والعبد لله يفسر الآية بأن المسلم لا ينبغى أن يشغل باله بما يقال عن النفاثات فى العقد أو يعتقد فيه أصلا، بل يعتصم من كل أذى بالله، الذى لا يضر المعتصمَ به شىء فى الأرض ولا فى السماء. وبهذا يحسم المسألة ويئدها فى مهدها ويبيت خالى البال دون قلق أو إزعاج.
وتبقى الاستعاذة بالله من الحاسد وحسده. وكم للحسد وصاحبه من شرور وأضرار. ذلك أنه حين تدب عقارب الحسد فى نفس الحاسد فإنها تظل تلدغه فلا يهدأ له بال ولا يستقر به قرار حتى يُفْرِغ سم حسده فى المحسود. وما أكثر السبل لإفراغ ذلك السم: إما بنشر الشائعات التى تشوه صورته وسيرته، وإما برسم الخطط لإيذائه وإضراره كوضع السم مثلا فى طعامه، أو تنويمه بدواء منوم حتى يفوته الامتحان إذا كان طالبا متفوقا، وإما بإحراق سيارته إذا كان قد اشترى سيارة جديدة، وإما بالنَّمِّ بينه وبين رئيسه حتى يعاقبه ويخسف به وظيفته، وإما بإبلاغ السلطات زورا وبهتانا بأنه من أعدائها الذين يتربصون بها شرا فتعتقله وترمى به فى السجن. وكم دفع الحسد ضَرَّةً لا تحمل ولا تنجب إلى قتل ابن ضرتها حسدا منها لها. وكم سرقت الحاسدة ابن امرأة أخرى ذات أولاد حقدا منها عليها ورغبة فى أن يكون لها هى أيضا ولد كما للأخريات... إلخ إن كان لذلك من آخر. وكما يرى القارئ لا يوجد أى ظل للوثنية هنا على الإطلاق، وكلام ابن الوراق تضليل فى تضليل.
ويقول ابن الوراق بعد ذلك: "اقتُبِسَتْ مناسك الحج كلها دون خجل من ممارسات سابقة على الإسلام: "قطعة من وثنية غير مفهومة أُخِذَتْ وأُدْمِجَتْ فى الإسلام. فالحج أو الحج الأكبر إلى مكة يقام ‏فى شهر ذى الحجة, أو الشهر الثانى عشر من السنة الإسلامية. وهو الركن الخامس من الإسلام, وواجب دينى مفروض مؤسَّس على أوامر فى القرآن. فعلى كل مسلم ذى صحة جيدة ومتمكن بصورة كافية أن يؤدى فريضة الحج مرة فى حياته. وتشكل أول سبعة أيامٍ الحجَّ الأصغر (العمرة)، التى من الممكن إقامتها فى أى وقت عدا الأيام الثامن والتاسع والعشر من شهر ذى الحجة. فهذه الأيام مخصصة للحج الأكبر , الذى يبدأ فى الثامن.
الأيام الخمسة الأولى: فى البداية عندما يصل الحاج إلى نقطة على بعد عدة أميال خارج مكة يقوم بإعداد نفسه لكى يكون فى حالة من الطهارة أو القداسة. وبعد أن يقوم بارتداء لباس الحج البسيط ويؤدى الوضوء والصلاة يدخل الحاج إلى الأراضى المقدسة المجاورة لمكة حيث من المتوقع أن يمتنع عن قتل الحيوانات وقلع النباتات والقيام بأعمال عنف والاتصال الجنسى. كما يقوم بالوضوء والابتهال عند المسجد الحرام بمكة. وبالمثل يقبّل الحجر الأسود الموجود داخل الركن الشرقى من الكعبة، وهى بناء مكعَّب فى داخل الفناء المكشوف بالمسجد الحرام.
بعد ذلك يلتفت الحاج إلى اليمين ويقوم بالطواف حول الكعبة سبع مرّات: ثلاث مرات بخطى سريعة، وأربع مرات بخطى بطيئة. وفى كل مرة يقوم بلمس الركن اليمانى حيث موضع حجرٍ مباركٍ آخر، ويقبّل الحجر الأسود أيضا.
ثم يتجه الحاج إلى مقام إبراهيم, وهو المكان الذى يقال إن إبراهيم صلى فيه إلى الكعبة. ويقوم بصلاتين أخريين ثم يعود إلى الحجر الأسود ليقبله. وبالقرب من ذلك توجد بئر زمزم المقدسة حيث شربت هاجر وشرب ابنها إسماعيل فى البَرِّيَّة حسب الروايات الإسلامية. ثم ينتقل الحجيج إلى مكان محاط يسمى بـ"الحجر", وهو المكان الذى يعتقد المسلمون أن هاجر وإسماعيل دفنا فيه, ويقال إن محمدا نفسه قد نام هناك فى ليلة إسرائه الأعاجيبى من مكة إلى القدس.
اليوم السادس إلى العاشر: يغادر الحاج المسجد الحرام من إحدى بواباته الأربع والعشرين. وفى الخارج يقوم بتسلق التل قليل الانحدار المعروف بـ"جبل الصفا", مرددا خلال ذلك آيات من القرآن. وهذه المناسك السخيفة تذكر ببحث هاجر المفترض عن الماء فى البرية. وهذا هو اليوم السادس من الحج. ويتم قضاء المساء فى مكة حيث يقوم الحاج بالطواف حول الكعبة مرة أخرى. وفى اليوم السابع يقوم الحاج بالاستماع إلى خطبة فى المسجد الكبير. أما فى اليوم الثامن فينتقل إلى مِنًى حيث يقوم بالفروض الإسلامية المعتادة ويبيت هناك. وفى اليوم التاسع، وبعد صلاة الفجر, ينتقل الحاج إلى جبل عرفة حيث يقام منسك الوقوف بعرفة. وطبقا للروايات الإسلامية فقد التقى آدم وحواء فى ذلك الموضع بعد هبوطهما من الجنة. وهناك يردد الحاج الصلوات المعتادة ويستمع إلى خطبة أخرى موضوعها التوبة. ثم يفيض إلى مزدلفة, وهى موضع بين منى وعرفة, حيث يؤدى صلاة المغرب.
ونصل إلى اليوم العاشر, وهو يوم الأضحية, ويحتفل به فى أرجاء العالم الإسلامى كعيد الأضحى. وفيه يؤدى المتعبدون صلواتهم مبكرا فى الصباح فى مزدلفة ثم ينتقلون إلى مواضع الرجم الثلاثة فى منى حيث يرمى الحاج سبع حصيات على كل موضع من مواضع الرجم. ويسمَّى هذا الطقس: رمى الجمار. وفيه يرمى الحاج عن بعد لا يقل عن خمسة عشر قدما قائلا: "بسم الله العظيم أفعل هذا، وبكره لإبليس وخزيه". ثم ترمى بقية الجمرات فى نفس اليوم، ليعود الحاج ويقوم بالتضحية بعنزة أو حَمَل. وبعد الوليمة يحتفل الحاج بطقس التحلل عندما يقوم الكثير من الحجيج بحلق رؤوسهم أو ببساطة: يقومون بقص بضع خُصُلات.
ويضفى المسلمون صبغة منطقية على هذه الخرافات العملية بوصفها رمزا لمقاومة إبراهيم لإبليس, الذى حاول أن يمنع السلف العظيم من أداء مهمته الإلهية فى التضحية بابنه الغالى إسماعيل. فالتضحية بحمل أو عنزة هى ببساطة إحياء لذكرى فداء إسماعيل بكبش.
ترى كيف أمكن لشخصٍ مقاومٍ للوثنية وموحدٍ لا يلين فى موقفه مثل محمد أن يُدْخِل كل هذه الخرافات الوثنية إلى قلب الإسلام؟ معظم المؤرخين يوافقون على أنه لو رفض اليهود والمسيحيون موسى ويسوع وفضلوا اتِّباع محمد على أنه نبى يدعو إلى ديانة إبراهيم فى مكة حين اعتبر القدس هى القبلة لكانت القدس هى القبلة بدلا من مكة المدينة المقدّسة, ولكانت الصخرة القديمة وليست الكعبة موضع التوقير الملىء بالخرافة".
هذا ما قاله ابن الوراق، والسؤال هنا أيضا: أين الوثنية فى هذا؟ نعم أين الوثنية فى الاغتسال وطرح الملابس العادية واستبدال ملابس بسيطة غير مخيطة بها أو فى تكرار الابتهال إلى الله أو فى الطواف حول الكعبة أو فى السعى بين الصفا والمروة أو فى الوقوف بعرفة أو فى المبيت بمزدلفة أو فى رمى الجمار أو فى قص الشعر أو فى الامتناع عن قتل الحيوانات وخلع الأشجار فى الحرم وممارسة الجنس؟ كان يكون كلام هذا الجاهل مفهوما لو أن المسلمين كانوا يعبدون الأوثان ويبتهلون إليها ويقدمون القرابين لها ويتمسحون بها ويستعيذون من الشرور المتوهمة أو الحقيقية ببركتها أو كانوا يطوفون بالكعبة عرايا أو ينصبون حول الكعبة أصناما يدورون حولها أو يعتقدون أن فى الحجر الأسود قوة سحرية أو يسجدون له أو يدعونه أو يصفرون أو يصفقون فى صلاتهم عند البيت الحرام. لكنهم لم يكونوا يصنعون أى شىء من هذا، بل يفعلون نقيضه تماما، إذ كل ما يقولون أو يعملون إنما هو تعبير عن إيمانهم بالله، وبالله وحده. وما رميهم الجمار سوى فعل رمزى يؤكدون به بقاءهم على العهد فى الالتزام بعمل الخير وتجنب الشر وإصرارهم على مراغمة الشيطان وعدم تركهم أية ثغرة يمكن أن ينفذ من خلالها إلى نفوسهم وضمائرهم. وأما الملبس البسيط الساذج فإقرار بأن مفاتن الدنيا زائلة وأن البشر كلهم من أصل واحد، فها هم أولاء جميعا يلبسون ملبسا واحدا لا تفاضل فيه بين حاج وآخر. والكعبة، بحمد الله، تخلو تماما من أى شىء يمكن أن تكون له صلة بالاعتقادات الوثنية، فلا تماثيل ولا صور، بل تجريد تام يعبر عن كمال التوحيد وتأصله فى النفس المسلمة. كما أن الامتناع عن قتل الحيوان وخلع الأشجار هو لون من ألوان الحفاظ على البيئة. وقد لفتت الآيات والأحاديث النبوية التى تتناول هذا الموضوع وما يتعلق به انتباه المستشرقة الهولندية فرانشيسكا دى شاتِلْ فانخرطت فى وصلة مديح وثناء مستحَقَّة على النبى محمد مؤكدة بأنه رائد الحفاظ على البيئة فى التاريخ الإنسانى.
وإذا كان الضد يُظْهِر حسنَه الضدُّ فينبغى أن نورد هنا بعض ممارسات المشركين قبل الإسلام حتى يتضح التقدم الراقى والرائع الذى أنجزه الإسلام فى هذا الصدد. ففى "الروض الأُنُف" للسهيلى نقرأ: "ذكر ما أنزل الله تعالى فى أمر الحُمْس، وهو قوله تعالى: "يا بنى آدمَ خُذُوا زينَتكم عند كلِّ مَسْجِد وكلوا واشْربوا"... الآية. فقوله: "وكلوا واشربوا" إشارة إلى ما كانت الحمس حَرَّمَتْه من طعام الحج إلا طعام أحمس. و"خذوا زينتكم": يعنى اللباس، ولا تَتَعَرَّوْا. ولذلك افتتح بقوله: "يا بنى آدم" بعد أن قص خبر آدم وزوجه، إذ يخصفان عليهما من ورق الجنة. أى "إن كنتم تحتجون بأنه دين آبائكم فآدم أبوكم، ودينه ستر العورة"، كما قال: "ملة أبيكم إبراهيم". أى إن كانت عبادة الأصنام دين آبائكم فإبراهيم أبوكم، ولم يكن من المشركين. ومما نزل فى ذلك: "وما كان صلاتُهم عند البيت إلا مُكَاءً وتَصْدِيةً". ففى التفسير أنهم كانوا يطوفون عراة، ويصفقون بأيديهم ويصفرون. فالمكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق... ومما نزل من أمر الحمس: "وليس البِرُّ بأنْ تَأتُوا البيوتَ من ظُهُورها". لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها. فإن احتاج أحدهم إلى حاجة فى داره تَسَنَّم البيت من ظهره، ولم يدخل من الباب، فقال الله سبحانه: وأْتُوا البيوتَ من أبوابِها واتَّقوا اللّه لَعلكم تُفْلِحون".
وفى "البداية والنهاية" لابن كثير: "ذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه فى تسميتهم: الحمس، وهو الشدة فى الدين والصلابة. وذلك لأنهم عظموا الحَرَم تعظيمًا زائدًا بحيث التزموا بسببه ألا يخرجوا منه ليلة عرفة. وكانوا يقولون: "نحن أبناء الحرم وقُطَّان بيت الله". فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم حتى لا يخرجوا عن نظامِ ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة. وكانوا لا يدّخرون من اللبن أَقِطًا ولا سمنًا، ولا يَسْلُون شحمًا وهم حُرُم، ولا يدخلون بيتًا من شعر ولا يستظلون إن استظلوا إلا ببيت من أَدَم. وكانوا يمنعون الحجيج والعُمَّار، ما داموا محرمين، أن يأكلوا إلا من طعام قريش ولا يطوفوا إلا فى ثياب قريش. فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس، وهم قريش وما ولدوا ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة، طاف عريانًا ولو كانت امرأة. ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول:
اليومَ يبدو بعضُه أو كُلُّهُ
وبعد هذا اليوم لا أُحِلُّهُ

فإن تكرم أحد ممن يجد ثوب أحمسى فطاف فى ثياب نفسه، فعليه إذا فرغ من الطواف أن يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك، وليس له ولا لغيره أن يمسَّها. وكانت العرب تسمى تلك الثياب: اللُّقَي... فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدًا وأنزل عليه القرآن ردًّا عليهم فيما ابتدعوه. فقال تعالى: "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ" أى: جمهور العرب من عرفات... وقد قدَّمنا أن رسول الله كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توقيفًا من الله له. وأنزل الله عليه ردًّا عليهم فيما كانوا حَرَّموا من اللباس والطعام على الناس: "يَا بَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ...". وقال زياد البكائى عن ابن إسحاق: ولا أدرى أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده".
وفى "البداية والنهاية" أيضا لابن كثير أن "رسول الله دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم مصورًا فى يده الأزلام يستقسم بها، فقال: "قاتلهم الله! جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام؟ "ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين". ثم أمر بتلك الصور كلها فطُمِسَت. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان: أنبا عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن أبى الزبير عن جابر قال: كان فى الكعبة صُوَرٌ، فأمر رسول الله أن يمحوها، فبَلَّ عمر ثوبًا ومحاها به، فدخلها رسول الله وما فيها منها شىء. وقال البخارى: حدثنا صدقة بن الفضل: ثنا ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن أبى معمر عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: دخل رسول الله مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلثمائة نُصُب، فجعل يطعنها بعُودٍ فى يده ويقول: "جاء الحق وزَهَقَ الباطلُ. جاء الحق وما يُبْدِئُ الباطلُ وما يُعِيد". وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة. وروى البيهقى عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه، قال: دخل رسول الله يوم الفتح مكة، وعلى الكعبة ثلثمائة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوى به إلى الصنم، وهو يهوى حتى مر عليها كلها. ثم يروى من طريق سويد بن سعيد عن القاسم بن عبد الله عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله لما دخل مكة وجد بها ثلثمائة وستين صنمًا فأشار إلى كل صنم بعصا، وقال: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا". فكان لا يشير إلى صنم إلا ويسقط من غير أن يمسّه بعصاه. ثم قال: وهذا الإسناد، وإن كان ضعيفًا، فالذى قبله يؤكده. وقال حنبل بن إسحاق: أنبا أبو الربيع عن يعقوب القمى: ثنا جعفر بن أبى المغيرة عن ابن أبزى، قال: لما افتتح رسول الله مكة جاءت عجوز شمطاء حبشية تخمش وجهها، وتدعو بالويل، فقال رسول الله : "تلك نائلة، أَيِسَتْ أن تعبد ببلدكم هذا أبدًا". وقال ابن هشام: حدثنى من أثق به من أهل الرواية فى إسناد له عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه قال: دخل رسول الله مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبى يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زَهُوقًا"، فما أشار إلى صنم فى وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعى:
وفى الأصنام معتبَرٌ وعِلْمٌ
لمن يرجو الثواب أو العقابا ‏

وفى صحيح مسلم: عن سنان بن فروخ عن سليمان عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبى هريرة فى حديث فتح مكة قال: وأقبل رسول الله حتى أقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، وفى يد رسول الله قوس وهو آخذ بسِيَتِها. فلما أتى على الصنم فجعل يطعن فى عينه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقًا". فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فَعَلَا عليه حتى نظر إلى البيت فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. وقال البخارى: ثنا إسحاق بن منصور: ثنا عبد الصمد: ثنا أبى: ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخْرِجَتْ، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل ، وفى أيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم الله! لقد علموا ما استقسما بها قَطّ". ثم دخل البيت فكبر فى نواحى البيت وخرج ولم يصلِّ. تفرد به البخارى دون مسلم. وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد: ثنا همام: ثنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله دخل الكعبة وفيها سِتُّ سَوَارٍ، فقام إلى كل سارية ودعا ولم يصل فيه. ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بن يحيى العوذى عن عطاء به. وقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف: ثنا ابن وهب: أخبرنى عمرو بن الحارث أن بكيرًا حدثه عن كريب عن ابن عباس أن رسول الله حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة. هذا إبراهيم مصوَّرًا، فما باله يستقسم؟".
وفيه كذلك: "بَعْث خالد بن الوليد لهدم العزى: قال ابن جرير: وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ. قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت بيتًا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سَدَنَتُها وحُجَّابُها من بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم. فلما سمع حاجبها السلمى بمسير خالد بن الوليد إليها علق سيفه عليها، ثم اشتد فى الجبل الذى هى فيه وهو يقول:
أيا عُزّ، شُدِّى شدةً لا شَوَى لها
على خالد أَلْقِى القناع ‏وشَمِّرى ‏
أيا عز، إن لم تقتلى المرء خالدًا
فبُوئى بإثمٍ عاجلٍ أو تَنَصَّرى ‏

قال: فلما انتهى خالد إليها هدمها ثم رجع إلى رسول الله . وقد روى الواقدى وغيره أنه لما قدمها خالد لخَمْسٍ بَقِينَ من رمضان فهدمها ورجع، فأخبر رسول الله فقال: "ما رأيت؟" قال: لم أر شيئًا. فأمره بالرجوع. فلما رجع خرجت إليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول، فعلاها بالسيف وجعل يقول:
يا عُزَّ، كُفْرانَك لا سبحانك
إنى رأيت الله قد أهانك ‏

ثم خرَّب ذلك البيت الذى كانت فيه، وأخذ ما كان فيه من الأموال رضى الله عنه وأرضاه، ثم رجع فأخبر رسول الله فقال: "تلك العزى، ولا تُعْبَد أبدًا". وقال البيهقى: أنبا محمد بن أبى بكر الفقيه: أنبا محمد بن أبى جعفر: أنبا أحمد بن على: ثنا أبو كريب عن ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبى الطفيل قال: لما فتح رسول الله مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها وكانت على ثلاث سَمُرَات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذى كان عليها، ثم أتى رسول الله فأخبره، فقال: "ارجع، فإنك لم تصنع شيئًا"، فرجع خالد. فلما نظرت إليه السَّدَنة، وهم حجابها، أمعنوا هربًا فى الجبل وهم يقولون: يا عزى، خَبِّليه! يا عزى، عَوَِّريه! وإلا فموتى برغم. قال: فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها ووجهها، فعمَّمها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبى فأخبره فقال: تلك العزى".
فكيف بالله يصح أن يُتَّهَم الإسلام بأنه استعار بعض تشريعاته من الوثنية، وهذا موقفه منها ومن الأوثان والاعتقاد فيها وحرصه على التخلص تماما منها فى أية صورة وعلى أى وضع وتدقيقه فى ذلك غاية التدقيق؟ وهل استفز المشركين منه سوى كراهيته لوثنيتهم ودعوته إياهم إلى التخلص منها؟ فكيف بعد هذا كله يقول ابن الوراق وأشباهه المرضى القلوب ما يقولونه فى حقه وفى حق الكتاب المجيد الذى أتى به؟
ويقول ابن الوراق بعد ذلك: "استقبل محمد، وهو محبط من عناد اليهود, الذين يعرف أنه لا توجد سوى فرصة ضئيلة يقبلونه فيها كنبى لهم جديد, استقبل أمرا يخبره بتحويل القبلة (سورة البقرة/ 144) من القدس إلى الكعبة بمكة. وقد علم أن هنالك فرصة لا بأس بها فى السيطرة مستقبلا على مكة بكل متعلقاتها التاريخية".
يريد ابن الوراق أن يقول إن تشريعات محمد خاضعة لمشاعره ومواقفه وآماله وإحباطاته ومسراته وأحزانه، ومنها تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. والمعروف أنه كان، وهو فى مكة، يولى وجهه ناحية القدس منذ بدأت الصلاة فى الإسلام، إذ كان يقف قبالة الكعبة وهو متجه ناحية الشمال بحيث تكون قبلته الكعبة وبيت المقدس جميعا. ولكنْ منذ هاجر إلى المدينة لم يستطع الجمع بين القبلتين فى ذات الوقت، فكان يتجه إلى بيت المقدس حسبما تقول الروايات، وهو فى أثناء ذلك يتطلع إلى أن يسمح الله له بالاتجاه فى صلاته إلى الكعبة المشرفة، وهو ما نزلت به آيات سورة "البقرة" التى يستشهد بها الكاتب.
أما أن النبى كان يعلق آمالا على اليهود فى اعتناق دينه فطبيعى أن يحب كل صاحب دعوة أن يؤمن الناس جميعا على بكرة أبيهم بدعوته. وليس الرسول ببِدْعٍ فى ذلك. لكن شواهد الحال كانت تدل على أن مسارعة اليهود إلى قبول دعوته أمر مستبعد. فهم مثلا لم يفدوا عليه فى مكة مع اليثربيين حين اتفقوا معه على هجرته إلى بلادهم حيث بشروه بأنه سوف يُسْتَقْبَل هناك استقبالا كريما ويدخل الناس دينه ويدافعون عنه وعن دعوته. كما أن آيات القرآن التى نزلت طوال العهد المكى فى بنى إسرائيل لم تكن فى صالحهم، بل فضحت نفاقهم وكفرهم وعنادهم وتصلب رقبتهم واستعدادهم فى أية لحظة للانقلاب على ما يؤمنون به. وآيات سورة "الأعراف" و"يونس" و"طه" مثلا أكبر دليل على ذلك. ولو كان هو مخترع القرآن فلِمَ هاجمهم منذ ذلك الوقت المبكر الذى لم يكن قد رأى منهم ما يزعجه بل لم يكن قد رآهم بعدُ أصلا؟ لقد كان المنتظر حينئذ أن يتودد إليهم أو على أقل تقدير: أن يسكت فلا يعيبهم ولا يكشف خباياهم ومخازيهم. ولقد كان أول تعليق له على ممارسات اليهود الدينية بعد وصوله إلى المدينة ومشاهدته لهم وهو يصومون عاشوراء أنه والمسلمين أولى منهم بصيام ذلك اليوم. أى أن موسى أقرب إلى المسلمين منه إلى يهود.
ويقول ابن الوراق أيضا: "فى العام السادس للهجرة حاول محمد أن يدخل مكة مع أتباعه، لكنه فشل. لقد التقى المكّيون والمدنيون فى الحديبية على حدود المنطقة المقدسة، وبعد الكثير من المفاوضات وافق المسلمون على العودة إلى المدينة بعدما أُعْطُوا الإذن لممارسة المنسك فى مكة فى العام المقبل. ثم أتى محمد مع الكثير من أتباعه إلى مكة فى العام السابع للهجرة وقام بالطواف حول الكعبة مقبِّلا الحجر الأسود كجزء من الطقوس.
ثم احْتُلَّتْ مكة من قِبَل محمد وأتباعه فى العام اللاحق, وهو العام الثامن للهجرة. وفى البداية انضم المسلمون فى موسم الحج إلى غير المؤمنين من العرب, ولكنْ بدون وجود النبى نفسه بينهم. ثم بعد ذلك بقليل أعلن وحى من الله أن كل الاتفاقيات بين المسلمين وغير المؤمنين يجب أن تنقض, وألا أحد غير المؤمنين الحقيقيين يسمح له أن يصل إلى مكة أو أن ينضم إلى موسم الحج.
و أخيرا نقتبس من زويمر: فى السنة العاشرة للهجرة أدى محمد مناسك الحج إلى مكة, بناء آبائه المقدس القديم, وأصبحت كل تفصيلة غير قائمة على دليل من تفاصيل الفرض الذى أداه مسألة من صلب الإسلام. وكما يقول ولهاوسن كانت النتيجة أنْ صارت لدينا الآن محطات لمسيرة فى طريق الآلام بدون تاريخ الآلام نفسه. فالممارسات الوثنية تفسَّر بواسطة اختراع أساطير إسلامية منسوبة إلى شخصيات كتابية. وكل هذا خليط غير مفهوم من الروايات الخيالية".
والواقع أن هذا الكلام ينقض ما قيل من أن رسول الله استمد عبادته وشريعته، ضمن ما استمدها، من الوثنية. فها هم أولاء الوثنيون بعد كل تلك الأعوام التى تقرب من العشرين ما زالوا يرون دينه معاديا لدينهم، ووحدانيته مناقضة لشركهم، وإلا فلم كل ذلك التعنت معه والحرص على منعه من الوصول إلى البيت الحرام فى الحديبية؟ بل لقد أكد اليهود لهم كاذبين، فى زورة من زورات قادتهم إلى مكة بغية إضافة أحطاب جديدة إلى نيران حقدهم عليه أيام احتدام الصراع الحربى بين المدينة وأم القرى، أن وثنيتهم خير من التوحيد الذى جاءهم به. ترى لو كان محمد قد استعار دينه من الوثنية أكان اليهود يقارنون دينه بتلك الوثنية ويفضلونها عليه؟ لماذا وهو مأخوذ منها؟ بل أكان المشركون يرفضون دينه بكل هذا الإصرار واللَّدَد؟
وعلى هذا الأساس ننقل كلام ابن الوراق وما أورده من كلام نولدكه ومرجليوث وشبرنجر وغيرهم من المستشرقين، ننقله دليلا على السخف والتهافت الذى يتعامل به هذا الصنف من المنتسبين إلى العلماء يظنون أنهم بهذا يستطيعون أن يغطوا بجلبتهم على الحقائق الساطعة، إذ حتى لو كان كل ما سنقرؤه من نولدكه صحيحا فيكفى أن محمدا قد حول كل ذلك تحويلا جذريا وأفرغه من مضامينه الوثنية تمام الإفراغ وجعله تعبيرا عن التوحيد فى أنقى صوره. وهذا لو كان ما قاله المستشرق الألمانى صحيحا، وهو بكل يقين غير صحيح، إذ الحج جزء من ديانة إبراهيم التوحيدية، لكن بمرور الأيام والسنين والقرون ارتكس العرب فى حمأة الشرك والخرافات وعبادة الأوثان، فأدخلوا على هذه الشعيرة تحريفات متعددة كما حدث فى بعض الأديان الأخرى من تحريف وتشويه ونسيان واستبدال وما إلى ذلك، إلى أن أتى محمد بدينه فأعاد الأمور إلى ما كانت عليه ونفى الخَبَث الفاسد وأبقى الذهب الصالح، فعاد إلى الدين سطوعه، وإلى الحج بريقه الأصلى القديم. وهذا ما كان.
"قال نولدكه: "يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة بأن محمدا أدخل إلى دينه عددا من الممارسات والاعتقادات الوثنية مع تعديل بسيط أو بدون أى تعديل, وأن بقايا الوثنية المختلفة أيضا والدخيلة على الإسلام السنّي, قد احتفظ بها العرب إلى عصرنا هذا. ومن المسائل المعتاد ملاحظتها بناء إيمان جديد لا يحول بطريقة كاملة المعتقدات الشعبية, وبقاء المفاهيم القديمة, متنكرةً بحملها مسميات مختلفة نوعا ما, بـ أو بلا تشريع من السلطات الدينية" عادةً.
ومما يمكن إضافته أن محمدا ألصق بالحج الإسلامى بصورة بارعة عدة طقوس كانت قبلا تتم بصورة مستقلة تماما فى مقامات مقدسة وأماكن أخرى. كان المجتمع السابق على الإسلام فى الجزيرة العربية منظما حول القبيلة, وكان لكل قبيلة معبودها الرئيسى الذى كان يُعْبَد فى مقام ثابت حتى من قِبَل البدو المرتحلين. وكان المعبود يستقر فى صخرة، ولم تكن هذه الصخرة بالضرورة منحوتة فى شكل آدمى. وفى بعض الأحيان كانت الصخرة المقدسة تمثالا، بينما كانت فى أحيان أخرى ببساطة جلمودا كبيرا أو تشبه شكل الإنسان. ومن الواضح أن العرب الوثنيين تخيلوا أن كتلة الصخر التى تقوم مقام الطوطم (صخرة أو شجرة أو جبل يعتقد أن الإله حل فيه) قد تخللتها الطاقة الإلهية. وهكذا فهى مصدر للتأثير الإلهي.
أسماء التَّلَّيْن: الصفا والمروة يعنيان صخرة أى وثنا. وكان الوثنيون يركضون بين التلّين لكى يلمسوا ويقبّلوا إسافا ونائلة. وقد وضعت الأصنام هناك كوسيلة لاجتلاب الحظ والسعد.
الحجر الأسود المقدّس وهُبَل: لدينا الدليل على أن الحجر الأسود كان يعبد فى مختلف أجزاء الجزيرة العربية. فعلى سبيل المثال يذكر كليمنضوس الإسكندرانى عام 190 للميلاد أن "العرب يعبدون حجرا"، مُلْمِحًا إلى الحجر الأسود لذى الشرى (ذو الشرى هو الإله القومى للأنباط) فى البتراء. وكتب ماكسيموس تيريوس Maximus Tyrius فى القرن الثانى قائلا: "سكان العربية يتوجهون بالعبادة إلى ما لا أعرف أى اله هو, ويرمزون إليه بحجر مكعب". وهو يلمح بذلك إلى الكعبة التى تحتوى على الحجر الأسود. وتشهد لقِدَم الحجر الأسود الكبير أيضا معرفتنا أن الفرس القدامى يدعون أن ماهاباد وخلفاءه تركوا الحجر الأسود فى الكعبة بالإضافة إلى آثار وصور أخرى, وأن الحجر يرمز إلى زحل. وفى جوار مكة توجد حجارة مقدسة أخرى كانت فى البداية طواطم, "لكنها اكتسبت شخصية محمدية (إسلامية) سطحية بجعلها ذات علاقة بشخصية مقدّسة معينة".
ومن المؤكد أن الحجر الأسود نفسه نيزك وأنه يدين بقدسيته بلا شك إلى كونه قد سقط من "السماء". ومن سخرية القدر أن المسلمين يقدسون قطعة من الحجر باعتبارها أعطيت لإسماعيل من قِبَل الملاك جبريل ليبنى الكعبة عِلْمًا, كما يقول مارغوليوث Margoliouth، بأن "الحجر مشكوك فى أصالته, وذلك أن الحجر الأسود قد رُفِع من مكانه على يد القرامطة فى القرن الرابع للهجرة, وأعيد من قِبَلهم بعد ذلك بعدة سنين. ومن الممكن أن يشك المرء فى أن الحجر الذى أعادوه هو نفس الحجر الذى رفعوه من مكانه".
وكان هُبَل يُعْبَد فى مكة، وهو صنم مصنوع من العقيق الأحمر منتصب داخل الكعبة فوق البئر الجاف الذى يلقى فيه المرء تقدمات نذرية. ومما يحتمل بشدة أنه كان لهبل شكل بشرى. ويفهم من موقع انتصاب هبل قرب الحجر الأسود أن هنالك علاقة بين الاثنين. ويقترح ولهاوسن أن هبل كان فى الأصل هو الحجر الأسود، الذى كان أقدم من الصنم كما سبق القول. ويشير ولهاوسن أيضا إلى أن الله يسمَّى فى القرآن: "رب الكعبة، ورب منطقة مكة". وقد قاوم النبى فروض العبادة المقدمة فى الكعبة إلى اللات ومناة والعزى, وهى الإلهات اللاتى أسماهن أهل مكة: "بنات الله". لكن محمدا امتنع عن مهاجمة عبادة هبل. لهذا يستنتج ولهاوسن أن هبل لم يكن غير الله: "إله" أهل مكة. وعندما هزم المكيون النبى قرب المدينة قيل إن قائدهم صاح " اُعْلُ هُبَل".
كان الطواف بالمقامات طقسا شائعا جدا ويمارَس فى مناطق عديدة. وكان الحاج خلال طوافه عادة ما يقبّل أو يحتضن الصنم. ويعتقد السير ويليام موير أن الطواف سبعا حول الكعبة "ربما كان يرمز لدوران الكواكب السيارة (الشمس, عطارد, الزهرة, القمر, المريخ, المشترى, زحل)"، بينما يذهب زويمر بعيدا بقوله إن الطواف سبعا حول الكعبة: ثلاث مرات هرولة وأربع مرات مشيا كانت "تقليدا للكواكب الداخلية والخارجية".
ومن المؤكد أن العرب "فى فترة متأخرة نسبيا قد عبدوا الشمس والأجرام السماوية الأخرى". وتظهر مجموعة الثريا النجمية, التى يفترض أنها مُنْزِلة المطر, كمعبود. وكانت هنالك أيضا عبادة كوكب الزهرة، التى تكرَّم كإلهة عظيمة تحت مسمّى "العُزّى".
ونعرف من العدد الكبير من الأسماء التى تتعلق بالآلهة أن الشمس كانت ضمن المعبودات. وكانت الشمس تدخل فى ألقاب العديد من القبائل وتكرَّم من خلال مقام وصنم. ويرى سنوك هرجرونه وجود أثرٍ لعبادة الشمس فى منسك الوقوف بعرفة.
وتعرف أيضا الإلهة اللات أحيانا بـ"معبود شمسى". وكان الإله ذو الريح على الأغلب إلها للشمس الشارقة. ومن الواجب أن يكون المنسك الإسلامى فى الركض بين عرفة ومزدلفة وبين مزدلفة ومنى تاما بعد غروب الشمس وقبل شروقها. وكان هذا تغييرا مقصودا أُدْخِل من قِبَل محمد لكى يغطى هذا الارتباط بطقس عبادة الشمس الوثني, الذى سنشاهد أهميته لاحقا. ومما يشهد لوجود عبادة قمرية أسماء الأعلام كـ"هلال وقمر"... إلخ.
ويفترض هوتسما Houtsma أن الرجم الذى يتم فى منى كان فى الأصل موجها إلى عفريت الشمس. ومما يؤكد إمكانية هذه الفكرة الحقيقة القائلة بأن الحج كان فى الأصل مرتبطا بالاعتدال الخريفى. فيُطْرَد عفريت الشمس وينتهى حكمه الظالم بحلول الصيف، ويتبعه عبادة إله الرعد، الذى يجلب الخصب فى مزدلفة.
وكانت مزدلفة موضعا لعبادة النار. ويشير المؤرخون المسلمون إلى هذا التل كتل النار المقدسة. وكان إله مزدلفة قُزَح, وهو إله الرعد. وكما يقول وينسنك: "كانت النار توقد فى الجبل المقدس، وتسمى أيضا: قزح. وكان هناك وقوف ذو شبه عظيم بذلك الذى يتم فى سيناء. وفى كلتا الحالتين كان إله الرعد يظهر فى النار. ومن المحتمل أيضا أن تكون العادة التقليدية فى إيجاد أكبر قدر من الضجيج والصياح تعويذة لجلب التعاطف ومخاطبة الرعد".
ولفريزر Frazerفى كتابه: "الهراوة الذهبية" تفسير آخر لطقس رمى الجمار: "كان الحافز لرمى الجمار أحيانا دفع شر روح شريرة, والتخلص من شر معين أحيانا أخرى, وجلب الخير أحيانا ثالثة. وإذا أمكننا أن نتتبع الرمى إلى أصوله فى ذهن الإنسان البدائى فقد نجد أن كل هذه التقاليد ترجع بشكل أو بآخر إلى مبدإ نقل الشر... وهو ما قد يفسر طقس رمى الجمار فى مكة... وربما كانت الفكرة الأصلية أن الحاج يطهر نفسه بواسطة نقل نجاسته الروحية إلى الأحجار التى كانوا يهيلون عليها الحجارة".
وطبقا لجوينبول Juynboll كان للحج فى الأساس طبيعة سحرية، إذ كان هدفه فى الأزمنة المبكرة استجلاب سنة جديدة سعيدة بمطر غزير وسطوع للشمس ووفرة فى الخيرات وكثرة فى الماشية والحبوب. وكان الكثير من النذور يحرق فى عرفات ومزدلفة ربما لتحفيز الشمس على السطوع فى السنة الجديدة. وكان الماء يصب على الأرض كتعويذة ضد الجفاف. وربما كان رمى الجمار فى أماكن معينة فى منى، وهو أثر لوثنية بدائية فى الأصل، رمزا للتخلص من ذنوب السنة السابقة. أى كان نوعا من التعاويذ ضد العقاب الإلهى والحظ السيئ". وبصورة مشابهة يمكن أن يكون للإفاضة من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى معنى سحرى. وربما كان الاحتفال بالعيد عند نهاية المناسك كلها رمزا للغزارة فى الخيرات المتوقعة فى نهاية السنة. وكانت فروض الامتناع المختلفة على الحاج فى الأساس وسيلة لنقل الحاج إلى حالة من الطاقة السحرية.
الكعبة: كان الوثن على العموم يوضع فى حرم مقدس محدد بالصخور. وكان هذا النطاق المقدس مجالا لطلب الالتجاء للأحياء كلها. وعادة ما يجد المرء بئرا فى هذا النطاق المقدس. ونحن لا نعلم متى بنيت الكعبة أولا. ولكن اختيار الموضع يدين إلى وجود بئر زمزم, التى توفِّر الماء الثمين للقوافل المارة بمكة فى طريقها إلى اليمن أو إلى الشام. وكان المؤمنون يُظْهِرون تكريمهم بتقدمات وأضحيات. وكان فى داخل الكعبة بئر جافة توضع فيها التقدمات. وعادة ما يحلق الحاج القادم لتكريم الوثن رأسه ضمن النطاق المقدس أو الحرم. ومن الملاحظ أن كل هذه المناسك موجودة بشكل أو بآخر فى الإسلام.
وطبقا لما ذكره المؤلفون المسلمون كانت الكعبة فى البداية مبنية فى السماء حيث يوجد نموذج لها إلى الآن, وذلك قبل خلق الكون بألفى سنة. وقد شيد آدم الكعبة على الأرض، ولكنها دمّرت خلال الطوفان. ثم عُلِّم إبراهيم كيف يعيد بناءها, وساعده إسماعيل فى ذلك. وخلال بحثه عن حجر ليعلّم موضع الزاوية من البناء قابل إسماعيل الملاك جبريل, الذى أعطاه الحجر الأسود, وكان آنذاك أكثر بياضا من اللبن, ثم اسود لونه فيما بعد من حمله خطايا الذين يلمسونه. وهذا, بالطبع, هو تطويع للأسطورة اليهودية عن وجود أورشليم الأرضية وأورشليم السماوية.
وبالرغم من اقتناع موير وتورّى بأن المصدر الإبراهيمى للكعبة كان معتقدا شائعا لفترة طويلة قبل عصر محمد فإن سنوك هرجرونه ولويس سبرنجر متفقان على أن الربط بين إبراهيم والكعبة كان اختراعا شخصيا لمحمد, وقد خدم ذلك كوسيلة لتحرير الإسلام من اليهودية. ويتسم استنتاج سبرنجر بالقسوة إذ يقول: "بهذه الكذبة... أعطى محمد للإسلام كل ما يحتاجه الإنسان وما يفرق بين الديانة والفلسفة. لقد أعطاه قومية وطقوسا وذكريات تاريخية وأسرارا مع ضمان لدخول الجنة, وفى نفس الوقت سالبا منه وعيه ووعى الآخرين".
ولا ريب فى أن القارئ قد رأى بنفسه كيف أن طائفة من المستشرقين، حين يقاربون الإسلام ويدرسونه، يخلعون عقولهم وينبذون المنطق ويتركون أحقادهم تتكلم مفترضين الافتراضات المتهافتة مغلقين عن عمد وسبق إصرار عيونهم عن رؤية الحقيقة ذاهبين مع خيالاتهم وأهوائهم إلى آخر الشوط بل إلى ما بعد آخر الشوط كى يشوهوا دين محمد ويطمسوا نوره وبهاءه. ترى مثلا كيف عرفوا أن الحج كان ممارسة وثنية لزيادة إنتاج المحاصيل الزراعية؟ هل كانت مكة أرضا زراعية تنبت فيها المحاصيل؟ أين قرأوا ذلك الكلام الشاذ؟ ما هذا السخف يا إلهى؟ ثم انظر إلى التشكيك فى أن يكون الحجر الأسود الذى كان القرامطة قد أخذوه ثم أعادوه بعد نحو عشرين سنة هو هو الحجر الأسود الحقيقى: ترى هل لهذا التشكيك من معنى؟ إن المستشرق المشكك لا يرى للحجر الأسود أية قيمة، بل إنه ليرى أن الأمر كله تلفيق باطل فى تلفيق باطل مثله، فأى فرق يمكن أن يترتب على تغيير الحجر؟ أليس كله حجرا، والسلام؟ فلم إذن يتظاهر بالانزعاج ويزعجنا معه فى غير طائل؟ ثم من أين له أن الحجر قد تغير؟ ترى لو كان هذا قد حصل أكان المسلمون يغيب عنهم ذلك الأمر؟ بل أكان القرامطة ليجرؤوا على الإقدام على هذه الفعلة أصلا، وهم يعلمون أنها ستنكشف بكل يقين، إذ ليس الحجر الأسود أى حجر بحيث لا يلتفت إلى ذلك أحد من المسلمين، أو على الأقل: أهل مكة، وبخاصة أن القرامطة ردوا الحجر إلى موضعه نزولا على رغبة الخليفة الفاطمى، الذى كانوا يحسبون له ألف حساب، ولم يكن أمامهم غير تنفيذ أمره دون تباطؤ أو تفكير؟ ثم أكان هذا الأمر ليمر بهذه البساطة لو كان الحجر قد تغير، فلا يفتح أحد المسلمين فمه مشككا فيه أو لا يفتح أحد القرامطة فمه سخرية من المسلمين وتهكما بهم؟ ولنفترض أن كل ما قاله المستشرق الشقى صحيح مائة فى المائة فما أهمية هذا يا ترى ما دام الأمر أمر رمز على طاعة المسلمين لربهم والتزامهم بما افترضه سبحانه عليهم وتنفيذهم له على النحو الذى حدده، وهو ما سوف يتحقق بأى حجر؟
ولقد عبر عمر بن الخطاب بعبقريته رضى الله عنه عن هذا المعنى، إذ حين جاء إلى الحجر وقبَّله قال: "إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع. ولولا أنى رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقبِّلك ما قبَّلتك". لقد تعمق بثاقب بصره وبصيرته أمر الحجر الأسود والحكمة من وراء استلامه وتقبيله، وهو أن المقصود إظهار الطاعة والإخبات لأوامر الله ، وإلا فتحية العلم والهتاف باسم الوطن وترديد الأناشيد القومية وما إلى ذلك هى ألوان من الوثنية بناء على ذلك التفكير المتهافت السمج. والغريب أن عند الغربيين التماثيل والأيقونات، أى الأصنام والصور، مما لا وجود لمثله فى الإسلام. ومع هذا تراهم يثيرون تلك التفاهات شغبا منهم ومكايدة وتساخفا بينما هم يعرفون جيدا أن ما يقولونه سخف فى سخف، ولكنها الحرب الفكرية التى تهدف إلى تحطيم الروح المعنوية.
أما اتهام بعض المستشرقين للنبى محمد بالكذب فى موضوع الصلة بين إبراهيم وبين الكعبة فهو وغادة وحقارة ووضاعة. إن محمدا لا يكذب ولا يدلس، إذ هو إنسان كريم نبيل قبل أن يكون نبيا رسولا. وإذا كان كتابهم يصف الأنبياء بالزنا ومضاجعة المحارم والقتل والكذب والمعاونة على عبادة الأوثان والتزوج بالوثنيات والسُّكْر البشع والانطراح العارى على الأرض جراءه وغير ذلك فهذا شأنهم. أما نحن فلا نتصور ولا فى الأحلام أن يُقْدِم نبينا الشريف العظيم على الكذب. ثم إن النبى ليس أول من قال ذلك، بل كانت العرب تقوله قبله بأزمان كما يقول المستشرق ذاته قبل ذلك مباشرة. كما سمع اليهود والنصارى هذا مرارا وتكرارا فى حياته، فلماذا لم يعترضوا على هذا الكلام؟ هل أصابهم خرس فعجزوا عن فتح أفواههم؟ وفى كتابهم المقدس أن العرب أبناء إسماعيل. وفى كتاباتهم القديمة كثيرا ما يسمون العرب بـ"الإسماعيليين". وإسماعيل هو ابن إبراهيم. وكثيرا ما شغب الشعوبيون على العرب فوصفوهم بأبناء الأَمَة، يقصدون هاجر أُمّ إسماعيل، وتشامخوا عليهم بأنهم هم أبناء سارة الحرة أُمّ إسحاق. فما المشكلة فى أن يذهب إبراهيم إلى الحجاز زائرا حيث كان ابنه إسماعيل يعيش؟ وما المشكلة فى أن يبنى هناك بيتا لعبادة الله؟ وكان زيد بن عمرو بن نفيل يقول:
عُذْتُ بِمَنْ عاذَ بِهِ إِبْراهِمُ
مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وَهْوَ قائِمُ
يَقُولُ: أَنْفِى لَكَ عانٍ راغِمُ
مَهْما تُجَشِّمْنى فَإِنّى جَاشِمُ

والله إنى لآسَى على هؤلاء الكذابين الوقحين إذ يرمون محمدا عليه الصلاة والسلام بالكذب، وهم أهل الكذب وأصله وذريته رضعوا لِبَانَه حتى صار يجرى منهم مجرى الدم فى العروق. إن هذا الكذاب يظن أن كل من يخاطبهم هم على شاكلته فى الكذب أو أغبياء سوف يبتلعون ما يردده من سخف دون تفكير أو تدقيق. فمعنى كلامه هو أن محمدا قد أسند بناء الكعبة (كذبا طبعا حسب زعم المستشرق وتدليسه) إلى إبراهيم بعدما يئس من إيمان اليهود به. أى أن ذلك قد تم فى المدينة. فماذا هو قائل فى الآيات التالية من سورة "إبراهيم"، وهى مكية، أى نزلت قبل أن يصطبح النبى الكريم بوجوه اليهود العكرة القبيحة فى المدينة؟ قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِى وَبَنِى أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّى أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْء فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَى وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)" (إبراهيم).
كما تطالعنا فى سورة "الحج" الآيات التالية، و"الحج" قد نزلت قبل اتصال النبى باليهود فى يثرب، أو على الأقل: قبل اصطدامه بهم: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِى لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)".
ثم متى كان الإسلام مرتبطا باليهودية حتى يفكر محمد فى الانفصال عنها؟ إن القرآن منذ وقت مبكر من العهد المكى يرجم اليهود بالحجارة الفاضحة المخزية التى تنقض على رؤوسهم فتَبْهَتهم فلا يستطيعون رَدَّها ولا هم يُنْصَرون. فكيف يقول هذا الكذاب ما قال؟ ثم إن الشقى لا يكتفى بهذا بل يَزُنّ النبى الأكرم بالكذب. خيبة الله على كل كذابٍ أَشِرٍ! لقد كانت يهود، كما سبق القول، تسمع هذا الذى يقوله القرآن والنبى عن رحلة إبراهيم إلى الحجاز وبنائه مع ابنه البكر إسماعيل الكعبة، فلماذا يا ترى لم يفتحوا فمهم ولو بآهة تعجب؟ ثم ما قول المستشرق اللئيم فى أن بعض كبار يهود فى المدينة قد أسلموا ودخلوا فى دين محمد، الذى يتهمه مستشرقنا الخبيث بالكذب؟ على أن الأمر لم يقف عند هذا المدى، إذ لجأ عبد الله بن سلام إلى حيلة يفضح بها خبث يهود ويعرِّى سوآتهم النفسية والأخلاقية، فاختبأ خلف باب هناك، وطلب من النبى أن يسألهم عنه وعن رأيهم فيه، فما كان منهم إلا أن أخذوا يغرقونه بعبارات المدح والثناء لينقلبوا على الفور بعدما برز من مخبئه وعالنهم بأنه صار مسلما، فانقضوا يفيضون عليه من جَعْبَة شتائمهم وسبابهم كل ما لذ وطاب لألسنتهم الزفرة ونفوسهم الخربة وضمائرهم النتنة، وذلك كله دون أن يشعروا بذرة من الخجل.
كذلك كيف يقيم المستشرق الأثيم الزنيم من اليهود مقياسا يقيس به صدق محمد واستقامة ضميره، واليهود بوجه عام يضرب بهم المثل فى تواريخ الأمم جميعا فى الكذب واللؤم والخبث واللف والدوران وعدم المبالاة بالخلق الكريم؟ على أنْ ليس هذا كل شىء، إذ إن كتابهم ذاته هو أول من يصب عليهم اللعنات صبًّا جزاء عنادهم وتصلب رقابهم ووقاحتهم مع ربهم ورسلهم، وينهال عليهم بالشتائم والتهديدات، ويتوعدهم بسوء المصير دائما أبدا. ولا يكفّ الله فيه عن سبهم والتعبير عن غيظه منهم واحتقاره لهم وكراهيته إياهم وشماتته فيهم. وإذا كان محمد قد أراد الانفصال عن اليهودية فلماذا يا ترى ظل القرآن وظل هو نفسه يتحدثان عن أنبياء بنى إسرائيل بكل إجلال كما كان يفعل من قبل؟
ثم ما دام محمد يسرق دينه من عند يهود وأمثالهم فلِمَ يا ترى ربط نفسه وقومه بإبراهيم، وصورة إبراهيم، حسبما يرسمها العهد القديم، لا تشرّف بحال؟ جاء فى الإصحاح العشرين من سفر "التكوين": "1وَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى أَرْضِ الْجَنُوبِ، وَسَكَنَ بَيْنَ قَادِشَ وَشُورَ، وَتَغَرَّبَ فِى جَرَارَ. 2وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ سَارَةَ امْرَأَتِهِ: «هِى أُخْتِي». فَأَرْسَلَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ وَأَخَذَ سَارَةَ. 3فَجَاءَ اللهُ إِلَى أَبِيمَالِكَ فِى حُلْمِ اللَّيْلِ وَقَالَ لَهُ: «هَا أَنْتَ مَيِّتٌ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَخَذْتَهَا، فَإِنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ بِبَعْل». 4وَلكِنْ لَمْ يَكُنْ أَبِيمَالِكُ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، أَأُمَّةً بَارَّةً تَقْتُلُ؟ 5أَلَمْ يَقُلْ هُوَ لِى: إِنَّهَا أُخْتِى، وَهِى أَيْضًا نَفْسُهَا قَالَتْ: هُوَ أَخِى؟ بِسَلاَمَةِ قَلْبِى وَنَقَاوَةِ يَدَى فَعَلْتُ هذَا». 6فَقَالَ لَهُ اللهُ فِى الْحُلْمِ: «أَنَا أَيْضًا عَلِمْتُ أَنَّكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هذَا. وَأَنَا أَيْضًا أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَىَّ، لِذلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا. 7فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِى، فَيُصَلِّى لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ».
8فَبَكَّرَ أَبِيمَالِكُ فِى الْغَدِ وَدَعَا جَمِيعَ عَبِيدِهِ، وَتَكَلَّمَ بِكُلِّ هذَا الْكَلاَمِ فِى مَسَامِعِهِمْ، فَخَافَ الرِّجَالُ جِدًّا. 9ثُمَّ دَعَا أَبِيمَالِكُ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ لَهُ: «مَاذَا فَعَلْتَ بِنَا؟ وَبِمَاذَا أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَى وَعَلَى مَمْلَكَتِى خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟ أَعْمَالًا لاَ تُعْمَلُ عَمِلْتَ بِي». 10وَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: «مَاذَا رَأَيْتَ حَتَّى عَمِلْتَ هذَا الشَّىء؟» 11فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنِّى قُلْتُ: لَيْسَ فِى هذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِى لأَجْلِ امْرَأَتِى. 12وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِى أُخْتِى ابْنَةُ أَبِى، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّى، فَصَارَتْ لِى زَوْجَةً. 13وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِى اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِى أَنِّى قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِى تَصْنَعِينَ إِلَى: فِى كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِى إِلَيْهِ قُولِى عَنِّى: هُوَ أَخِي».
14فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ امْرَأَتَهُ. 15وَقَالَ أَبِيمَالِكُ: «هُوَذَا أَرْضِى قُدَّامَكَ. اسْكُنْ فِى مَا حَسُنَ فِى عَيْنَيْكَ». 16وَقَالَ لِسَارَةَ: «إِنِّى قَدْ أَعْطَيْتُ أَخَاكِ أَلْفًا مِنَ الْفِضَّةِ. هَا هُوَ لَكِ غِطَاءُ عَيْنٍ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مَا عِنْدَكِ وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، فَأُنْصِفْتِ». 17فَصَلَّى إِبْرَاهِيمُ إِلَى اللهِ، فَشَفَى اللهُ أَبِيمَالِكَ وَامْرَأَتَهُ وَجَوَارِيَهُ فَوَلَدْنَ. 18لأَنَّ الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ لِبَيْتِ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ".
فهل يجد القارئ فى صورة إبراهيم التى رسمها له العهد القديم ما يغرى أحدا بالانتساب إليه والافتخار بذلك الانتساب؟ لقد سلم امرأته للملك دون أدنى مقاومة بل دون أن يفتح فمه بكلمة توضيح، ودعنا من كلمة اعتراض. ثم إن القصة، على عادة العهد القديم فى ترديد ما لا يقبله عقل ولا منطق، تقول إن الله، لدى دعاء إبراهيم لأبيمالك، قد فتح رحم نسائه بعد أن كان قد أغلقها بسبب أخذه سارة من زوجها. فتعالَوْا لنناقش هذا الأمر بالمنطق: لقد أخذ أبيمالك سارة دون أن يعلم أنها زوجة إبراهيم. بل إن إبراهيم قد أخبره أنها أخته، فكان هذا الكلام سببا فى زيادة تضليل الملك. ومن ثم فإبراهيم لا الملك هو المسؤول. ثم إن الأمر لم يستغرق سوى ليلة واحدة أعادها الملك بعدها إلى زوجها دون أن يمسها لا بخير ولا بشر. فلِمَ يعاقبه الله إذن؟ والطريف فى الأمر أن الله يقول لأبيمالك إنه ليس له ذنب فى الأمر. بل يزيد فيقول إنه منعه من الاقتراب من سارة منعًا. أى أنه لم يخطئ لا بالنية ولا بالفعل. ومرة أخرى نتساءل: فلم يعاقبه إذن؟ كما أن الله قد هدده بالموت، وليس بإغلاق أرحام نسائه. وفوق هذا فهو لم يشعر بهذا العقاب الأخير، وبخاصة أنه لم يمر سوى ليلة واحدة مما لا يمكنه أن يتنبه لتلك العقوبة لو كانت قد حدثت فعلا. من هنا كان سخفا أن يجعل النص منها قضية القضايا. ثم إن الملك يسترضى إبراهيم ببعض الماشية. فهل يصح أن يقبل نبى مثل هذا الاسترضاء تعويضا عن امتلاخ زوجته منه؟ يا لها من نبوة! إننا، بطبيعة الحال، لا نؤمن بما يقوله العهد القديم عن إبراهيم ، بل نرى فيه نبيا كريما من أنبياء الله العظام، لكننا نجارى هؤلاء المستشرقين التعساء فى منطقهم وتفكيرهم.
ويقول ابن الوراق كذلك: "اقتبَسَ, أو بالأحرى: احتفظ القرآن بالعادات التالية من العرب الوثنيين: تعدد الزوجات, العبودية, الطلاق سهل الوقوع، وقوانين اجتماعية عامة أخرى, الختان, وطقوس التطهير. شارك كل من وينسنك ونولدكه وجولدتسيهر فى دراسة العناصر الأرواحية فى الطقوس المتعلقة بالصلاة الإسلامية. ففى التحضير للصلوات الخمس, خصوصا أثناء عملية الوضوء, نجد الهدف هو تحرير المتعبِّد من وجود أو تأثير الأرواح الشريرة، ولا علاقة له البتة بمجرد النقاء الجسدى. ومن الواضح من خلال معرفة عدد لا يحصى من الروايات أن محمدا نفسه روّج لعدد لا يحصى من الاعتقادات الخرافية فيما يتعلق بالتطهر من الشياطين, وهو الموضوع الذى أخذه من وثنيته السائدة فى فترة شبابه. وطبقا لإحدى الروايات قال محمد: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فتوضأ فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه". وفى مناسبة أخرى، وعندما رأى محمد أن رجلا قد ترك جزءا من قدمه لم يمسسها الماء، أمر الرجلَ أن يعود فيتوضأ بشكل أفضل، ثم وعظه قائلا: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها مع الماء أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب". وهذا القول يؤكد ما يذهب إليه جولدتسيهر من أنه طبقا للتصور السامى فالماء يذهب حاملا الشياطين. وكان النبى متعودا على "غسل" قدميه بينما هو مرتدٍ لنعلين من خلال المسح بيديه على خارج النعلين بكل بساطة".
وردنا على ذلك هو أن للنظافة فى الإسلام مرتبة عالية حتى لقد جعلها الرسول من الإيمان: "النظافة من الإيمان"، وقال : "إن الله نظيف يحب النظافة". وما أكثر الكلام عن الطهارة والتطهر فى آيات القرآن والأحاديث المحمدية مما يرينا بكل قوة وجلاء أن الإسلام هو دين النظافة بامتياز. وهو يدعو إلى تسويك الفم وتنظيف الأسنان وغسل الأيدى دائما، وبخاصة عند الأكل وعند القيام من النوم حيث لا يعرف الإنسان ماذا فعل أثناء نومه وحيث تتغير رائحة الفم عادة. بل إنه قد شرع التطهر بعد قضاء الحاجة لإزالة الخبث، وفرض الوضوء عند الصلاة بقصد غسل الأطراف التى تتعرض عادة للغبار والاتساخ حتى يكون المسلم دائما نظيفا. لكن المستشرقين يَأْبَوْن بصلابة رؤوسهم وتنطعهم وعنادهم إلا أن يبحثوا بتعنتٍ بشعٍ عن أى تفسير سخيف لهذه السمة الإسلامية تنال منه وتحول حسنه وجماله قبحا ودمامة. يا لها من نفوس مريضة! ترى هل قال القرآن أو الحديث شيئا مما يفترونه على ديننا العظيم؟ ثم إن حرصه على أن يعم الماء فى الوضوء كل أنحاء القدم إنما هو رغبة فى تعليم المسلم الوعى والاهتمام والدقة فى كل ما يعمله حتى لو تعلق الأمر ببقعة صغيرة فى القدم. لكنْ بدلا من أن يلتفت المستشرق المتنطع إلى هذا المغزى الجليل تراه يتساخف ويتتافه ذاهبا إلى أبعد التفسيرات تفاهة وسخفا.
على أن تنطع هؤلاء المستشرقين يبلغ أقصاه فى الكلام التالى: "تقليديا من المطلوب على المسلم أن يغطّى رأسه, خصوصا مؤخرة جمجمته. ويعتقد وينسنك Wensinck أن المطلوب من هذا هو منع الأرواح الشريرة من دخول الجسم. وقد عُرِّف العديد من الحركات التعبيرية والتحرّكات, وصوت المؤذن, ورفع اليدين... إلخ بأنها ممارسات أرواحية فى الأصل. واستخدمت بصورة متكررة لطرد الأرواح الشريرة". لكن بالله من أين أتى فنسنك هذا الأبله بأن المسلم يجب عليه تغطية رأسه، وبالذات مؤخرة جمجمته؟ هذا رجل يهلوس. والمسلمون، مثلهم مثل غيرهم، فيهم من يغطى رأسه، وفيهم من يتركها دون غطاء. وفيمن يغطون رؤوسهم من يلبس غترة أو طاقية أو قبعة أو عمامة أو كوفية أو طربوشا. وكل واحد حر فيما يضعه فوق رأسه. وهى أمور لا علاقة لها بالأرواح ولا بالأشباح، بل بالجو والاعتبارات الاجتماعية. ثم كيف يسمى المستشرق الجاهل المسح على الخفين: غسلًا للقدم؟
ويقول ابن الوراق: "التشريع الإسلامى الخاص بالصلوات الخمس كل اليوم له مصدر فارسى أيضا. لقد شرع محمد نفسه فى البداية صلاتين فقط. ثم, كما يذكر القران، أضيفت ثالثة، فصار هناك صلاة الفجر وصلاة العشاء والصلاة الوسطى, وهى تقابل الصلوات اليهودية: الشاخاريث والمنكاه والأربيث. ولكن، عند اصطدامهم بالحماس الدينى للزرادشتيين، تبنى المسلمون تقاليدهم غير راغبين أن يزايَد عليهم فى الإخلاص, ومن ثم استمر المسلمون بالتعبد إلى الله خمس مرات فى اليوم تقليدا للجابات الخمس five gabs (الصلوات الخمس) للفرس".
ونقول نحن: قد شرعت الصلاة فى مكة بعدد مراتها فى اليوم والليلة وبمواعيدها وبأسلوب تأديتها قبل أن يرى الرسول اليهود فى المدينة بزمن طويل. أما الزرادشتيون فلم يرهم قط طوال حياته حتى يقال إنه، حينما رآهم متحمسين للصلاة خمس مرات، قال فى باله: ولماذا لا نصلى نحن أيضا خمس مرات حتى لا يكون أحد أحسن من أحد؟ هكذا يفسر التاعس البائس هذه الأمور الدينية العظيمة وكأننا إزاء امرأتين تتغايران ولا تحب أى منهما أن يكون عند الأخرى ما ليس عندها. إن أحدا من اليهود أو الزرادشتيين أنفسهم لم يقل شيئا من هذا السخف السمج الذى يثرثر به المستشرق الغبى. كذلك فإن هيئة الصلاة فى الإسلام، وكذلك الأقوال التى يرددها المسلم فيها، تختلف كلية عنها فى أى دين آخر.
ثم يمضى ابن الوراق قائلا: "من الممكن أن يكون محمد قد تأثر بالزرادشتية فى موقفه من السبت ومعارضته للفكرة غير المعقولة فى أن الله احتاج أن يأخذ قسطا من الراحة بعد خلق العالم فى ستة أيام. ويأخذ اللاهوتيون الزرادشتيون موقفا مشابها ضد السبت اليهودى. وبالنسبة لمحمد والمسلمين فالجمعة ليست يوم سبت أو يوما للراحة, ولكنها يوم للاجتماع لممارسة شعيرة أسبوعية".
وأرجو أن يتنبه القارئ إلى قوله: "من الممكن أن يكون محمد..." بما يفيد أنه غير متأكد من شىء وأنه قد وضع نصب عينيه نسبة كل شىء فى الإسلام إلى مصدر خارجى عنادا وتنطعا وتساخفا، وإلا فلماذا لم يسكت ما دام لا يوجد فى يده دليل على ما يتخيله ولا أشار الزرادشتيون أصحاب الشأن إلى شىء منه؟ لكنه العناد والتنطع، قاتلهما الله! ثم كيف عرف النبى بما عند الزرادشتيين فى هذا الموضوع، وذلك إن كان الزرادشتيون فعلا يرفضون السبت؟ هل كان يختلط بهم؟ فأين؟ ومتى؟ هل كان هناك زرادشتيون فى مكة؟ أم هل كان محمد يسافر إليهم فى فارس كل فترة ليعود وقد حمل فى جَعْبَته الجديد الذى يحدّث به ديانته؟ أم هل كان هناك من يجرى بالوساطة بينه وبينهم آتيا له بتشريعاتهم عارضا إياها عليه حتى ينتقى منها ما يعجبه ويردّ ما لا يقع من نفسه موقعا حسنا؟ فمن يا ترى؟ ومتى؟ وأين؟ إن عقيدة الألوهية فى الإسلام ترفض فكرة السبت واستراحة الله فيه رفضا باتا ولا تتلاءم معه ولا مع ما يترتب عليه. وهذا كل ما هنالك.
وبالمثل ترفض عقيدة الألوهية عندنا حكاية الإلهين اللذين يتصارعان طول الوقت: أحدهما للخير، والثانى للشر مما يعتقد به الزرادشتيون. أفلم يجد الرسول إذن سوى الزرادشتيين كى يأخذ منهم إنكار استراحة الله يوم السبت؟ ولقد أتى سلمان الفارسى النبى فى المدينة بعد تطواف شاسع فى الأرض بحثا عن الحق حتى لقيه وآمن به. ولو كان الأمر كما يقول ابن الوراق لما أقدم سلمان على الإيمان برجل يسرق أفكاره من دين قومه ثم يزعم أنها وحى يوحى إليه. وسلمان لم يكن فارسيا عاديا من عُرْض الشارع بل كان أبوه من كبار رجال الدين كما هو معلوم. كذلك دخلت الأغلبية الساحقة من أهل فارس دين محمد، ولم يقل أحد من الفرس إنه أخذ كراهية السبت منهم. وهذا إن كانوا يكرهون السبت ويرفضونه.
ثم بِمَ يجيب الكاتب إذا قلنا له إن عيسى نفسه قد دخل فى نزاع شديد مع بعض طوائف اليهود بخصوص السبت حين شاهدوه يمارس بعض الأعمال التى يَرَوْن أنه لا يجوز أبدا إتيانها فى ذلك اليوم؟ فهل كان المسيح متأثرا فى هذا بالزرادشتيين؟ كما ذكرت مادة "السبت" فى "دائرة المعارف الكتابية" أن "إغناطيوس تلميذ الرسول يوحنا وأسقف أنطاكية كَتَبَ فى رسالته إلى الكنيسة فى مغنيسيا فى أوائل القرن الثانى: "لا يخدعكم أحد بتعاليم أو بخرافات عتيقة، لأننا إن كنا ما زلنا نعيش حسب الناموس اليهودى فإننا بذلك نعترف بأننا لم نحصل على النعمة". ثم يردف بالقول بأن قراءه "قد نشأوا تحت النظام العتيق، ولكن أصبح الآن رجاء جديد، فلم يعودوا يحفظون السبت". ويشرح يوستنيوس الشهيد، من أوائل المدافعين عن المسيحية فى منتصف القرن الثانى، فى حواره مع تريفون: لماذا لا يحفظ المسيحيون ناموس موسى ولا يمارسون الختان ولا يحفظون السبت؟ ويؤكد أن حفظ السبت الحقيقى فى العهد الجديد هو حفظ سبت دائم من الابتعاد عن الخطية، وأن الأبرار القدماء: آدم وهابيل وأخنوخ ونوح وأمثالهم أَرْضَوُا الله بدون أن يحفظوا السبت، وأن الله فرض السبت على الإسرائيليين بسبب شرهم وصلابة قلوبهم". فهل كان هؤلاء جميعا متأثرين بالزرادشتية؟ ومعروف أن الأمر لدى النصارى قد انتهى باستبدال الأحد بالسبت حسبما نعرف لأنه اليوم الذى قام فيه المسيح من الأموات كما يقولون. بل إن بنى إسرائيل أنفسهم لم يكونوا كلهم يحترمون السبت احتراما حقيقيا، وهو ما سجله القرآن عليهم وسجل ألاعيبهم المعروفة عنهم فى الاحتيال على أوامر دينهم وإفراغها من مضمونها الحقيقى، شأن كل منافق خبيث. وهناك من اليهود الآن من يُدْخِل بعض التعديلات على مفهوم يوم السبت حتى يستجيب لمتطلباتهم العصرية... وهكذا.
ولإعطاء القارئ مثالا على تنطع الكاتب أقرأ معه ما قاله من أنه "فيما يخص الأكل والشرب خلال صوم رمضان تخبرنا سورة البقرة/ 187: "وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ". فى مدراش براخوث (تفسير يهودى) نتعلم أن صلاة "شماع" يجب أن تقام "فى الصباح عندما يمكن المرء أن يميّز خيطا أزرق من خيط أبيض"، وأسأله: ما الصلة يا ترى بين هذا وذاك؟ إن الكلام هنا عن الصيام فى الإسلام والصلاة فى اليهودية. والصلاة غير الصيام. ومع هذا فإن الكاتب يربط بينهما على غير أساس.
وأخيرا يأتى النص التالى: "تخبرنا السورة 4/ 46 أنه يجب على المؤمنين ألا يصلّوا إن كانوا سكارى أو جنبا أو لامسوا النساء. وكل هذه الموانع نجدها فى بيراخوث 31/ 2 و111/ 4 (Berachoth) وأيروبين 64 (Erubin). ومن الممكن أن تقام الصلاة وقوفا, مشيا، أو حتى على الدواب– بيروخوث 10. قارن السور: البقرة/ 239, آل عمران/ 191, والنساء/ 101. ومن الممكن تقصير الصلوات فى الحالات الطارئة من غير ارتكاب خطيئة– مدراش بيراخوث 4/ 4, قارن سورة النساء/ 102. كما أن شعائر الوضوء الموصوفة فى سورة المائدة/ 6 من الممكن مقارنتها بالشعائر المطلوب القيام بها فى بيراخوث 46. وطبقا لسورة النساء/ 43 والمائدة/ 6 فعند نقص الماء من الممكن التيمم بالتراب. ويخبرنا التلمود أنه "من ينظف نفسه بالتراب فقد جاء بما فيه الكفاية" (بيروخوث 46). ويجب ألا تكون الصلاة بصوت عال- الإسراء: 110, ويشير بيروخوث 31/ 2 إلى نفس الشىء. كما يشرع القرآن (سورة البقرة/ 228) فترة انتظار لمدة ثلاثة أشهر قبل ان يمكن المرأة الزواج ثانية. ومشنا يبحاموث 4/ 10 (Mishna Jabhamoth) أيضا يضع نفس التشريع. كذلك فدرجة القرابة التى يمكن ضمنها أن يبقى الزواج شرعيا قد تبناها القرآن (سورة النساء: 23) كما يبدو من تلمود كيثوبوث 40/ 1 (Talmud Kethuboth). كلتا الديانتين تصر على وجوب إرضاع المرأة ابنها لمدة عامين. قارن سورة لقمان/ 14 وسورة البقرة/ 233 مع كيثوبوث 60/ 1".
إن الكاتب، فيما هو واضح، يفترض أن لدى الرسول مكتبة ضخمة تتوافر فيها كل المصادر والمراجع الدينية بما فى ذلك التلمود بمجلداته الكثيرة وضخامته الهائلة وتعقيداته المتعثكلة. إن ابن الوراق يستعين بدهاقنة الاستشراق والتبشير الذين يتعاونون بدورهم فيما بينهم من أجل الوصول إلى تلك الزوايا المظلمة من التلمود وغيره من كتب اليهود، وهم فوق ذلك نصارى ويهود، فكيف يظن ظان أن محمدا كان يستطيع الوصول إلى ما يريد من هذا التلمود وغيره من كتب القوم، وقد كان أميا، ولا يعرف غير العربية، وليست هناك كتب ولا مكتبات فى بيئته، ونحن فى عصرنا هذا المتقدم كل هذا التقدم الهائل نلقى الأَمَرَّيْن فى البحث عما نريد من تلك الكتب رغم توافر أدوات البحث ورغم توافر المشباك بكل تقنياته الحديثة؟ وأين التلمود من رسول الله فى مكة والمدينة؟ وأين رسول الله من التلمود، وهو مكتوب بالعبرية، التى لا يعرفها ، فضلا عن أن أصحاب الكتاب لا يمكن أن يتركوا غيرهم يطلع عليه؟ وأخيرا وليس آخرا هل كان اليهود، وهم بحمد الله ذوو ألسنة طويلة وسفيهة وكاذبة خاطئة، ليسكتوا عنه فلا يشنعوا عليه ويتهموه بالسرقة من تلمودهم وتوراتهم لو افترضنا المستحيل وقلنا مع هذا الكذاب المسمى: "ابن الوراق" إن الرسول اطلع على التلمود واستمد منه بعض تشريعاته، وهم لم يكونوا يتورعون عن القول بأن وثنية المشركين أفضل من التوحيد الذى جاء به ؟
الصواب فى هذه الحالة، لو كانت هناك فعلا تشابهات بين التلمود وبعض تشريعات العبادة فى الإسلام كما يدعى ابن الوراق، هو ما أقوله ويقوله المسلمون دائما من أن الشريعة الإسلامية لا تختلف بوجه عام عن الشرائع السماوية السابقة، إذ هى جميعا من عند الله. ومن ثم ففى الأمور المتصلة بأوضاع البشر الفطرية نجد التشريعات هى هى أو تغيرت تغيرا طفيفا، أما إذا كانت التشريعات تتعلق بأحوال يعتريها التطور والتغير فإن تشريعات الإسلام فى هذه الحالة تختلف عما سبقها فى تلك الأديان. كذلك تختلف تشريعاتنا عن تشريعات السابقين فى حالة وقوع عبث فى نصوص كتبهم. وفى هذه الحالة يكون القرآن هو الحاكم المهيمن على الكتب السماوية السابقة. ونحن، حين نقول ذلك، لا نقوله الآن للخروج من مأزق كما قد يظن بعض المتعجلين الجاهلين، بل هو مذكور فى القرآن من قديم كما يتضح من النصوص التالية:
"شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)" (الشورى) ، "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ" (المائدة/ 48)، "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)" (المائدة).
ولقد رجعت إلى مادة "ablution" فى "Jewish Encyclopaedia" لمعرفة ماذا تقول الشريعة اليهودية فى هذا المضمار كى ندرك مدى القرب أو البعد بين شرعنا وشرعهم، فوجدت أن المطلوب عند الصلاة فى شريعة اليهود هو غسل الأيدى بماء طاهر لم تمازجه أية مادة أخرى ولم يُسْتَعْمَل من قبل وأنه إذا عدم الماء يمكن الاستعاضة عنه بمسح اليد فى أى شىء جاف ونظيف كقطعة قماش مثلا. وفى التلمود من التعقيدات والتنطعات والتعسفات المفصلة الكثيرة فى موضوع غسل الأيدى ما يمكن أن يصيب الإنسان بالدوار بل بالإغماء. ويمكن القارئ أن يتحقق من الأمر بنفسه فى الفصل الخاص بالأيدى من مجلد "طهاروت" (الطهارات). وواضح أن الوضع فى اليهودية يختلف عنه عندنا فى الإسلام اختلافا حادا. وفى ضوء هذا يمكن القارئ الكريم أن يعيد النظر فيما قاله ابن الوراق من أن "شعائر الوضوء الموصوفة فى سورة المائدة/ 6 من الممكن مقارنتها بالشعائر المتطلب القيام بها فى بيراخوث/ 46.
أما قول كاتبنا إن الشريعة اليهودية والقرآن يتفقان فى أن الزوجة لا يمكنها أن تتزوج عند انتهاء زواجها قبل مضى ثلاثة أشهر فهو قول متسرع أهوج، إذ ليس فى القرآن قاعدة واحدة فى هذه الحالة، بل هناك عِدَّة المطلقة وعدة الأرملة وعدة اليائس وعدة التى لم تحض: فعدة المطلقة ثلاثة قروء، وعدة الأرملة أربعة أشهر وعشر، وعدة اليائس ثلاثة أشهر فى حالة الشك، ومثلها التى لم تحض، أما الحامل فعدتها أن تضع حملها: "وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا فِى أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)... وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)" (البقرة)، "وَاللَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)" (الطلاق). كما أن الزوجة التى تتزوج بعد طلاقها لا يمكنها، حسب الشريعة اليهودية، أن تعود إلى زوجها الأول أبدا مدى الحياة ولا أن تتزوج الرجل الذى طُلِّقَتْ بسبب الشك فى وجود علاقة بينها وبينه ولا الرسول الذى أحضر لها وثيقة الطلاق، وهو ما يختلف فيه التشريعان اختلافا شديدا كما هو واضح.
ونختم ببعض الفقرات التى تبين فى عجالة، وعلى سبيل التمثيل ليس غير، مخالفة الإسلام لكثير من شرائع الجاهليين وأهل الكتاب وغيرهم، ومن ثم فاتهام المتهِمين له بالاستمداد من مصادر خارجية هو اتهام سخيف لا ينهض على أساس. لقد كان العرب فى الجاهلية مثلا يقدمون القرابين إلى أوثانهم، وكانت هذه القرابين تشمل أبناءهم. وقد حرموا بعض الحيوانات والزروع إلا على ناس مخصوصين، كما حرموا ركوب حيوانات أخرى، ومنعوا ذكر اسم الله على نوع ثالث منها، فجاء القرآن ونسف كل هذا: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)" (الأنعام)، "مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)" (المائدة)، "إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)" (النساء).
وفى مجال العبادة، وسوف نقتصر منها على الحج وحده كمثال فقط، نجد الإسلام قد طهَّر الكعبة من الأوثان ومتعلقاتها، وحرَّم أن يطوف أى مشرك أو عريان بالبيت: "إنما المشركون نَجَسٌ، فلا يَقْرَبُوا المسجدَ الحرامَ بعد عامهم هذا" (التوبة/ 28)، وأوجب على المسلمين أن يُفِيضُوا جميعا من مكان واحد حتى يقضى على العنجهية التى كانت تسول لبعض القبائل التفرد بمكان مخصوص يفيضون منه وحدهم: "ثم أَفِيضُوا من حيثُ أفاض الناسُ" (البقرة/ 199). كما أبطل التقليد السخيف الذى كان يتبعه بعض أهل المدينة عند عودتهم من الحج، إذ كانوا لا يدخلون بيتا ولا فسطاطا من بابه ولكن مِنْ نقب أو فرجة من الخلف ظنا منهم أن هذا من البرّ: "وليس البِرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البِرَّ مَنِ اتقى، وأْتُوا البيوتَ من أبوابها" (البقرة/ 189). كذلك وضع الإسلام نهاية النسىء، الذى كان عرب الجاهلية يلجأون إليه إذا كانوا فى حرب وأتى عليهم شهر من الأشهر الحرم، إذ كانوا يستمرون فى الحرب ويعوّضون هذا الشهر بشهر آخر من غير الأشهر الحرم، مفسدين بذلك حكمة هذه الأشهر: "إِنَّمَا النَّسِىء زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)" (التوبة).
وكان النساء فى الجاهلية يُحْرَمْن فى العادة من الميراث، فجاء الإسلام وجعل لهن فى الميراث نصيبا مفروضا، مثلهن مثل الرجال سواء بسواء: "لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)" (النساء)، ووزع الميراث على نحو لم تعرفه الجاهلية بل ولا الأديان السابقة. وكان الرجل فى الجاهلية إذا مات عن امرأة وله عصبة ألقى هذا ثوبه على المرأة قائلا: "أنا أحقّ بها"، ثم إذا شاء تزوجها بصداقها الأول، وإن شاء زوجها غيره. كذلك كان الواحد منهم يتزوج بامرأة أبيه إذا رغب. كما حرم صورا أخرى من الزواج غير القائم على التراضى من الطرفين مما لا تقبله النفوس الكريمة، وهو ما فصّلته السنة المطهرة. كذلك وضع الإسلام حدا لوأد البنات وجعله من أفظع الشُّنَع كما هو معروف.
وقد كان القمار والخمر من مفاخر العرب، وما أكثر القصائد التى يتمدح فيها أصحابها بإراقة الأموال عليها، فجاء الإسلام وحرّمها تحريما قاطعا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)" (المائدة)... إلخ.
فإذا انتقلنا إلى عبادات أهل الكتاب فسنرى الإسلام قد أتى بما يخالفها: فهو مثلا قد ألغى القرابين التى كانت تقدَّم لله. كما وضع حدا لوساطة الكاهن أو القسيس، وأصبح المسلم مرتبطا ارتباطا مباشرا بربه، سواء فى عبادته أو فى التكفير عن سيئاته. وعلى هذا فليس فى الإسلام شىء اسمه "ذبيحة إثم أو ذبيحة سلامة أو ذبيحة خطية" مثلا. كذلك فالنجاسات فى الإسلام قد تخلصت تماما مما يصاحبها ويترتب عليها فى اليهودية من عبء باهظ يخنق الأنفاس. ولعل المثال التالى الوحيد، وهو من أخف التشريعات فى النجاسة، يعطى القارئ لمحة عن مدى التضييق الذى فرضته اليهودية على أتباعها، ورفع الإسلام السمح إِصْرَه عن المسلمين:
"19«وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ لَهَا سَيْلٌ، وَكَانَ سَيْلُهَا دَمًا فِى لَحْمِهَا، فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِى طَمْثِهَا. وَكُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 20وَكُلُّ مَا تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ فِى طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا، وَكُلُّ مَا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. 21وَكُلُّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 22وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 23وَإِنْ كَانَ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِى هِى جَالِسَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَمَسُّهُ، يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 24وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. 25«وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ يَسِيلُ سَيْلُ دَمِهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً فِى غَيْرِ وَقْتِ طَمْثِهَا، أَوْ إِذَا سَالَ بَعْدَ طَمْثِهَا، فَتَكُونُ كُلَّ أَيَّامِ سَيَلاَنِ نَجَاسَتِهَا كَمَا فِى أَيَّامِ طَمْثِهَا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ. 26كُلُّ فِرَاشٍ تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ كُلَّ أَيَّامِ سَيْلِهَا يَكُونُ لَهَا كَفِرَاشِ طَمْثِهَا. وَكُلُّ الأَمْتِعَةِ الَّتِى تَجْلِسُ عَلَيْهَا تَكُونُ نَجِسَةً كَنَجَاسَةِ طَمْثِهَا. 27وَكُلُّ مَنْ مَسَّهُنَّ يَكُونُ نَجِسًا، فَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. 28وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ سَيْلِهَا تَحْسُبُ، لِنَفْسِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطْهُرُ. 29وَفِى الْيَوْمِ الثَّامِنِ تَأْخُذُ لِنَفْسِهَا يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَى حَمَامٍ، وَتَأْتِى بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 30فَيَعْمَلُ الْكَاهِنُ: الْوَاحِدَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَالآخَرَ مُحْرَقَةً. وَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ مِنْ سَيْلِ نَجَاسَتِهَا. 31فَتَعْزِلاَنِ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَنْ نَجَاسَتِهِمْ لِئَلاَّ يَمُوتُوا فِى نَجَاسَتِهِمْ بِتَنْجِيسِهِمْ مَسْكَنِى الَّذِى فِى وَسَطِهِمْ" (لاويين/ 15).
ومن يرد أن يقرأ حكم النجاسات الأخرى فليقرأ الإصحاحات الثمانية من الحادى عشر إلى الثامن عشر من نفس السفر. أما فى الإسلام فليس على المرأة فى تلك الحالة إلا أن تسد نزيف الدم بقطعة قماش مثلا. وليس على من يمسها أو تمسه أو يتعامل معها أى حرج، ولا شىء مما تلمسه يتنجس بأى حال. المهم ألا يتم اتصال بينها وبين زوجها فى الحيض أو فى النفاس فقط. فأين هذه السماحة من ذلك الإعنات؟ وفى القرآن المجيد إشارة إلى هذا العنت فى دعاء المؤمنين لربهم: "ربَّنا ولا تَحْمِلْ علينا إِصْرًا كما حَمَلْتَه على الذين مِنْ قَبْلِنا" (البقرة/ 286). أما الصلاة والصيام والزكاة فإن طريقة أدائها وأحكامها مختلفة تماما فى الإسلام عنها فى اليهودية. وهذا كله ينطبق أيضا على النصرانية.
وأما الأطعمة فالذى حُرِّم فى الإسلام منها حسبما ورد فى القرآن "الميْتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردِّية والنطيحة وما أَكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذكَّيْتم وما ذُبِح على النُّصُب" مع السماح للمضطر أن يتناول من ذلك على قدر الضرورة لا يعدوها: "فَمَنِ اضْطُرَّ فى مَخْمَصَةٍ غيرَ متجانِفٍ لإِثْمٍ فإن الله غفور رحيم" (المائدة/ 3). وقد كان سبحانه حَرَّم على اليهود "كلَّ ذى ظُفُرٍ، ومن البقر والغنم حرَّمنا عليهم شحومَهما إلا ما حملتْ ظهورُهما أو الحَوَايَا أو ما اختلط بعظمٍ. ذلك جزيناهم ببَغْيِهم" (الأنعام/ 146)، "فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)" (النساء).
وفى الإصحاح الرابع عشر فى سفر "التثنية" من العهد القديم نقرأ: "1«أَنْتُمْ أَوْلاَدٌ لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ. لاَ تَخْمِشُوا أَجْسَامَكُمْ، وَلاَ تَجْعَلُوا قَرْعَةً بَيْنَ أَعْيُنِكُمْ لأَجْلِ مَيْتٍ. 2لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ، وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِكَى تَكُونَ لَهُ شَعْبًا خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
3«لاَ تَأْكُلْ رِجْسًا مَّا. 4هذِهِ هِى الْبَهَائِمُ الَّتِى تَأْكُلُونَهَا: الْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ 5وَالإِيَّلُ وَالظَّبْى وَالْيَحْمُورُ وَالْوَعْلُ وَالرِّئْمُ وَالثَّيْتَلُ وَالْمَهَاةُ. 6وَكُلُّ بَهِيمَةٍ مِنَ الْبَهَائِمِ تَشُقُّ ظِلْفًا وَتَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ وَتَجْتَرُّ فَإِيَّاهَا تَأْكُلُونَ. 7إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا، مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ الْمُنْقَسِمَ: الْجَمَلُ وَالأَرْنَبُ وَالْوَبْرُ، لأَنَّهَا تَجْتَرُّ لكِنَّهَا لاَ تَشُقُّ ظِلْفًا، فَهِى نَجِسَةٌ لَكُمْ. 8وَالْخِنْزِيرُ لأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. فَمِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا.
9«وَهذَا تَأْكُلُونَهُ مِنْ كُلِّ مَا فِى الْمِيَاهِ: كُلُّ مَا لَهُ زَعَانِفُ وَحَرْشَفٌ تَأْكُلُونَهُ. 10لكِنْ كُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ زَعَانِفُ وَحَرْشَفٌ لاَ تَأْكُلُوهُ. إِنَّهُ نَجِسٌ لَكُمْ.
11«كُلَّ طَيْرٍ طَاهِرٍ تَأْكُلُونَ. 12وَهذَا مَا لاَ تَأْكُلُونَ مِنْهُ: النَّسْرُ وَالأَنُوقُ وَالْعُقَابُ 13وَالْحِدَأَةُ وَالْبَاشِقُ وَالشَّاهِينُ عَلَى أَجْنَاسِهِ، 14وَكُلُّ غُرَابٍ عَلَى أَجْنَاسِهِ، 15وَالنَّعَامَةُ وَالظَّلِيمُ وَالسَّأَفُ وَالْبَازُ عَلَى أَجْنَاسِهِ، 16وَالْبُومُ وَالْكُرْكِى وَالْبَجَعُ 17وَالْقُوقُ وَالرَّخَمُ وَالْغَوَّاصُ 18وَاللَّقْلَقُ وَالْبَبْغَاءُ عَلَى أَجْنَاسِهِ، وَالْهُدْهُدُ وَالْخُفَّاشُ. 19وَكُلُّ دَبِيبِ الطَّيْرِ نَجِسٌ لَكُمْ. لاَ يُؤْكَلُ. 20كُلَّ طَيْرٍ طَاهِرٍ تَأْكُلُونَ. «لاَ تَأْكُلُوا جُثَّةً مَّا. تُعْطِيهَا لِلْغَرِيبِ الَّذِى فِى أَبْوَابِكَ فَيَأْكُلُهَا أَوْ يَبِيعُهَا لأَجْنَبِى، لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ".
وقد اعترض اليهود على الإسلام لإباحته بعض الأطعمة التى حرموها على أنفسهم مدعين أنها محرمة فى شريعة إبراهيم جد الفريقين جميعا، فرَدَّ القرآنُ عليهم قائلا: "كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِى إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)" (آل عِمْران).
وكان العرب فى الجاهلية يتقارضون بالربا. بل كان الدائن، إذا حل الأجل ولم يستطع المَدِين أن يسدد دَيْنَه برِبَاه، يمدّ له فى الأجل ويزيد فى الربا، فنزل القرآن ليضع خاتمة لهذا كله مهددا أشد التهديد من لا يرعوى عن ذلك الغبن الفاحش: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِى مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)" (البقرة)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)" (آل عمران)، "وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)" (الروم). وفى هذه النقطة نجد الإسلام يخالف اليهودية أيضا. ذلك أن اليهودية، وإن حرّمت الربا كذلك، فإن هذا التحريم لا يمتد ليشمل إقراض الأجنبى بالربا، بل يقتصر على تقارض اليهود فيما بينهم، مما يعكس نزعة التعصب الجنسى المقيت لديهم: يقول العهد القديم "لا تقرضْ أخاك بربا. للأجنبى تقرض بربا، لكن لأخيك لا تقرض بربا" (تثنية/ 23/ 19- 20). ذلك بأنهم، كما ذكر القرآن، كانوا يقولون: "ليس علينا فى الأميين (غير اليهود) سبيل" (آل عمران/ 75).
كذلك كان اليهود فى المدينة يزعمون للمسلمين أن الرجل إذا ما أتى زوجته من الخلف فى الاتصال الطبيعى جاء الولد أحول. فذكر المسلمون ذلك لرسول الله ، فنزل قوله تعالى: "نساؤكم حَرْثٌ لكم. فَاْتُوا حَرْثَكم أَنَّى شِئْتُم" (البقرة/ 223). أما النصارى فيقول القرآن عنهم فى موضوع الرهبانية: "ورهبانيَّةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاءَ رضوان الله، فما رَعَوْها حَقَّ رعايتَها" (الحديد/ 27)، إذ إنها على هذا النحو تدابر الطبيعة الإنسانية وتتجاهل متطلباتها، فيترتب عليها أشد الأضرار.
ومن هذه الأمثلة القليلة التى اقتصرنا عليها من القرآن الكريم وحده، وهناك الكثير جدا غيرها فى القرآن وفى السنة المحمدية المطهرة، يتضح لكل ذى بصيرة أن للإسلام شخصيته المستقلة، وهى شخصية سوية تتمشى مع العقل الإنسانى المحرر من أغلال الوثنيات والخرافات، ومع الغرائز الإنسانية المعتدلة. ومن هنا يمكننا أن نفهم قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الكتابَ بالحق مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه" (المائدة/ 49). إنه يوافق التوراة والإنجيل فيما لم تمسسه يد التحريف ولا يزال صالحا للبشرية. أما إذا كان ثمة تحريف أو اقتضت الظروف الإنسانية تبديلا فى هذا التشريع أو ذاك فإن القرآن يصدع حينئذ بالحق المبين. من هنا تتضح سفاهة الاتهام الذى يحاول المستشرقون والمبشرون تشويه وجه القرآن والإسلام به من أن تشريعات الإسلام مسروقة من اليهودية والنصرانية والوثنية وغيرها. وهناك دليل قاهر لمن كان له عقل أو ألقى القلب وهو مخلص أمين، ألا وهو أن محمدا لا يمكن أن يكذب أو يتوهم نزول وحى عليه ليست له حقيقة خارجية. لقد فصصت هذا الأمر تفصيصا فى كتابى: "مصدر القرآن"، ولم أجعل لشىء أى سلطان علىَّ لدى دراسة هذه القضية، ومن ثم تناولت كل شىء فيها دون أى قدر من التحرج أو التردد، فألفيتنى أمام شخصية باهرة سامقة شاهقة لا سبيل يصل بينها وبين الكذب أو الضلال أو الأوهام. كما لفتنى بقوةٍ أن الروح السارية فى القرآن الكريم هى روح إلهية مفارقة لنطاق البشر. وبنفس العزم والنية درست القرآن والحديث دراسة أسلوبية مقارنة، فاتضح لى اتضاحا لا يخالطه أدنى ريب أن الأسلوبين متمايزان فى ألفاظهما وصيغهما وفى عباراتهما وتراكيبهما وأبنيتهما، فتحصَّل عندى أن مصدر هذا غير مصدر ذاك. وهذا متاح لمن يريد فى كتابى الكبير: "القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية". وكل ذلك قد عزز عندى إلهية مصدر القرآن المجيد بلا أدنى جدال. أما متهِمو القرآن بأنه مأخوذ من هذا المصدر أو ذاك فهم كالذى يتهم سيدة محصنة شريفة بأنها حملت فى ابنها الذى يشبه أباه تمام الشبه فى كل شياته وملامحه لا من أبيه بل من جارها، وكل حجته أن للطفل شعرا، وللجار شعرا، أو أن للطفل منخرين، وللجار كذلك منخرين مثلا. وهو دليل مضحك، فكل الناس لها شعر ومنخران، وليست العبرة بهذا بل بالملامح الدقيقة والخاصة وما إلى ذلك، إلا أن المشكلة تكمن فى أن المتهِم، لسماجته وسماكة جلد وجهه، لا يبدو عليه شىء من الحياء أو الخجل.