مفهوم الوقف والابتداء والسكت والقطع

1- مفهوم الوقف والابتداء

أولا: معنى الوقف لغة واصطلاحا:
الوقف لغة: الكف والحبس عن مطلق شيء. [1]
الوقف اصطلاحا: قطع الصوت على الكلمة زمنا يسيرا يتمكن فيه القارئ من التنفس عادة، بنيّة استئناف القراءة، ويكون الوقف في رءوس الآي وأوساطها، ولا يكون في وسط الكلمة ولا فيما اتصل رسما.نحو: أين من "أينما،، وإن من إنما، وأن من ألا ... ".[2]
ثانيا: معنى الابتداء لغة واصطلاحا:
الابتداء: لغة: البَدْءُ، والشروع ، وهو ضد الوقف تقول بدأتُ الشي‏ء: فعلتُهُ ابتداءً والبدء: فعلُ الشي‏ء [3]
الابتداء اصطلاحًا: هو الشروع في القراءة سواء كان بعد قطع وانصراف عنها أو بعد وقف بنية استئناف القراءة [4]
ولدراسة الوقف والابتداء جانبان:
أولهما: معرفة ما يوقف عليه وما يبتدأ به وهذه قضية يحدّدها المعنى والسياق .
والأخر: كيف يوقف على الكلمة وكيف يبتدأ وما يحدث في هذا الصدد من صور صوتيّة أو تصريفية، والذي يهمنا هو الجانب الأول. [5]
2- مفهوم السكت والقطع
أولا: مفهوم السكت


السكت لغة: المنع. يقال: سَكَتَ الرجل عن الكلام أي امتنع عنه [6]
واصطلاحًا: قَطْعُ الصوت زمنا يسيرًا على الكلمة القرآنية من غير تنفس بنية استئناف القراءة مقداره حركتان، وهو مقيد بالسماع والنقل .
قال ابن الجزري: « وهو مقيد بالسماع، فلا يجوز إلا فيما ثبت فيه النقل، وصحت به الرواية"
وأشار إليه الإمام الشاطبي إلى هذه المواضع بقوله:
وسكتة حفص دون قطع لطيفة ... على ألف التنوين في عوجا بَلا
وفي نون من راق ومرقدنا ولا ... م بل ران والباقون لا سكت موصلا
وهذا يعنى أنه رُوي السَّكْت وجوبًا عن حفص في أربعة مواضع:
1- السكت على ألف: "عوجًا" من قوله تعالى: ] وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا[ الكهف: 2[7] .حتى لا يوهم أن ]قَيِّمًا[ نعت لـ ]عِوَجَا[ .
2- السَّكْت على ألف: "مرقدنا" من قوله سبحانه: ] قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا * هَذَا مَاوَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ[ يس: 52. لبيان أن كلام الكفار قد انقضى، وما بعده ليس من كلامهم بل هو من كلام الملائكة أو المؤمنين[8].
3- السَّكْت على نون: "من" من قوله تعالى: ] وَقِيلَ مَنْ * رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ[ القيامة: 27-28.لأن الوصل يوهم معنى "المُروق" وهي صيغة مبالغة، وهو غير مراد .
4- السَّكت على لام: "بل" من قوله تعالى: ] كَلا بَلْ * رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[ المطففين: 14 .
وقوله تعالى: مالِيَهْ هَلَكَ [الحاقة: 28، 29] فيه وجهان الإدغام والإظهار، فبالإدغام لا سكت، أما بالإظهار فيسكت القراء كلهم على هاء مالِيَهْ، لأنه لا يتأتى إلا بالسكت. [9]
قال الإمام أبو شامة المقدسي: (الإشارة بقولهم "دون تنفس" إلى عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة ([10])
ثانيا: مفهوم القطع:
القطع لغة: هو الإبانة والإزالة. تقول قطعت الشجرة إذا ابنتها وأزلتها.
القطع اصطلاحًا: قطع القراءة رأسًا والانصراف عنها إلى أمر خارجي لا علاقة له بها، فإذا عاد إليها مرة ثانية استحب له أن يستعيذ.
ولا يكون قطع القراءة إلا في أواخر السور أو على رءوس الآي على الأقل؛ لأن رءوس الآي في نفسها مقاطع، وقد ذكر الإمام ابن الجزري في النشر بسند متصل إلى عبد الله بن أبي الهذيل قال: كانوا يكرهون أن يقرءوا الآية ويَدَعُوا بعضها. وعبد الله بن أبي الهذيل تابعي كبير، وقوله: كانوا، يدل على أن الصحابة كانوا يكرهون ذلك والله تعالى أعلم ». منه بلفظه.
تعريف القطع: هو ترك القراءة كلية، والانتقال إلى أمر آخر غير متعلق بالقراءة .
وثبت عن ابن مسعود أنّ النبي أمره أن يقرأ عليه سورة النساء, حتى إذا وصل إلى قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً[النساء: 41] قال له: حسبك الآن, قال فرأيته, فإذا عيناه تذرفان. رواه البخاري ومسلم .وقطع القراءة على هذه الآية قبل إتمام المعنى؛ لأن قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِيِنَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ الَله حَديثاً[النساء: 42] مرتبط من جهة المعنى بما قبله, والتمام على رأس الآية هو الوقف التام؛ لأن ما بعدها كلام مستأنف جديد, وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الغَائِطِ أَوْ لا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الَله كَانَ عَفُوّاً غَفُورا[النساء: 43], وهذا العمل منه حجة في من قطع قراءته قبل تمام المعنى, والله أعلم
ولكن إن تتبع المعنى, وقطع عند انقضاء الأخبار والقصص, كما ورد ذلك عن السلف الصالح من التابعين والقراء وغيرهم, فذلك حسن, بل هو مما يعتنى به علماء الوقف والابتداء.
إن في الأمر سَعةً, والذي يدل على ذلك ما
الفرق بين الوقف والقطع والسكت:
الوقف لا يُسمَّى وقفًا إلا مع إجراء التنفس، بخلاف السكت لا يُسمَّى سكتا إلا مع قطع النفس .
الوقف: لا يشترط أن يكون على رأس أية بخلاف القطع: يشترط الوقف فيه على أواخر الآيات.
الوقف والسكت: فيهما نية استئناف القراءة، بخلاف القطع فيه نية التوقف عن القراءة[11].
[1] انظر: مادة (وقف)، لسان العرب لابن منظور:9/3059 [2] غاية المريد في علم التجويد لعطية قابل نصر، ص 233.

[3] لسان العرب لابن منظور (ت: 711) مادة: « بدأ ».

[4] غاية المريد في علم التجويد لعطية قابل نصر، ص 233.

[5] البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد الزركشي، ج 1 ص 415

[6] نهاية القول المفيد: ص153.، 2 وانظر: "النشر:"ج: 1، ص337".

[7] انظر نهاية القول المفيد: ص/ 179 .

[8] قال الإمام الداني: الوقف تام لأن ما قبله فى أهل الضلال وما بعده فى أهل الإيمان، وحدثني الدكتور عبد العزيز القارئ: أن الآية تتحدث عن البعث، فعندما يبعث الناس الذين ينكرون البعث يستغربون ويستنكرون ويكونون في غاية الحيرة ويتساءلون]مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا[ فيجابون أن الملائكة تجيبهم]هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ[ فالسكت يكون معناه هكذا، حتى لو وصل، فقوله: ]هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ[ جواب على سؤالهم، وسؤالهم سؤال من لم يكن مؤمنًا بالبعث ولذلك عندما يبعث يرتبك ويضطرب وتتملكه الحيرة، فيسأل: ]مَنْ بَعَثَنَا[ . انظر : سلسلة زاد المقرئين الصوتية الشريط الثاني

[9] نهاية القول المفيد: ص153.، 2 وانظر: "النشر:"ج: 1، ص337".

([10]) إبراز المعاني (67)

[11] انظر كتاب علم التجويد للمجتهدين ص: 407 .


البحث من كتاب مسك الختام في معرفة الوقف والابتداء لـ جمال القرش