الفضول والإيمان

من العادات الطيبة في المسلمين هنا في ماليزيا إطعام الطعام، وهي بعض خصال المؤمنين، وفي أحد الأيام دُعِيتُ وزملائي المعلمين إلى غرفة المعلمات لتناول طعام أَعَدَّته إحدى المعلمات للجميع، وأثناء تناول الطعام تبادلنا أطراف الحديث، وكان من بين المعلمات ثلاثة منهن حوامل فقلتُ لهنَّ أَكْثِرْنَ من أكل التمر، فإنه ييسر عليكنَّ الولادة ، وهو غذاء ناجِعٌ للحامل وللجنين، وذكرتُ لهنَّ نِدَاءَ الْمَلَكِ للسيدة مريم بعد ولادتها عيسى قال الله تعالى: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)وقلتُ لهنَّ لقد قرأتُّ بحثا علميا أثبتَ أن التمر له فوائد عظيمة للحوامل خاصة.
وأثناء الحديث سأل أحد الزملاء إحدى المعلمات الحوامل والتي يبدو أنها على وشك الولادة، سألها: ماذا تحملين ذكرا أم أنثى؟ بماذا أخبرك الطبيب؟ فَوَجَمَتْ الزميلةُ، ورأيتُ تغيرا في وجهها وحَرَجًا شديدا، وهَمَّتْ أن تُجِيبَه، فَأَدْرَكْتُها وقلتُ لها لا تُجِيبي، لا تُخْبِرينا بذلك، فلا يعلم ذلك إلا الله، وَوَجَّهْتُ كلامي للزميل السائل وقلتُ له: ليس من حقك أن تسأل هذا السؤال، ولا من حق غيرك، فلا تَسَلْ عن ذلك. وإذا بالزميلة قد تَهَلَّلَ وَجْهُهَا، وكأني أَزَحْتُ عن صدرها صَخْرَةً ثَقِيلَةً، وقالت: نعم لا تَسْأَلْ، لا تَسْأَلْ، لا تَسْأَلْ.
إنه الفضول أحد أمراض النفس الإنسانية، إنه الفضول الذي يدفع المرء أن يسأل عن أشياء لا تخُصُّه، ولا تُعْنِيه، إنه الفضول الذي يدفع المرء إلى أن يقول ويتكلم فيما لا يخُصُّه، ولا يُعْنِيه، ولا طائل منه، إنه الفضول الذي يدفع المرء إلى أن يفعل أشياء ليس له أن يفعلها ، إذ أنها ليست من شأنه، ولا تُعْنِيه، ولا تنفعه، ولا تنفع غيره، فقد تكون سفاسف وتوافه أقل ضررها أنها ضياع للوقت، والانشغال بما لا معنى له، ولا طائل منه.
روى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: "مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ" هذا الحديث جعله الإمام النووي ضمن الأربعين النوويه لأهميته ، وهو من جوامع الكلم النبوي. ومعنى الحديث : أن مِنْ كمال إيمان المؤمن ومن محاسن الإيمان ألا يشغل المؤمن نفسه بما لا يهمه من شواغل الدنيا قولا كان أو فعلا. وصدق القائل: مَنْ سأل عما لا يُعْنِيه سمع ما لا يُرْضِيه.

وقد أجمل الأستاذ عبد العال الرشيدي عِدَّةَ فوائد جليلة لهذا الحديث في سبع نقاط أعجبتني ها هي: 1- ينبغي للإنسان أن يدع ما لا يعنيه؛ لأن ذلك أحفظ لوقته، وأسلم لدينه. 2- ترك اللغو والفضول دليل على كمال إسلام المرء. 3- الحث على استثمار الوقت بما يعود على العبد بالنفع. 4- البُعد عن سَفَاسِفِ الأمور ومرذولها. 5- التدخل فيما لا يعنييؤدي إلى الشقاق بين الناس. 6- الحديث أصل عظيم للكمال الخلقي، وزينة للإنسان بين ذويه وأقرانه. 7- وفي الحديث حثٌّ على الاشتغال فيما يعني المرءَ من شؤون دِينه ودنياه، فإذا كان مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فمِن حُسنه إذًا اشتغالُه فيما يعنيه."

ولا تَعَارُضَ بين هذا الحديث وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا تَعَارُض ، وإنما يتوجه الحديث إلى الفضول الذي يؤذي الآخرين سواء كان قولا أو عملا، ويتوجه إلى سَفَاسِف وتَوَافِهِ الأمر التي تضيع الأوقات ولا فائدة منها ولا طائل، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه الفريضة التي لا تسقط عن أحد من المسلمين قَوِيِّهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، خواصهم وعَوَامِّهم، إنها الفريضة الغائبة التي تركها المسلمون فسقطت الأمة فيما هي فيه الآن من قهر وذل واستعباد.

بقلم د. محمد الجبالي