آية الْمُرائين في القرآن
مررتُ اليوم بآية في كتاب الله أُسَمِّيها [ آية الْمُرائين ] قال الله : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(هود15،16) ما أسوأ أن يعمل المسلم الأعمال الصالحة العظام ثم هو يخرج منها خالي الوفاض! إذ أنه ابتغى بها وجه الخلق، فلم تكن خالصة لوجه الله ، فالبعض يبتغي الشهرة والسمعة في الناس، وقد يبتغي بعضهم وجه رئيسه في العمل أو غيره. فقد يصلي المسلم أو يصوم أو يحج رياء يبتغي السمعة بالتقوى.
وقد ينفق من ماله ويبذل الكثير منه في وجوه الخير يبتغي بذلك السمعة بالكرم. وقد يجاهد في جهادا عظيما حتى يقتل في الميدان ثم هو في النار؛ فقد ابتغى بجهاده السمعة والشهرة بالشجاعة والبسالة. اسمعوا لحديث أول ثلاثة تُسَعَّر بهم النار:

عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله يقول: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَفَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ،
قَالَ:كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ،
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَفَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِفَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَـسُحِبَ عَـلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّار" ثم بكى أبو هريرة بكاء شديدا وقال: صدق رسول الله : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا وقرأ الآيتين.
قال أكثر العلماء إن الآية السابقة عامة مطلقة في المسلمين وغيرهم.

وقال بعضهم: هي في الكفار،
وقال بعض العلماء: الآية في أهل الرياء من المؤمنين، والرأي الثالث أرجح عندي من الرأيين الآخرين ؛ ذلك أن أعمال الخير التي يعملها الكفار تذهب هباء منثورا بسبب كفرهم قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً فإن كانت أعمال البر والخير من الكافرين لا قيمة لها مع كفرهم فلم يعد يبقى في آيتي : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(هود15،16) إلا أهل الرياء من المؤمنين. والله أعلم

ما أصعب الإخلاص!
إن النية قد تبدأ صالحة خالصة ثم تلعب النفس بالقلب، فتخلط عليه، فَتُلَبِّس نيته بشوائب الدينا وزينتها فيحبط العمل. وكان من دعاء عمر الفاروق : "اللهم اجعل عملي صالحا ولوجهك خالصا ولا تجعل لأحد غيرك فيه شيئا" اللهم إنا نعوذ من الرياء، اللهم إنا نعوذ بك أن نبتغي بعملنا وجها غير وجهك الكريم، اللهم ارزقنا الإخلاص قولا وعملا. وطهر اللهم قلوبنا ونفوسنا من كل شر وسوء. وارزقنا التقى والهدى والعفاف والغنى.اللهم آمين.

د. محمد الجبالي